تلميح سعودي.. هل تخطو الرياض على طريقة أبوظبي نحو دمشق

  • 2023/01/29
  • 11:48 ص

رئيس النظام السوري، بشار الأسد، وولي العهد السعودي، محمد بن سلمان (تعديل عنب بلدي)

عنب بلدي- جنى العيسى

عادت قضية التقارب بين السعودية والنظام السوري، إلى طاولة التقارير الإعلامية مؤخرًا، بالاعتماد على عدة مؤشرات منها رسمية وأخرى مصادرها “غير مصرح عنها”.

ومن أبرز هذه المؤشرات، تصريح وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في “دافوس” بسويسرا في 19 من كانون الثاني الحالي، وقال حينها، “نعمل مع شركائنا لإيجاد طريقة للتواصل مع الحكومة في دمشق، على نحو يؤدي لتحركات ملموسة باتجاه حل سياسي”.

تعليق الوزير مغاير لما كرره خلال السنوات الماضية عن رغبة بلاده بعدم التعامل مع رئيس النظام السوري، بشار الأسد، إذ اعتبر ابن فرحان، في تشرين الثاني 2021، في ظل تقارب العديد من الحكومات، منها دول في الخليج العربي، مع النظام السوري، أنه من المنطقي أن يكون لبعض الدول سياسة منهجية مختلفة في تعاملاتها مع الدول الأخرى، موضحًا أن تقاربها مع النظام قد يسهم في دفع المسار السياسي إلى الأمام.

تبعه بشهر تصريح المندوب السعودي لدى الأمم المتحدة، عبد الله المعلمي، في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال فيه، “لا تصدقوا إذا قالوا إن الحرب انتهت في سوريا، وأن الأولوية لا يجب أن تعطى لإعادة الإعمار في سوريا، بل لإعادة بناء القلوب”، متسائلًا “ما النصر الذي حققوه إذا وقف زعيمهم على هرم من الجثث”.

بينما تمثل المؤشر الثاني، على احتمال تقارب مقبل بين النظام والسعودية، بقرار صادر عن حكومة النظام نشر، في 16 من كانون الثاني الحالي، سمحت بموجبه للمستوردين باستيراد عدة مواد من المملكة العربية السعودية، أبرزها السكر والمواد الكيماوية والبتروكيماوية.

واستند القرار، بحسب نصه، إلى ما أوضحته وزارة الخارجية والمغتربين، بأنه “لا مانع سياسي” من التماشي مع توصية اللجنة الاقتصادية المتضمنة السماح بالاستيراد من السعودية.

بينما اعتمدت التقارير الإعلامية على رواية تحدث عنها المحلل المختص بالملف اللبناني السياسي، وسيم بزي، في أثناء لقاء أجراه عبر منصة “بالمباشر” اللبنانية، تحدث فيها عن “إحاطة إيجابية بين رئيس النظام السوري، بشار الأسد، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان”، دون الإشارة إلى مصادر واضحة في هذا السياق، إنما بالاعتماد على التحليل الشخصي للمحلل.

وقال وسيم بزي، إن “السعودية أعطت النظام السوري ثلاث طائرات مدنية مجانًا بسبب حاجة النظام لبعض قطع الغيار لطائراته، وذلك بعد أن زار رئيس إدارة المخابرات العامة في سوريا، حسام لوقا، السعودية أواخر 2022 الماضي”، بحسب قوله.

صحيفة “الوطن” المقربة من النظام، تحدثت أيضًا عما أسمته “الخطوات الإيجابية التي حضرت بين دمشق والرياض” خلال الأشهر الماضية، ذكرت منها زيارة مدير إدارة المخابرات السورية العامة، حسام لوقا للعاصمة السعودية، ورفع العلم السوري في شوارع الرياض خلال القمة العربية الصينية.

“تسارع نسبي”

الأكاديمي السوري- الكندي فيصل عباس محمد، الحاصل على دكتوراه في الدراسات الشرق أوسطية، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن تصريحات وزير الخارجية السعودي الأخيرة بشأن سوريا، بالإضافة إلى تخفيف القيود على التبادل التجاري بين البلدين كلها مؤشرات تنبئ عن تسارع نسبي في خطوات التقارب بين النظام السوري والمملكة العربية السعودية.

وأوضح محمد، أن هذا التقارب يندرج ضمن سياق التوجه الخليجي لإعادة تعويم النظام السوري، الذي بدأ تدريجيًا منذ عام 2018 حين أعادت دولة الإمارات فتح سفارتها في دمشق بعد سبع سنوات من إغلاقها.

“مشروط” دون مؤشرات

المحلل الاقتصادي والسياسي في شؤون الشرق الأوسط، الأكاديمي محمد صالح الفتيح، علق عبر “تويتر”، حول فرضية التقارب المحتمل، بناء على حديث المحلل اللبناني، وسيم بزي، حول “إهداء السعودية ثلاث طائرات مدنية للنظام، وقال، “بينما تهدف السردية لتأكيد حصول تقارب سوري-سعودي فهي تجعل مصداقية التقارب وكل من يروج له على محك مصداقية هذه الجزئية”.

وأوضح الفتيح، أنه لطالما عانت سوريا، خاصة بعد عام 2000، صعوبات كبيرة في عقد صفقات شراء واستئجار الطائرات وحتى الحصول على قطع غيار لها، إذ منعت العقوبات الأمريكية منذ بداية الألفية سوريا من الحصول على الطائرات وقطع غيارها، حتى من الشركات الأوروبية، بسبب وجود مكونات أمريكية الصنع فيها.

كما ذكرت وثائق “ويكيليكس” أن الحصول على طائرة رئاسية كان من ضمن طلبات المسؤولين الأمنيين السوريين خلال استقبالهم نظرائهم الأميركيين، بحسب المحلل.

وفي كانون الثاني 2011، وقعت “شركة السلام” السعودية عقد صيانة بقيمة 50 مليون دولار مع شركة الطيران السورية لصيانة طائرتي  “Boeing 747″على أن تتم الصيانة في السعودية، ومنذ 12 عامًا لا تزال الطائرتان محتجزتان في السعودية، بحسب الفتيح، مضيفًا أن منطق التقارب أن تعيد السعودية الطائرتين المحتجزتين، أو تصدر أي تعليق حول مصيرهما (لا أن ترسل ثلاث طائرات جديدة).

ويرى الفتيح، أن التقارب بين النظام والسعودية أمر حيوي سياسيًا واقتصاديًا بالنسبة لسوريا، أكثر بكثير من التقارب مع الإمارات، لكنه يجب أن يكون بمعنى إعادة التموضع لسوريا في علاقتها مع إيران، وهذا ما لاتوجد أي مؤشرات عليه، بحسب تعبيره.

السعودية “مستفيدة”

حول مصالح الطرفين من التقارب في حال حدوثه، أوضح الدكتور فيصل عباس محمد، أنه ثمة مصالح مشتركة للتقارب بين السعودية والنظام السوري، فعودة السعودية إلى سوريا (في نظر ولي العهد محمد بن سلمان وطاقمه) تخلق فرصة للحد من نفوذ إيران وإيقاف تغلغلها فيها، هذا إذا تعذّر تحقيق الهدف النهائي للسعودية وهو إخراج إيران من سوريا وإنهاء وجودها هناك.

وبنفس الوقت تأمل السعودية أيضًا في الحد من تأثير تركيا في مجريات الأمور في سوريا، وثمة اعتبار آخر يتعلق بعلاقات السعودية بروسيا، ففك العزلة السياسية عن النظام السوري المرتبط بروسيا سيساعد السعودية في توطيد وتعميق علاقاتها مع روسيا، بحسب محمد.

بينما قد يتعلق السبب الأخير لهذا التوجه السعودي بلبنان، إذ تهتم السعودية بإعادة بناء نفوذها في لبنان وعدم تركه فريسة سهلة لإيران وحلفائها (حزب الله وحركة أمل) والنظام، الذي نجح في السنوات الأخيرة بإعادة الكثير من نفوذه في لبنان، الأمر الذي يسهل المساعي السعودية للتأثير مجددًا في الساحة اللبنانية.

“خطوة كبيرة”

يعد التقارب من جهة النظام مع السعودية وبقية دول الخليج “خطوة كبيرة” على طريق الخروج من عزلته السياسية واستعادة “شرعيته”، بحسب الدكتور فيصل عباس محمد، فهو يأمل من خلال سماحه باستيراد البضائع السعودية (سكر ومنتجات بتروكيماوية) بأن تكافئه المملكة بتخفيف القيود على حركة دخول الشاحنات السورية إلى دول الخليج مرورًا بالأراضي السعودية، القيود التي نتج عنها انخفاض صادرات سوريا إلى دول الخليج (بما فيها السعودية) بمقدار النصف خلال العام الماضي.

الجائزة الكبرى بالنسبة للنظام السوري هي إقناع دول الخليج باستثمار أموالها لإعادة بناء سوريا بعد الدمار الهائل الذي تسبب النظام في معظمه.

الأكاديمي فيصل عباس محمد

الإمارات تدفع

في 24 من كانون الثاني الحالي، قالت صحيفة “الوطن” المقربة من النظام، إن الحديث السعودي (حول التواصل مع النظام)، لم يأتِ بطبيعة الحال بمحض المصادفة، إنما أعقب سلسلة من التحركات سعت بمجملها لـ”استعادة عافية” العلاقات السورية العربية والسورية السعودية على وجه الخصوص، أبرزها الزيارة الأخيرة التي أجراها وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد لسوريا ولقائه بالأسد.

ونقلت الصحيفة عن مصادر وصفتها بـ”المتابعة لما يجري على خط التحركات العربية الأخيرة تجاه دمشق”، قولها إن الزيارة الإماراتية الأخيرة جاءت “في إطار استعادة العلاقات العربية السورية ولاسيما إحداث خرق سياسي على خط دمشق الرياض”.

وفي 4 من كانون الثاني الحالي، استقبل رئيس النظام السوري، بشار الأسد، وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد، بهدف “بحث العلاقات المتميزة التي تجمع سوريا والإمارات، والتعاون القائم بينهما في العديد من المجالات، إلى جانب تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية لما فيه مصلحة البلدين والشعبين الشقيقين”، بحسب ما نقلت الوكالة السورية الرسمية للأنباء (سانا) حينها.

الأكاديمي فيصل عباس محمد، أوضح أن الإمارات كانت سبّاقة في انفتاحها على النظام، كما ظهر من خلال إعادة فتح سفارتها في دمشق عام 2018، معتبرًا أن دوافع الإمارات من هذا الانفتاح تتشابه مع الدوافع السعودية من حيث الرغبة في الحد من النفوذ الإيراني والتركي في سوريا، ويضاف إلى ذلك رغبة الإمارات في إقامة توازن في تحالفاتها في المنطقة، خاصة بعد اتفاقية “التطبيع” مع إسرائيل، إذ تعتقد أن إعادة تحالفها مع النظام السوري سيسهم في تحقيق هذا النوع من التوازن.

ويرى محمد، أن مسيرة التقارب بين الأنظمة الخليجية والنظام السوري “ليست معبّدة بالورود”، فالكثير يعتمد على استعداد النظام ومقدرته على تقديم التنازلات المطلوبة منه خليجيًا سواء لجهة الحد من نفوذ إيران أو الانخراط (ولو جزئيًا) بعملية سياسية تفضي إلى حل النزاع في سوريا.

وتصر الإمارات على أن تكون أكثر الدول العربية الداعمة لإعادة تعويم النظام عربيًا ودوليًا، لأهداف لا تبدو محددة تمامًا، منها البحث عن فرص اقتصادية واستثمارية في سوريا في إطار عملية إعادة الإعمار، وإثبات نفسها للجميع بأنها لاعب رئيسي في المنطقة، لها دورها وحضورها الذي لا يقل أهمية هن الدور التركي والسعودي والقطري، بحسب تحليل نشره موقع “مركز الإمارات للدراسات والإعلام”، في 5 من كانون الثاني الحالي.

مقالات متعلقة

  1. الزلزال يبرز تغيّر الخطاب السعودي في سوريا
  2. انطلاق مؤتمر "الصحراء" في الرياض بمقاطعات أوروبية ومشاركة روسية
  3. إسرائيل تأمل بإنشاء "سوق مشتركة" مع السعودية بعد زيارة بايدن
  4. السعودية تفتح أجواءها لجميع الناقلات بما فيها الإسرائيلية.. بايدن يرحب

سوريا

المزيد من سوريا