في المعتقل.. للجوع آثار، وخفايا النفوس تظهر

  • 2015/05/24
  • 1:48 م

محمد فواز – عنب بلدي

لا تقتصر آثار الجوع على الصحة البدنية للمعتقل، فالآثار التي يخلفها تكون أكثر خطورة وأذية على صحته النفسية، إضافة إلى سلوكه وتصرفاته.

فالإنسان الذي كان يعيش ظروفًا طبيعية قبل اعتقاله، حيث مأكله مؤمّن بشكل جيد، يرى نفسه قد تحول إلى شخص أشبه بمتسول داخل المعتقل، ينتظر لقمة طعام ويفرح بها. هذا التحول يجعل المعتقل يعيش حالة الشعور بالذل وفقدان القيمة والكرامة، بعد أن كان عزيزًا كريمًا بين أهله.

يوسف، المعتقل السابق في الفرع 215 في العاصمة دمشق يقول لعنب بلدي: «أنا من إحدى العائلات الكبيرة في ريف حماة، وكان بيتي لا يخلو من الضيوف، حتى في الثورة كنت أستضيف النازحين وأقدم لهم الطعام والشراب، وبعد اعتقالي لم أكترث للطعام لفترة شهر تقريبًا، ولكنه أصبح بعد فترة وسيلة حياة، ولا أستغني عنه».

«كانوا يرمون لنا الطعام كي يوزع علينا في المهجع»، يتابع يوسف بعد غصة، «كان نصيبي قطعة من الخبز وزيتونة في الصباح، وحفنة برغل على الغداء، وقطعة بطاطا مسلوقة في المساء، أنتظرها بفارغ الصبر، وآكلها بشره، ولكن في أوقات أخرى كنت أجلس بيني وبين نفسي لأشعر بحجم الذل الذي وصلت إليه».

اكتشاف ما لا يُعرف عن طبيعة النفس

تعتبر السجون أمكنة خصبة لاكتشاف حقيقة أخلاق الإنسان، فزنازين نظام الأسد تغص عادة بالمعتقلين، وهي تفتقر لاحتياجات السجين الأساسية من أغطية ولباس وطعام.

هذه الظروف تعتبر اختبارًا حقيقيًا لما يملكه المرء من صفات وأخلاق. ففي الحياة المدنية عندما يكون البيت مملوءًا بأنواع الأطعمة، وتعطي المحتاجين بعضًا منها، قد تعد نفسك كريمًا ومعطاءً، لكن عندما لا يكون بحوزتك في المعتقل أكثر من رغيف واحد، وتعطيه لزميل محتاج إليه، فهنا تعرف من تكون وهل أنت كريم أم لا.

وقد تضطر للامتناع عن النوم لتعطي صديقك الذي عاد للتو من التعذيب مكانك ليرتاح فيه، وهنا يمكن أن تصف فعلك بالإيثار أو الرحمة بالناس. وهو ما ينطبق على كل الصفات، مثل احترام الكبار بالسن والعطف والرأفة، فالمعتقل هو الميدان الحقيقي لكل السلوكيات الحميدة، وقد لا يتمتع الكل بها، ولكن على الأقل، وجب على كل فرد أن يعرف حقيقة ما كان يدّعيه من تلك الصفات ومدى تحليه بها.

ويروي محمد، أحد المعتقلين السابقين في سجون المخابرات الجوية بدمشق، «كان معنا الطبيب والمهندس والتاجر والعامل والفقير في الزنزانة، إلا أن التقييم في السجون يختلف كليًا عن الحياة الطبيعية، فلا الطبيب ولا التاجر يستحق الاحترام إلا حسب ما يمتلك من صفات وأخلاق».

ويتابع في حديثه لعنب بلدي «أحد المعتقلين كان تاجر عقارات، وبعد الاحتكاك به صرنا لا نقيم له وزنًا ولا قيمة، فمن يسرق من زملائه رغيف خبزهم، ويذل نفسه من أجل لقمة طعام زائدة عن أحدهم لا يستحق الاحترام، وترى في الزنزانة نفسها أحد الفقراء أو الجهال، يمتلك من صفات الإيثار والكرم ما لا يمتلكه الأثرياء والأطباء والمهندسون».

مقالات متعلقة

  1. تفاصيل دقيقة من زنازين "الأمن العسكري" في درعا
  2. في الزنزانة.. مصير مشترك وانتهاكات مقابل رغيف خبز
  3. في سوريا.. السجن حلم كل معتقل
  4. المعتقلون بين الأمل واليأس

مجتمع

المزيد من مجتمع