درع الفرات.. رسائل تركية أين تنتهي؟

غياث عبد العزيز

درع الفرات، الاسم الأكثر تناولًا على وكالات الأنباء وصفحات التواصل الاجتماعي، خلال اليومين الماضيين، والتسمية التي أُطلقت على أول عملية بغطاء تركي مباشر لفصائل الجيش الحر داخل سوريا على الحدود الشمالية، معلنةً بداية مرحلة جديدة من التوازنات في الشمال السوري وشكلًا جديدًا من المعارك، تمثل في معركة جرابلس التي لا يبدو أنها ستكون الأخيرة بغطاء تركي معلن ومشاركة عسكرية مباشرة من تركيا.

وإن كانت الأهداف المعلنة من هذه العملية هي طرد تنظيم داعش من مدينة جرابلس أولًا، وقطع الطريق على قوات سوريا الديموقراطية في استكمال مشروعها الانفصالي في الشمال ثانيًا. فإن هذه العملية بالنسبة لتركيا تُعتبر ولا شك رد فعل ميداني قوي، في توقيت كثر الحديث فيه عن ضعف تركي وتفكك داخلي في صفوف الجيش التركي بعد محاولة الإنقلاب في تموز الماضي، وحملة الإعتقالات الواسعة التي أطلقها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في قيادات الجيش.

الرسالة الأخرى التي أراد الأتراك توجيهها من خلال عملية جرابلس هي إعلان ثبات الموقف التركي بشأن الوضع السوري، في ظل تأويلات متعددة تم تداولها في وسائل الإعلام، حول تراجع تركي وانكفاء متوقع في الخطاب السياسي بشأن الأحداث الجارية في سوريا، مردّه إلى زيارة أردوغان الأخيرة إلى روسيا والتواصل التركي- الإيراني منذ أسبوعين، والتركي- الأمريكي الأسبوع الفائت.

الخطوط الحمراء التي طالما أعلنتها تركيا في السابق والمتمثلة بالوقوف ضد أي وجود كردي يهدد مصالحها في الشمال السوري، كان لا شك الدافع الأول للتدخل. وفي ظل النجاح الملحوظ لعمليات المعارضة السورية اليومين الماضيين على الجبهة الشمالية في جرابلس وما حولها، بات من الواضح أن الطرف الكردي سيبدأ فعليًا بإعادة النظر في استراتيجية القتال المتبعة حاليًا لدى قوات سوريا الديمقراطية، فتزامن عملية درع الفرات مع معارك الشمال الشرقي بين قوات النظام الأسدي والأكراد، خصوصًا في مدينة الحسكة والجبهات المحيطة بها، سيضع الأكراد تحت ضغط مضاعف و بشكل غير متوقع من جانبين، بعد أن وصلوا خلال الأسابيع الماضية إلى أفضل حالاتهم وأوج توسعهم.

ليس التدخل التركي دون شك هو العائق الوحيد في وجه مشروع إقليم روج آفا في الشمال السوري، فالعوائق السياسية تبدو واضحة أمام وجه هذا المشروع وأهم تلك العوائق هو الاعتراف الدولي والاقليمي، وهو ما لن يحصل دون شك في ظل وقوف دول كإيران وتركيا والعراق في وجه إنشاء هذا الإقليم المعارض لمصالح تلك الدول، بل والمصنف كخطر وتهديد رئيسي على مصالحها الإقليمية وأمنها القومي.

وفيما يبكي مسؤولو النظام السوري سيادتهم الوطنية (التي انتهكتها تركيا، على حد تعبير بيان الخارجية السورية)، يظهر جو بايدن، نائب الرئيس الأمريكي، في تصريح يعلن من خلاله أن القوات التركية ستبقى داخل الشمال السوري، طالما تقتضي الحاجة ذلك. يعتبر ذلك رسالة خفية من الولايات المتحدة إلى الأكراد مضمونها بداية التخلي الأمريكي عن حليفهم الكردي في سوريا، وإن كان ذلك التصريح في ظاهره يشير إلى أن الأولوية التي تدعمها الولايات المتحدة هي محاربة تنظيم داعش الإرهابي، فإنه يظهر في باطنه أن المفاضلة قد حُسمت لدى أمريكا مابين الأتراك والأكراد، من خلال تدارك الولايات للموقف وشعورها بخطورة التقارب التركي الروسي مؤخرًا، ما دفعها لإعادة التوازن مجددًا وهو ما جعل الكفة تميل لصالح تركيا في نهاية الأمر.

من الواضح أن تركيا تطمح لإنهاء الحرب في سوريا بشكل يخدم مصالحها، أو على أقل تقدير، بشكلٍ يؤمّن حدودها الجنوبية مع سوريا. لكن هل يمكن أن يكون تأمين الحدود هو المكسب الوحيد للأتراك من هذا التدخل وهذا الحل؟

لن يكون من المستبعد أن نجد قواعد عسكرية تركية في المستقبل القريب في الشمال السوري، ولن نجزم هنا أن تركيا تطمح إلى مشروع “إسكندرون جديد”، لكن لا بد من الأخذ بعين الاعتبار الأهداف البعيدة المدى التي تطمح إليها تركيا من خلال هذا التدخل، وربما بعد أن حان الوقت بالنسبة للأتراك، فإن أهم تلك الأهداف هو حجز القسم المفضل بالنسبة لهم من الكعكة السورية التي بدأت تنضج على نار مستعرةٍ يومًا بعد يوم.

أخيرًا، فإن درع الفرات سيكون درعًا تركيًا أكثر من كونه درعًا سوريًا، ومن الواضح أن تركيا لن تتخلى عنه في المستقبل المنظور، الأمر الذي سيجعله دون شك بداية النهاية للطموح الكردي في الشمال السوري.

تابعنا على تويتر


Top