«لمين بدي اترك بيتي وحارتي، أنا ولدت هون وبدي موت هون».
بهذه العبارة اختصر الحاج عبد الرحيم محمود شربجي (أبو مصعب) موقفه من النزوح، في واحدة من أكثر المراحل دموية التي عاشتها مدينة داريا (ريف دمشق الغربي)، منذ انطلاق الثورة السورية.
في يوم الجمعة 22 نيسان 2011، المعروف في سوريا بـ«الجمعة العظيمة»، شهدت المدينة أول أيامها الدامية مع انطلاق الاحتجاجات الشعبية، حيث ارتكب النظام السوري أولى مجازره بحق سكان المدينة، وأسفرت عن سقوط ثلاثة من أبنائها، كانوا أول شهداء داريا.
وبينما كانت قوات النظام تنسحب من المدينة مدججة بالسلاح، وقف أبو مصعب أمام منزله يراقب عناصر الأمن وهم يهتفون ويتباهون بما ارتكبوه. عندها صرخ أحدهم آمِرًا إياه بالدخول إلى منزله، فرد عليه بهدوء وثبات: «هذا بيتنا وهذه حارتنا، عساكم تذهبوا أنتم لتحرير الأقصى، فذاك خير لكم».
لم يكن أبو مصعب ممن يخشون قول كلمة الحق. عُرف عنه جهره بما يعتقده صوابًا، وعدم تردده في مواجهة الظلم، مستندًا إلى فكر إسلامي متجدد، وتجربة في العمل العام، جعلت منه شخصية معروفة في مدينته.
التزام ديني وموقف يومي
حافظ أبو مصعب على أداء صلاة الجماعة في المسجد رغم الظروف الأمنية التي اشتدت في داريا. وفي يوم كان فيه متجهًا إلى المسجد، نبهه جيرانه إلى أن قناصًا متمركزًا على حاجز قريب أطلق النار قبل دقائق على أحد المارة في الشارع العام، ما أدى إلى مقتله، وطلبوا منه عدم المجازفة.
لكن الحاج أكمل طريقه قائلًا: «إما أن أذهب إلى المسجد، أو أذهب إلى الجنة».
نشاط مدني قبل الثورة
لم يكن الشهيد أبو مصعب رجلًا عاديًا عند مقارنته بأبناء جيله. ففي مطلع عام 2003، شارك في حملات مدنية أُطلقت في داريا لمكافحة الفساد والرشوة، ونشر ثقافة النظافة العامة. كان ينزل إلى الشوارع مع شبان المدينة حاملًا المكنسة والأكياس، في محاولة لترسيخ مفهوم العمل الجماعي والقدوة.
وعقب الغزو الأمريكي للعراق في نيسان 2003، شارك في مسيرة صامتة تنديدًا بالعدوان، ما أثار حفيظة النظام السوري آنذاك، ليبدأ لاحقًا بملاحقة منظمي المسيرة والمشاركين فيها. اعتُقل أبو مصعب تعسفيًا، وقضى ثلاثة أشهر في زنازين فرع أمن الدولة، أمضى معظمها في الحبس الانفرادي، دون مراعاة لعمره أو وضعه الصحي.
بعد الإفراج عنه، لم تتوقف المضايقات الأمنية، إذ فُرضت عليه مراجعات دورية للأفرع الأمنية، في محاولة لمنعه من أي نشاط فكري أو ديني خارج الإطار الرسمي. واستمر التضييق عليه حتى أواخر عام 2010، حين داهمت الأجهزة الأمنية منزله وصادرت عشرات الكتب والأقراص، واقتادته للتحقيق على خلفية لقاء فكري مع عدد من أصدقائه، استمر ثلاثة أيام.
مع انطلاق الثورة
مع بداية الحراك الشعبي في سوريا عام 2011، كان أبو مصعب من أوائل الداعمين للنضال ضد الاستبداد. شجع الشباب، وشارك في المظاهرات، وحضر الاجتماعات الأولى التي عُقدت في داريا للحوار وتنظيم الحراك.
ومن أبرز مواقفه مشاركته في مظاهرة انطلقت من داريا باتجاه مدينة المعضمية المجاورة سيرًا على الأقدام، رغم تقدمه في السن واعتماده على عصا يتكئ عليها، متحديًا الحر والتعب.
بعد نحو أسبوعين فقط، شنت الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها المخابرات الجوية، حملة مداهمات ليلية واسعة في المدينة. اعتُقل أبو مصعب أثناء توجهه إلى المسجد لأداء صلاة الفجر، وتعرض للضرب والإهانة، دون مراعاة لكبر سنه أو وضعه الصحي.
استمر اعتقاله 28 يومًا في ظروف سيئة، قبل أن يُحال إلى محكمة داريا التي أفرجت عنه.
«هون بدي ضل»
لم تُطفئ تلك التجربة جذوة الثورة في داخله. ومع تصاعد القصف والاقتحامات التي تعرضت لها داريا، اضطر كثير من سكانها إلى النزوح. حاول أبناؤه وأفراد عائلته إقناعه بمغادرة المدينة خوفًا عليه، لكنه رفض، متمسكًا بقراره:
«لمين بدي اترك بيتي وحارتي، أنا ولدت هون وبدي موت هون».
فضّل أبو مصعب البقاء في منزله، رافضًا أن يترك مدينته لقوات النظام والشبيحة، ومختارًا العيش أو الموت تحت القصف على النزوح.
الاستشهاد
في يوم الأربعاء 28 تشرين الثاني 2012، استهدفت غارة جوية منزلًا كان يقيم فيه الحاج أبو مصعب مع ابن أخيه مروان، ورفيق دربه محمد قريطم (أبو النور). وأسفر القصف عن استشهادهم جميعًا، في غارة يُعتقد أنها استخدمت صاروخًا محملًا بمواد سامة.
ارتقى أبو مصعب عن عمر ناهز السبعين عامًا، حاملًا روح الشباب حتى لحظاته الأخيرة، كما عرفه أهل مدينته: ثابتًا على موقفه، صادحًا بالحق، ومتمسكًا بمدينته حتى الشهادة.
