حرب الإعلام والمصطلحات في القضية الفلسطينية

  • 2022/06/30
  • 5:34 م

اعتداء قوات الاحتلال الإسرائيلي بالضرب على المشيعين وحاملي نعش الراحلة شيرين أبو عاقلة- 13 من أيار 2022 (أسوشيتد برس)

القضية الفلسطينية، إحدى أبرز القضايا العربية، وأكثرها حضورًا في نشرات الأخبار على مدار عقود من الزمن.

وإذا كان نصيب الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة قد تراجع لمصلحة أخبار أكثر سخونة، لا سيما منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، فإن بريق القضية ضمن النشرة بقي ثابتًا، من خلال حالات التصعيد التي تحدث من وقت لآخر، معيدة القضية إلى صدارة المشهدين السياسي والإعلامي.

وخلال التغطية، تترامى وسائل الإعلام على أكثر من اتجاه في التغطية، فالمصطلحات ليست موحدة، واللغة وأسلوب معالجة الموضوع المطروح مختلفة أيضًا.

الاختلافات التي تواجه الوسيلة مردها إلى العديد من العوامل، فمنها ما هو سياسي، يرتبط بتوجه الوسيلة الإعلامية وموقفها من القضية بحد ذاتها، هذا الموقف الذي يرتبط إلى حد بعيد بتوجه الدولة والحكومة، حين تكون وسيلة الإعلام رسمية، وناطقة باسم السلطة الحاكمة، وتعكس رؤيتها وروايتها، أو قريبة من هذه الحكومة أو تلك.

وهناك أيضًا عامل الحرب الإعلامية التي يشنها الطرف الند أو الخصم في القضية، مستفيدًا من ماكينة إعلامية ضخمة يقود جزءًا منها بنفسه، بينما يتولى حلفاؤه الغربيون الترويج للرواية ذاتها عبر وسائل إعلام لا تقل شأنًا عن وسائل إعلام أصدقائهم، فالكيان الإسرائيلي لم يكتفِ بجهوده الخاصة في محاربة الرواية الفلسطينية للحدث، بل ساعده أيضًا الإعلام الداعم على مستوى العالم.

وبالعودة إلى ظروف وسبل التغطية، والثقافية منها بالتحديد، فإن حالة الصدام بين لغة نقل الحدث، بروايته الإسرائيلية والفلسطينية، وتعزيز منظمات وهيئات دولية للغة لا تخدم أصحاب الأرض، واتباع وسائل إعلام عربية لغة تتماشى مع “الجو العام”، خلقت حالة من الانزياح اللغوي، الذي أفرغ الكلمات من مضمونها، واستبدل بها مرادفات في الظاهر، لكن دلالاتها اللغوية تختلف تمامًا عن المراد قوله فعلًا.

التطبيع عبر الإعلام

قد تجد الوسيلة الإعلامية نفسها “متورطة” في “تطبيع إعلامي” مع الكيان الإسرائيلي، بشكل غير مقصود، عبر استخدام لغة غير مناسبة، عند نقل مادة إعلامية تتعلق بالقضية الفلسطينية، ويشمل ذلك أسماء الأحياء والمناطق، إلى جانب مصطلحات ذات بعد قانوني قادرة بعد تعريضها لعامل الزمن على تشويه الرواية الأصلية مستقبلًا.

“منتدى فلسطين الدولي للإعلام والاتصال” (تواصل)، عقد مطلع حزيران الماضي لقاء شاركت فيه جريدة “عنب بلدي”، وضم العديد من وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية التي تغطي مواضيع على ارتباط بالقضية الفلسطينية.

تناول اللقاء أساليب التغطية، ونظرة صاحب الأرض والقضية، وموضوع المادة الإعلامية لكيفية تناول قضيته عبر وسائل الإعلام، مع التشديد على ضرورة تمسك وسائل الإعلام بالمصطلحات الواقعية، والتي وردت في “دليل السياسات الإعلامية لتغطية قضية القدس”، و”دليل التناول الإعلامي لقضية الاستيطان في الضفة الغربية”، الصادرَين عن المنتدى نفسه.

وباعتبار أن وسائل الإعلام عامل مباشر للتأثير في الرأي العام والوعي وثقافة الجمهور، ولتمييز أسلوب التغطية، يعرّف “تواصل” التطبيع الإعلامي مع الكيان الإسرائيلي، ويدرجه في العديد من الخانات، ومنها استضافة قياديين وناطقين رسميين أو متحدثين ومحللين سياسيين إسرائيليين، للتعبير عن رواية الاحتلال عبر وسائل الإعلام العربية والفلسطينية، بصرف النظر عن السياق.

وهناك أيضًا اعتماد ونقل الرواية الإسرائيلية للأحداث، دون التحقق منها، وإجراء التحرير والتعديل اللازمين، إلى جانب تعاون وسائل الإعلام العربية مع الإسرائيلية، ونشر الإعلانات المتبادلة بينهما، وتوفير الفرص للمروجين للتطبيع، للظهور وترويج أفكارهم عبر وسائل إعلام عربية.

نشر المقالات والكتابات لكتّاب ومسؤولين إسرائيليين وناطقين باسم الاحتلال في صحف عربية، والمشاركة في فعاليات صحفية بالشراكة مع إسرائيليين للترويج لرواية الاحتلال، والاشتراك في الأعمال الدرامية والسينمائية مع مخرجين وممثلين أو منتجين إسرائيليين، كل ذلك يندرج أيضًا في إطار التطبيع الإعلامي.

ويهدف التطبيع الإعلامي إلى تأطير القضية الفلسطينية وعزلها عن بعديها، العربي والإسلامي، والترويج لفكرة إسرائيل كدولة لا قوة احتلال، وتهيئة الجمهور لتقبل أي ممارسات تطبيعية مستقبلية، إلى جانب تشويه الجهات الرافضة للتطبيع والتشكيك بخلفياتها، وكسر حالة الإجماع الشعبي حول رفض التطبيع.

تشويه مصطلحات

تستعرض عنب بلدي مجموعة من المصطلحات المتداولة عبر وسائل الإعلام العربية، مع تبيان المصطلح الفلسطيني المقابل لها، استنادًا إلى الدليلين السابقين.

تتداول وسائل الإعلام الإسرائيلية مصطلح “أورشاليم” للدلالة على القدس، عاصمة فلسطين، ومصطلح حي اليهود للدلالة على حارة الشرف وحارة المغاربة، وحائط المبكى للإشارة إلى حائط البراق.

ويشير مصطلح هيكل سليمان الذي يتناوله الإسرائيليون إلى المسجد الأقصى، والقدس الكبرى إلى القدس المحتلة، كما يقصد الإسرائيليون بمصطلح جبل الهيكل المسجد الأقصى، وجبل بيت المقدس.

وإلى جانب أسماء المدن والبلدات والقرى، هناك مصطلحات ذات بعد وسياق قانونيين، فما يعنيه الإسرائيليون في “صحراء يهودا” هو برية القدس، كما يشير مصطلح البؤرة الاستيطانية إلى نواة مستوطنة احتلالية، ويدل مصطلح الجدار العازل أو الفاصل على جدار الفصل، أو جدار العزل العنصري، كما يسميه الفلسطينيون.

التوازن يعني الحقيقة

مدير منتدى “تواصل”، بلال خليل، أكد في حديث لعنب بلدي، أن التغطية السليمة للقضية الفلسطينية، والتي تقوم على نقل صورة الوضع في فلسطين تحت الاحتلال، لا تتعارض بالمطلق مع الشرعية والقوانين الدولية، التي تصف بشكل قطعي الاحتلال احتلالًا، إلى جانب إدانة المؤسسات الحقوقية الدولية للاحتلال، ووصفها إياه بـ”نظام الفصل العنصري”.

خليل شكّك بوجود تعارض بين التغطية السليمة والمعايير الدولية للصحافة كمبادئ وقوانين، باعتبار أن هذه المبادئ والمعايير وُضعت لضمان وحماية أهداف العمل الصحفي الذي يتبنى في صلبه الدفاع عن الإنسان وتمثيله.

مدير المنتدى شدّد أيضًا على ضرورة التزام أسلوب الطرح، بعدم ارتكاب مخالفة لأخلاقيات الإعلام، عبر التأكد من مصداقية الخبر، والامتناع عن السرقة الفكرية، والإشارة إلى المصادر، وغيرها من ضوابط الالتزام العملي بالمعايير الدولية للصحافة.

وحول معايير التوازن والموضوعية في تغطية الوسيلة حين تتبنى القضية، أوضح بلال خليل أن مصطلح الحياد والوقوف على مسافة واحدة، بدعوى التوازن، لا يتعارض مع نقل الحقيقة والواقع كما هو، فنقل ما يجري من أحداث، وسردها دون تزوير أو تحريف، ودون انحياز لجهة ما، هو عين الحياد والتوازن، وتجاهل سرد الحقيقة بدعوى الحياد، هو عين الانحياز، ولا يخدم الصحافة ولا القضية، وفق رأيه.

وبعد سؤاله حول أحقية الوسيلة في تبني قضية تؤمن بها، قال بلال خليل، “تؤسس الوسائل الإعلامية لأحد هدفين، الغاية التجارية أو الدفاع عن قضية أو رأي وتمثيله”، كما اعتبر التغيرات في المصطلحات، واستخدام مفردات قد لا تخدم المعنى قانونيًا وسياسيًا، مرتبطة إلى حد بعيد باختلاف التوجهات والأهداف والقناعات السياسية والخط التحريري للمؤسسة الإعلامية.

ليس كلامًا فقط

خلال السنوات الأخيرة، سلكت بعض وسائل الإعلام العربية اتجاهات “أكثر انفتاحًا” مع الكيان الإسرائيلي، تماشيًا مع التيار السياسي “الطاغي” في البلد الذي تقدم به الوسيلة خدماتها، وتجلى ذلك خلال موجة التطبيع التي شملت أربع دول عربية، خلال الأشهر الأخيرة من عام 2020.

هذه الموجة منحت الولايات المتحدة الدول المشاركة بها بعض الامتيازات، قبيل مغادرة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، البيت الأبيض.

ولم تتوقف المسألة عند حالة المقايضة، التي تجلّت بوضوح من خلال موافقة الإدارة الأمريكية على عقد صفقة بيع طائرات مقاتلة من طراز “F-35” مع الإمارات، وشطب السودان عن قوائم الإرهاب الأمريكية، واعتراف إدارة ترامب حينها بسيادة المغرب على إقليم الصحراء الغربية.

الإمارات ذهبت في اتفاقيات التطبيع أبعد من ذلك، من خلال تطويرها العلاقات السياسية والاقتصادية بوتيرة متسارعة مع الإسرائيليين، فالرئيس الإماراتي، محمد بن زايد، التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتهية ولايته، نفتالي بينيت، في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، خلال زيارة “مفاجئة” وفق ما وصفتها وسائل إعلام إسرائيلية، في 9 من حزيران الماضي.

كما وقع وزير الاقتصاد الإماراتي مع نظيرته الإسرائيلية، في 31 من أيار الماضي، اتفاقية تجارة حرة بين الجانبين.

ويُضاف إلى محطات التعاون الإسرائيلي- الإماراتي المعلَنة، استثمار إماراتي بقيمة نحو 100 مليون دولار بقطاع التكنولوجيا في إسرائيل، وفق ما نقلته هيئة البث الإذاعي الإسرائيلي (مكان) في 15 من كانون الثاني الماضي.

وفي 23 من كانون الأول 2021، تحدث وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، عن تحالف جديد في الشرق الأوسط من “المعتدلين الذين يروّجون للحياة”، بحسب تعبيره.

انعكست هذه الخطوات على أسلوب تغطية أحداث ساخنة، كالعمليات التي نفّذها شبان فلسطينيون، في آذار الماضي، بالداخل الفلسطيني المحتل، وأسفرت عن مقتل 11 إسرائيليًا خلال ثلاث عمليات.

وتماشيًا مع التوجه السياسي، اعتبرت وسائل إعلام عربية رسمية لدول عربية “على علاقة مع إسرائيل”، أن هذه العمليات “إرهابية”، ولا تعدو كونها أحداث عنف، ما يعني تقديمها بهذه الصورة عبر وسائل الإعلام.

تفاوت في “اللهجة”

اتخذت بعض وسائل الإعلام التي تزعم تمسكها بالقضية الفلسطينية أسلوبًا مختلفًا في التغطية، فقناة “المنار” الناطقة باسم “حزب الله” اللبناني باركت تلك العمليات، بمعزل عن تبني تنظيم “الدولة الإسلامية”، عبر وكالة “أعماق” التابعة له، إحدى تلك العمليات المنفّذة في 22 من آذار الماضي، وأسفرت عن مقتل عنصري “شرطة يهودية”، وإصابة آخرين، بهجوم “انغماسي مزدوج” لمقاتلي “الدولة الإسلامية” شمالي فلسطين.

كما تشير قناة “المنار” للاحتلال الإسرائيلي بـ”العدو الإسرائيلي”، وهو المصطلح الذي برز بوضوح في وسائل الإعلام السورية الرسمية والمقربة من النظام، مع تصاعد وتيرة القصف الإسرائيلي لنقاط ومواقع في سوريا، إلى جانب مصطلح “الاحتلال الإسرائيلي”.

وفي 11 من أيار الماضي، اغتالت قوات الاحتلال الإسرائيلي، برصاصة في الرأس، مراسلة قناة “الجزيرة” في الأراضي المحتلة، خلال تغطيتها تطورات الأوضاع في مدينة جنين ومخيمها في الضفة الغربية.

هذا الحدث الذي ترافق بردود فعل دولية وإدانات عالمية، تعاملت معه وسائل إعلام “الدول المطبعة” بحيادية، داعية لفتح تحقيق في القضية، دون أي اتهامات للاحتلال الإسرائيلي، بينما تبنت قناة “الجزيرة” فكرة أن شيرين أبو عاقلة قُتلت برصاصة جندي إسرائيلي.

وتعبيرًا عن موقف القناة التي تستضيف عادة محللين سياسيين ومتحدثين إسرائيليين، تحت شعار “الرأي والرأي الآخر”، أعلنت “الجزيرة” إيقاف استضافة أي شخصية إسرائيلية للحديث في أي موضوع أو التعليق على أي حدث، عبر شبكة قنواتها.

لمن يهمه الأمر

واختتم اللقاء الذي عقده “منتدى فلسطين الدولي للإعلام والاتصال” مع وسائل الإعلام، بمجموعة توصيات لوسائل الإعلام الفلسطينية والعربية المعنية بتغطية الأوضاع في الأراضي المحتلة، أبرزها خلق حالة التضامن المتبادل عبر التفاعل والتضامن مع الشعوب الأخرى، والانتباه إلى محاولات توجيه “الإعلام العبري” دفة القضية لمصلحته، والاستفادة من المؤثرين، وتخصيص مساحة للشأن الفلسطيني ضمن التغطية.

إلى جانب ذلك، أوصت الوسائل الإعلامية بتعيين متخصصين في الشأن الفلسطيني ضمن الوسيلة الإعلامية، باعتبار أن المشهد معقد، إلى جانب ضرورة التركيز على الجوانب الإيجابية والإنجازات والإبداع، للتخفيف من جرعة التراجيديا في التغطية.

كما أن محاولة الضغط على القنوات الكبرى، في سبيل منع استضافة إسرائيليين، وخلق حالة تأثير لدى الإعلاميين العرب، وربط مشكلات الأمة العربية بما يجري في الأراضي المحتلة، يساعد أيضًا في تفكيك المشهد أمام الجمهور العربي.

مقالات متعلقة

  1. تطورات قضية مقتل شيرين أبو عاقلة.. السلطة الفلسطينية ترحب بتحقيق دولي
  2. شيرين أبو عاقلة.. رفيقة "الجزيرة" صارت هي الخبر
  3. الأسد يستغل التعاطف مع القضية الفلسطينية لتمرير رسائله
  4. الخارجية الفلسطينية ترفع ملف اغتيال أبو عاقلة إلى "الجنائية الدولية"

دولي

المزيد من دولي