قلة هم أولئك الذين يضيئون الدروب للآخرين في عتمة الطريق، ويأخذون بأيديهم نحو الاتجاه الصحيح، ويبثون الأمل في النفوس رغم قسوة المصاعب والمصائب.
كان محمد أنور قريطم، المعروف بـ«أبو النور»، واحدًا من هؤلاء. جمع بين الفكر والعمل، وربط الأفكار بالممارسة، فترك أثرًا واضحًا في محيطه. عُرف بإبداعه وقدرته على ابتكار مبادرات عملية، لم تبقَ حبيسة الكلام، بل تحولت إلى أفعال على أرض الواقع، مدفوعة بمحبة عميقة لوطنه ومجتمعه.
نشاط مبكر ومواجهة مع الأمن
في عام 2003، لم تُثنِ القبضة الأمنية للنظام السوري الطالب الجامعي الشاب عن العمل من أجل مستقبل آمن وعادل. شارك أبو النور مع مجموعة من أصدقائه من أبناء داريا (ريف دمشق الغربي) في مبادرات مدنية هدفت إلى نشر ثقافة مكافحة الفساد والرشوة، والعمل على نظافة المدينة، في تجربة مبكرة للحراك المدني السلمي.
لكن تلك الأنشطة لم تمر دون رد، إذ اعتقل النظام أبو النور وعددًا من رفاقه، وسُجنوا لفترة من الزمن. ورغم ذلك، لم تُضعف التجربة عزيمته، بل زادته إصرارًا، ليكمل دراسته الجامعية ويتخرج، مستمرًا في التزامه تجاه قضايا مجتمعه.
مع انطلاق الثورة السورية
مع بداية الثورة السورية عام 2011، كان أبو النور من أوائل من نادوا بالحرية والكرامة، مؤمنًا بأن «للحرية ثمنًا كبيرًا، لكن ثمن السكوت عن الظلم والذل أكبر». ترك بصمته في الحراك الثوري في داريا، ما جعله هدفًا للملاحقة الأمنية منذ الأيام الأولى.
وللضغط عليه، اعتقلت الأجهزة الأمنية شقيقه وعددًا من أقاربه، بينما نجا هو من الاعتقال أكثر من مرة، مواصلًا نشاطه رغم التهديدات المتصاعدة.
أفكار مدنية في مواجهة القمع
في ظل التضييق الأمني وفقدان داريا عددًا كبيرًا من شبابها، ومع تصاعد القمع ومنع التظاهر داخل المدينة، قدم أبو النور واحدة من أكثر المبادرات رمزية، عُرفت بـ«مظاهرة الفزاعات». انتشرت الفزاعات في شوارع داريا الخاضعة للدوريات الأمنية على مدار الساعة، في رسالة واضحة مفادها أن المدينة ما زالت تطالب بالحرية، حتى لو غاب أبناؤها عن الساحات.
لاحقًا، ومع ازدياد العنف وميل بعض الشباب إلى العمل العسكري، وظهور أخطاء السلاح العشوائي، سعى أبو النور إلى إعادة توجيه البوصلة الثورية. أطلق فكرة اللوحات الطرقية التي تحمل عبارات توعوية وشعارات الثورة السورية وأهدافها، موجهة مباشرة لأهالي المدينة.
أشرف بنفسه على تنفيذ هذه اللوحات، وشارك في كتابتها وتعليقها، متنقلًا ليلًا مع رفاقه بين أحياء داريا، لإرشادهم إلى مواقع التعليق. وفي الأيام التالية، غصّت شوارع المدينة بعشرات اللافتات التي أعادت التأكيد على الطابع المدني للحراك.
«عنب بلدي»… مشروع إعلامي من قلب داريا
شكّلت جريدة «عنب بلدي» محطة مفصلية أخرى في مسيرة أبو النور. كان أحد مؤسسي الجريدة التي أطلقها نشطاء داريا لتكون صوت المدينة إلى الخارج، ومرآة لواقعها تحت القمع والحصار.
شارك في مجلس إدارة المشروع الناشئ، وأسهم بجهد مستمر في تطويره. وحتى بعد خروجه من مجلس الإدارة إثر انتخابات دعا إليها بنفسه، لم يتراجع دوره، وبقي حاضرًا مع الفريق في مختلف مراحل العمل، يشارك في إعداد الأعداد ويترك بصمته التحريرية والتنظيمية.
وكان لطقسه الأسبوعي الخاص مكانة محببة لدى الفريق، حين كان يحضر صباح كل أحد “فطور الفول” بعد الانتهاء من إعداد العدد، في لحظة جماعية بسيطة وسط ظروف قاسية.
الحصار الأخير والاستشهاد
مع بدء الحملة العسكرية الأخيرة على داريا مطلع تشرين الثاني 2012، وتصاعد القصف وخروج معظم سكان المدينة، أصر أبو النور على البقاء، ليكون إلى جانب من تبقى من الأهالي، مقدمًا العون، ومسهمًا في نقل صورة المدينة المحاصرة إلى الخارج.
تنقل دون كلل بين الأحياء، منسقًا بين النشطاء الذين قرروا البقاء لتغطية الحملة، ولتنفيذ أعمال الإسعاف والإغاثة.
في يوم الأربعاء 28 تشرين الثاني 2012، فُقد الاتصال بأبي النور بعد توجهه إلى منزل رفيق دربه الأستاذ عبد الرحيم شربجي (أبو مصعب) وابن شقيقه المصور مروان شربجي (أبو إياس)، على طريق المعضمية. تزامن وجودهم في المنطقة مع غارات جوية شنتها طائرات «ميغ» على المدينة، ألقت خلالها صواريخ يُرجّح أنها حملت مواد غازية سامة.
وبعد يومين من البحث، عُثر عليهم يوم الجمعة 30 تشرين الثاني 2012 مستشهدين داخل المنزل الذي استُهدف بعدة صواريخ، في ظروف حالت دون إنقاذهم.
غادر محمد قريطم الحياة، تاركًا إرثًا مدنيًا وإنسانيًا كبيرًا، وطفلتين صغيرتين، وأمانة ثقيلة عنوانها أن الفكرة قد تكون أحيانًا أقوى من السلاح.
