ما وراء تغييرات النظام السوري

  • 2024/02/04
  • 4:20 م
الأسد يلتقي أعضاء اللجنة العليا لانتخابات الحزب-27 من كانون الأول 2024 (حزب البعث- فيس بوك)

الأسد يلتقي أعضاء اللجنة العليا لانتخابات الحزب-27 من كانون الأول 2024 (حزب البعث- فيس بوك)

حسام المحمود | خالد الجرعتلي | يامن مغربي

بعد إعادته إلى الجامعة العربية، ومشاركته في قمتين خلال 2023، عينت السعودية أول دبلوماسييها في دمشق منذ 2012، وهو قائم بأعمال السفارة في دمشق.

الإعلان عن هذه الخطوة سبقه بيوم واحد تعيين الإمارات سفيرها الأول في دمشق منذ نحو 11 عامًا، في 30 من كانون الثاني الماضي.

الرياض وأبو ظبي قطعتا علاقتهما السياسية بالنظام السوري وسحبتا سفيريهما من دمشق في 2012، بسب التعاطي القمعي لقوات النظام مع احتجاجات السوريين المطالبة بإسقاط النظام حينها، واستعادت كل منهما علاقتها بدمشق بظروف مختلفة زمنيًا وسياسيًا على مستوى سوريا والإقليم.

وجاءت هذه الخطى الدبلوماسية بالتزامن مع ما يقدمه النظام كإجراءات وتغييرات يحدثها منذ أسابيع، على مستوى القرارات والمراسيم، وإحداث تغيير في أنظمة معينة ضمن المؤسسة العسكرية، وهو ما جرى تصويره كمحاولات تغيير داخل بعض المؤسسات التي يسيطر عليها.

التغييرات التي جاءت خلافًا لسنن النظام، سبقها دخول المفاوضات بينه وبين أكثر من جهة في نفق مظلم، لا سيما مع التطورات التي تشهدها غزة منذ 7 من تشرين الأول 2023، وإعادة ضبط الاهتمامات والأولويات تبعًا لتلك التطورات، فلا حديث عن “المبادرة الأردنية” للحل في سوريا، ولا أبواب سياسية على وشك أن تنفتح أمام النظام، والتقارب مع أنقرة منهار، كما أن الوضع الراهن والتوترات الحدودية وغيرها من الظروف تشي باحتمالية تأزم لا انفتاح.

تناقش عنب بلدي في هذا الملف، مع باحثين ومتخصصين، مجموعة التغييرات التي يجريها النظام، وما المطلوب من النظام السوري في هذه المرحلة، ومن يقف خلفه، إلى جانب أثر وجدوى ذلك على الملف السوري، والعلاقة بالمبادرة والطرح العربي المقدم منذ أشهر في سبيل الوصول إلى الحل، وهو ما قابله النظام بعدم التجاوب، كما رد على مبدأ “خطوة بخطوة” بالحديث عن “مئات الخطوات” التي سارتها سوريا، دون أن تلقى أي مقابل من الدول الأخرى.

أصدر النظام السوري عدة تعميمات عسكرية تستهدف الحد من تحركات روسيا وإيران في قطعات الجيش- كانون الأول 2023 (وزارة الدفاع في حكومة النظام السوري)

مراسيم وقرارات

أجرى رئيس النظام السوري، بشار الأسد، في 25 من كانون الثاني الماضي، اجتماعًا مع قادة الأجهزة الأمنية في الجيش، بحضور رئيس مكتب الأمن الوطني، ومستشار الشؤون الأمنية في الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية.

وذكرت “رئاسة الجمهورية” عبر “تلجرام”، ونقلت عنها وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية، أن الاجتماع تركز حول الأثر المرتقب لإعادة الهيكلة التي تجري في المجال الأمني، وتطوير التنسيق بين الأجهزة، بما يعزز أداء القوات الأمنية في المرحلة المقبلة.

إعادة الهيكلة التي ذكرها البيان تصاعد الحديث عنها مؤخرًا، كون التغييرات أو إعلانات التغيير كانت بمعظمها ذات طابع أمني وعسكري.

وفي اليوم نفسه، أعلنت وزارة الدفاع في حكومة النظام عن دورة تطويع بعقود لخمس سنوات وعشر سنوات، حملت سلة المغريات ذاتها التي قدمتها عقود التطويع الصادرة عن النظام مؤخرًا، خلافًا لما كانت عليه الحال.

وعرض عقد التطوع الذي سمي “عقد مقاتل” فترتي خدمة مع راتب 1.3 مليون ليرة سورية مع التعويضات، بالإضافة إلى مكافآت، منها مكافأة بدء الخدمة ومكافأة سنوية ومنحة للزواج غير مستردة قيمتها مليونا ليرة.

كما نص بيان الوزارة على إعفاء المتطوع في هذه العقود من الخدمة الإلزامية، بعد إتمامه خمس سنوات من العقد.

إلى جانب هذه الإجراءات، نال رئيس حكومة النظام، حسين عرنوس، حيزًا أكبر من الضوء، بعدما حل مكان الأسد في القمة العالمية للعمل المناخي، في تشرين الثاني 2023.

وذكرت حينها وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن عرنوس يرأس وفد سوريا للمشاركة في القمة العالمية للعمل المناخي، ضمن أعمال الدورة الـ28 لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغيير المناخ.

غياب الأسد عن القمة رغم تلقيه دعوة إماراتية في 15 من أيار 2023، عزته صحيفة “نيزافيسيمايا” الروسية إلى خوف الأسد من السفر إلى الإمارات.

واعتبرت الصحيفة خلال تقرير لها، في 28 من تشرين الثاني 2023، أن غياب الأسد يرتبط بحقيقة أن السلطات الفرنسية أصدرت مذكرة بحق الأسد، وهناك اتفاق ساري المفعول بين باريس وأبو ظبي لتسليم المجرمين، ومن شأن مشاركة الأسد أن تشكل تحديًا لالتزام أبو ظبي بمثل هذه الترتيبات.

أمانة للرئاسة

في 13 من كانون الأول 2023، أصدر الأسد مرسومًا تشريعيًا يقضي بإحداث “الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية”، وتتبع لرئيس الجمهورية، وتحل محل وزارة شؤون رئاسة الجمهورية، وتهدف إلى تقديم الأعمال التي تساعد في أداء رئيس الجمهورية لمهامه واختصاصاته، وتتولى تيسير الأمور الإدارية والمالية والقانونية في الرئاسة والإشراف عليها، ويرأسها أمين عام يشرف على أعمالها.

الصحفي نضال معلوف قال في وقت سابق، إن مؤسسة الرئاسة في سوريا ثقب أسود لا أحد يعرف كيف تدار، وما آلية اتخاذ القرار في الرئاسة التي تدير البلد بالكامل، لكن المرسوم يحول المؤسسة إلى هيئة مكشوفة، ويلغي الغموض الذي كان موجودًا، معتبرًا أن هذه الخطوات تهيئة لما بعد حكم الأسد، ليكون النفوذ موزعًا على عدة مواقع، وإن كان كل موقع يمكن أن يكون تحت سيطرة دولة أو لها نفوذ فيه.

معلوف أشار إلى ظهور مسمى وظيفي جديد في سوريا هو “أمين عام رئاسة الجمهورية” الذي يتولى الكثير من مهام الرئيس وفق المرسوم، فالبند الأول في المادة الخامسة من المرسوم يقول، “يرأس الأمانة العامة أمين عام، يكون الرئيس الإداري الأعلى فيها، ويشرف على أعمالها، وهو عاقد النفقة وآمر التصفية والصرف في رئاسة الجمهورية”، وهو أمر مهم في حال حدوث تغيير سياسي في سوريا.

المرسوم يعتبر أيضًا جميع العاملين في وزارة شؤون الرئاسة ومكاتب الرئاسة والمستشارين منقولين حكمًا مع شواغرهم إلى الأمانة العامة، ما يعني فك ارتباطهم بالرئيس، وتبعيتهم لحلقة وسيطة تنظم حتى الأمور المالية، وفق معلوف.

الأسد يزور السعودية للمشاركة في القمة العربية الإسلامية بشأن غزة- 10 من تشرين الثاني 2023 (رئاسة الجمهورية)

الحزب والقضاء

يولي النظام السوري اهتمامًا واضحًا بانتخابات حزب “البعث” لدورة 2024، وتجلى ذلك بثلاثة لقاءات واجتماعات عقدها رئيس النظام، بشار الأسد، خلال أقل من شهرين، مع مسؤولين في الحزب لمتابعة مسألة الانتخابات.

في 27 من كانون الثاني الماضي، التقى الأسد أعضاء اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات، واستمع إلى إحاطة حول الجولات واللقاءات التي أجرتها اللجنة في الفروع والمحافظات، خلال الأيام الماضية.

وشدد على أن نجاح تجربة الإشراف على الانتخابات ستبنى عليه استحقاقات مقبلة، على مختلف المستويات الحزبية التي ستتبع المؤتمر الموسع، ما يجعل هذه التجربة جزءًا من “مسار ديمقراطي يجب بناء متطلبات شفافيته ونجاحه”، على حد قوله.

كما التقى، في 24 من كانون الأول 2023، بأعضاء اللجنة، وشدد على استقلاليتها للإشراف على الانتخابات، وحيادها المطلق في أداء مهامها خلال كل مراحل المسار الانتخابي من التحضير وحتى النتائج.

هذا اللقاء سبقه بأقل من أسبوع لقاء وحديث ونقاش مع اللجنة المركزية في حزب “البعث”، وتحدث الأسد عن معالجة السلبيات في الدولة والمجتمع المدني، معتبرًا أن انتخابات الحزب “تشخيص وعلاج”.

أمين سر اللجنة المركزية لحزب “البعث”، هيثم سطايحي، قال لصحيفة “الوطن“، في كانون الأول 2023، إن اللجنة العليا المركزية الموسعة ستنتخب أعضاء اللجنة المركزية الجديدة، ثم قيادة مركزية جديدة للحزب.

كما نقلت “الوطن” عن مصادر لم تسمِّها، أن لجنة عليا مستقلة ستشرف على الانتخابات إضافة إلى اللجان الفرعية في المحافظات، مع الإشارة إلى وضع شروط محددة لمن يحق له الترشح، سواء للقيادات الحزبية أو المنظمات أو النقابات.

وعلى المستوى القضائي والحقوقي، أصدر الأسد القانون رقم “2” لعام 2023، الذي تضمن تعديلًا على قانون محاكمة المدنيين في المحاكم العسكرية بالمادة “50” من قانون العقوبات وأصول المحاكمات العسكرية.

ويقضي التعديل، الصادر في 17 من كانون الأول من العام نفسه، بمحاكمة المدنيين الذين تشملهم المادة “50” أمام القضاء الجزائي العادي بدلًا من القضاء العسكري، إلا إذا كانت الجريمة “ناشئة عن الوظيفة”، وفق ما نقلته الوكالة السورية الرسمية للأنباء (سانا).

ولم تتطرق هذه التغييرات لملفات جوهرية وذات حساسية لدى الشعب السوري، ومنها ملف المعتقلين والمختفين قسرًا، الذين توثق “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” عددهم بـ135 ألفًا و253 معتقلًا في سجون النظام.

هل يرضي الأسد العرب؟

تأتي تغييرات النظام السوري هذه في الوقت الذي تتجه به أنظار المجتمع الدولي نحو الأوضاع في غزة، والتصعيد المستمر على أكثر من صعيد وجبهة مرتبطة بأحداث 7 من تشرين الأول 2023.

ورغم أن حالة البرود في الملف السوري، وتراجع حالة الاندفاع الذي تبع زلزال 6 من شباط 2023 تجاه دمشق، سبقت أحداث غزة، فإن هذه الأحداث أزاحت جزئيًا الملف السوري عن صدارة نقاشات إقليمية على الأقل، رغم تعطل واضح في مسارات التقارب العربي تجاه النظام بعد استعادته مقعده في الجامعة العربية، خلال قمة “جدة” في 19 من أيار 2023.

قال وزير الخارجية اللبناني، عبد الله بو حبيب، في 8 من تشرين الأول 2023، إن “لجنة الاتصال العربية” بدأت بحماسة، لكن ثمة ضغوطًا غربية شديدة على اللجنة حتى لا تعطي أي شيء قبل النظام السوري، من منطلق “يكفي أنكم أعدتم الحكومة السورية إلى الجامعة العربية”، وفق ما نقلته صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية.

هذه اللجنة عقدت لقاء يتيمًا في العاصمة المصرية، القاهرة، في 15 من آب 2023، ولم يخرج بيانها الختامي بأبعد من اتفاق على لقاء مقبل في بغداد، دون تحديد الموعد.

وبعد اللقاء الذي جاء لمتابعة ما جرى الاتفاق عليه مع النظام السوري في اجتماعات وزارية سابقة، منها “لقاء عمان التشاوري”، و”اجتماع جدة”، تتابعت المؤشرات التي تعكس حالة عدم توافق بين دول “لجنة الاتصال” والنظام السوري، تعززها الأحداث التي تجري على الأرض بما يخالف حرفيًا “المبادرة الأردنية” وأي طرح أو تصور عربي للحل السياسي في سوريا.

وإلى جانب عدم تطبيق النظام لأي من بنود مبادرة العرب تجاه دمشق، لكن الأحداث سلكت مسارًا متطرفًا في مخالفة المقترحات العربية، فالمخدرات عامل أرق وتهديد على حدود الأردن، والتصعيد تجاه الشمال لا يكاد ينقطع، والاعتقالات مستمرة وفق تقارير شبكات تعنى بحقوق الإنسان، ما يجعل هذه الإجراءات لا تلامس ما يصبو إليه العرب، في حال كان الغرض منها نشد ودهم.

الباحث في مركز “الحوار السوري” الدكتور أحمد قربي، أوضح لعنب بلدي أن “المبادرة الأردنية” ابتعدت عن الطروحات السياسية، باستثناء عودة اللاجئين، وهو ما سخره النظام لمصلحته، عبر المطالبة بتوفير بنية تحتية تخدم عودتهم، معتبرًا أن الحل السياسي هو “المصالحات”.

ويرى الباحث أن كل الإجراءات الشكلية التي قام بها النظام لا تمس بجوهره، فالإشكالية الأساسية هي بشار الأسد، ومشكلة السوريين لم تكن بتغيير شخصية أمنية أو تعديل الدستور، فالتغييرات لا تشمل بنية النظام الحقيقية، ولا يمكن اعتبار ما يقوم به تنازلات أو تجاوبًا تجاه طرح سياسي عربي، في ظل تعطيله المستمر لأعمال اللجنة الدستورية، وتعنته في ملف المعتقلين والمغيبين قسرًا.

وحول مدى تلبية هذه التغييرات لمطالب العرب من دمشق، بيّن الباحث أن الدول العربية لم تطالب النظام بالتغيير السياسي، أو تغيير السلوك، وكان الهدف والتوجه الاستراتيجي هو إنهاء فكرة “الربيع العربي”، وعودة الأسد تؤكد ذلك، كونها تناقض القرار “2254”.

واستبعد الباحث أحمد قربي أن يقدم النظام ما هو أبعد من هذه الإجراءات الراهنة، وحديث الروس عن إصلاح أمني لا يتعدى تكريس حكم الأسد، بمعزل عن مصلحة سوريا والسوريين، فالنظام غير قابل للإصلاح، وغير قادر على تقديم خطوات إصلاحية هيكلية لأن مثل هذه الخطوات ستكتب نهايته.

وفيما يتعلق بالتوتر بين العرب والنظام السوري، ودور هذه التغييرات في تخفيف حالة التوتر، يرى قربي أنه لا علاقة لمصادر التوتر بين العرب والأسد بمسألة التغييرات الداخلية، ومصدر التوتر هو تهريب المخدرات، ورغم عدم وفاء النظام بتعهداته بخصوص الحد من تهريب المخدرات والتراشق الإعلامي بين عمان ودمشق، لا يزال التطبيع مستمرًا، وهناك حديث عن فتح قريب للسفارة السعودية في دمشق.

 

“المطلوب من النظام هو اللاجئون والمخدرات، وكلا الملفين لم يقدم بهما أي تنازل أو خطوات جوهرية، وهذا يرجح أن التطبيع مع النظام قرار استراتيجي، وحتى لو زاد تهريب المخدرات أو تراجع النظام عن هذه الخطوات أو قام بما يعاكسها، فلن يتوقف التطبيع مع الأسد”.

أحمد قربي

باحث في مركز “الحوار السوري”

 

ولا تشكل “المبادرة الأردنية” تعارضًا مع مقاربة “خطوة مقابل خطوة” التي طرحها المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، في 2022، وعلّق عليها وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، في حزيران 2023، بأن “سوريا سارت مئات الخطوات” دون أن تلقى أي مقابل من الدول الأخرى، ولم يوضح المقداد الخطوات التي نفذها النظام، أو تلك المطلوبة منه، ولا الخطوات المنتظرة من الدول الأخرى، سوى إشارته إلى التوقف عن دعم “الإرهاب”.

في لقاء مع موقع “أثر برس” المحلي، في 31 من كانون الثاني الماضي، أكد السفير الإيراني في دمشق، حسين أكبري، أن مبدأ “خطوة مقابل خطوة” كان موضع نقاش بينه وبين بيدرسون، وأن الأخير لم يقدم أي برنامج واضح للعمل بهذا المبدأ.

وأضاف أكبري أن هذا الاقتراح “بدأ من قبل بيدرسون، قبل أن تعود سوريا إلى الجامعة العربية، وجرى طرحه في الأردن، ولم يوضح أحد خطواته، ومن الذي يجب أن يقوم بالخطوة الأولى (…) حتى الدول العربية لم تعلن عن هذا الأمر حتى اليوم”.

شملت التغييرات قطاعي الجيش والأمن المرتبطان بشكل مباشر بالنفوذ الروسي والإيراني في سوريا- كانون الأول 2023 (وزارة الدفاع في حكومة النظام السوري)

تغييرات أم خطوات

بينما أجمع باحثون خلال حديثهم لعنب بلدي سابقًا على أن النظام السوري مُصَمّم بطريقة لا تسمح له بالتغير، يطرح السؤال هنا عن احتمالية أن تكون هذه التغييرات مطلوبة، أو مفروضة، وفق مقاربة سياسية معينة.

منذ مطلع 2023، حملت مقاربات سياسية لدول عربية مع النظام مطالب منها ما كان يتعلق بالإصلاح القضائي، والإفراج عن المعتقلين، وصولًا إلى تحركات الجيش السوري داخل سوريا، كما حصل في المبادرة الأردنية.

وبالنسبة للقرار الأممي “2254” الذي لا تنفيه أو تعارضه أي من مبادرات الحل السياسي، ويشكل إطارًا أوسع لها، قال وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، في أيار 2023، إن “سوريا ستطبق ما يلزمها منه”.

اليوم، وبعد أكثر من ستة أشهر على المطالب، والتعليقات حولها، ظهرت ملامح تغيير جزئي في بعض مفاصل إدارة النظام على الصعيد العسكري، والاقتصادي، وحتى الإداري، لكن ليس معروفًا مدى ارتباطها بالمطالب العربية أو غيرها.

الباحث الزميل في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية” نادر الخليل، قال لعنب بلدي، إنه فيما يخص التغييرات الأمنية على وجه الخصوص، المتمثلة باستبدال رئيس “الأمن الوطني”، علي مملوك، فمن الأكثر واقعية النظر إلى الأمر على أنه استبدل بسبب تقدمه بالعمر.

وإلى جانب ما سبق، جاء استبدال مملوك في إطار استمرار الترفيعات والتنقلات المعتادة التي تجري دوريًا في قيادات الأجهزة الأمنية، من ترفيع الأصغر سنًا، وإعفاء الأكبر، بحسب الباحث.

وفي حالة مملوك، يرى الخليل أنه سيحافظ على موقعه “كمستشار للشؤون الأمنية”، أي سيبقى ذا تأثير في المنظومة الهيكلية الأمنية للنظام، لكن دون منصب تنفيذي مباشر، يتطلب جهدًا يوميًا في الغالب.

وعلى صعيد الملامح التي تشكلت حول نية تحويل المؤسسة العسكرية لـ”جيش محترف”، يرى الباحث أنه يمكن إدراجها أو اعتبارها ضمن “محاولة إقناع الدول العربية الراغبة بالتطبيع مع النظام، أن بشار الأسد بصدد التغيير، وتحويل المؤسسة العسكرية لحالة أكثر احترافية وأقل ميليشيوية”.

وجاءت التغييرات الأحدث حاملة معها إيحاءات بنية النظام تقليص النفوذ الإيراني، وأن لديه قدرة على استعادة الجيش الذي كان ينتشر في سوريا قبل 2011، وقد يكون الأسد راغبًا بذلك فعلًا، لكن هذا يتطلب تمويلًا كبيرًا، وغالبًا لن يحصل عليه، وفق الباحث، الذي بيّن أنه لو وجدت نية للنظام للحد من النفوذ الإيراني في سوريا إرضاء لدول عربية، فهو لا يملك القدرة على ذلك.

تغييرات مستمرة

مدير مركز “إدراك للدراسات والاستشارات”، باسل حفار، قال لعنب بلدي، إن التغييرات تشكل أول ملامحها عام 2015، لكنها كانت تسير ببطء، معتبرًا أن التغييرات الأكثر أهمية جاءت لاحقًا لتشمل البنية العسكرية والإدارية، وحتى الحزبية والأمنية.

وتوقع الباحث أن تستمر التغييرات بوتيرتها الحالية خلال العام الحالي على جميع الأصعدة.

حفار أشار إلى أن التطورات السياسية التي شهدتها سوريا، فرضت على النظام إعادة النظر في طريقة تفكيره حول نهجه بإدارة الوضع في سوريا، خصوصًا أنه كان معرّضًا حتى وقت قريب لـ”التفكك، وخروج مناطق جديدة عن سيطرته بشكل أو بآخر”.

أبرز مثال يمكن الإشارة إليه بحسب الباحث، هو ما حصل في السويداء منذ منتصف العام الماضي، عندما اندلعت احتجاجات مناهضة للنظام، ولا تزال مستمرة.

ومنذ آب 2023، لم تتوقف الاحتجاجات المناهضة للنظام في السويداء جنوبي سوريا، التي أغلق خلالها أبناء المحافظة فروع حزب “البعث”، وأزالوا صور بشار الأسد ووالده من المؤسسات الخدمية في المحافظة، وهي احتجاجات تتجاهلها وسائل الإعلام الرسمية والمقربة من النظام.

من يدير هذه التحولات؟

لطالما كانت قضايا الشأن الداخلي السوري مطروحة على طاولة المفاوضات بين النظام وجهات أخرى فاعلة في الملف السوري، أحدثها ما جاء في “المبادرة الأردنية” عندما طرحت بنودًا تتعلق بإزالة الحواجز العسكرية والأمنية من المدن السورية، التي تشكل عائقًا أمام عودة حياة السوريين لشكلها الطبيعي.

وبالنظر إلى شكل “المبادرة” التي نشرت مجلة “المجلة” السعودية بنودًا منها، فإن المرحلة الثانية من “المبادرة” تتعلق بالبعدين الأمني والعسكري، وتشمل وجوب موافقة النظام على خطوات أبرزها:

  • وقف شامل لإطلاق النار في جميع الأراضي السورية.
  • وقف جميع العمليات العسكرية التي لها علاقة بالصراع المسلح، باستثناء عمليات التدريب القتالي.
  • إعلان تجميد التجنيد العسكري لمدة سنة على الأقل.
  • تخفيض عدد الحواجز الأمنية في مناطق مدنية يتفق عليها.

باسل حفار يرى أن حلفاء النظام الرئيسين (إيران وروسيا) يشكلان عامل التأثير الأكبر في إدارة هذه التغييرات.

وبقدر ما لهذه التغييرات من أهمية على الصعيد الداخلي والخارجي لدى النظام، يبقى التأثير الأكبر في مسار إجراء التغييرات بيد حلفاء النظام الذين يشكلون عامل تأثير مباشر بنوعية الأشخاص الذين سيشغلون مناصب معينة، أو إحداث هيكليات ومناصب جديدة.

دوافع داخلية

لا تقتصر التغييرات في مؤسسات النظام على جولاته السياسية مع حلفائه، والدول العربية فيما يتعلق بسوريا، إذ يواجه مسببات رئيسة داخليه تجبره على إجراء تغييرات، بحسب ما يراه مدير مركز “إدراك للدراسات والاستشارات”، باسل حفار.

حفار يرى أن التحولات المتسارعة التي شهدتها سوريا على مدار السنوات العشر الماضية، تدفع النظام لتطوير النظم الإدارية لديه بطريقة أكثر مرونة، تقلل من المصاريف الاقتصادية، وتساعده في إحكام قبضته على مفاصل حكمه بشكل أكبر.

العامل الاقتصادي في هذه التعديلات مهم، بحسب حفار، كون النظام بحاجة دائمة لتوفير سيطرة أكبر على المسارات الاقتصادية الجديدة التي صنعتها مرحلة الحرب، ومرحلة ما بعد الحرب.

الباحث في مركز “عمران” نادر الخليل، قال فيما يتعلق بالتغييرات القائمة بمؤسسات النظام، وأبرزها العسكرية، إن التمويل المطلوب “كبير” لإنجاز تغييرات في البنية العسكرية مثلًا، ما يعني أنه بحاجة لتمويل ضخم بمعنى أن على الدول العربية أن تقتنع بنية الأسد إصلاح الجيش، وقدرته على ذلك.

الخليل يرى أن التمويل يشكل معضلة بالنسبة للنظام، إذ لا يقدر على تغطيته دون الاستعانة بدول الخليج، في الوقت الذي لا يملك فيه قدرة على لجم نفوذ شقيقه ماهر الأسد الميّال لحليفه الإيراني، الذي يمول نفسه من نشاطات أعمال التهريب وغيرها.

وقلل الباحث من أهمية قرار إنشاء الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، معتبرًا أنه “تغيير محدود القيمة”، ويعود لأسباب إدارية ومالية، فبدل أن تبقى على هيئة وزارة، صارت أمانة عامة، وبالتالي خُفضت أعداد الموظفين والتكاليف فيها، لكن الدور والمهام المنوطة بها ستبقى نفسها.

الأسد يناقش مع اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات الحزبية العملية الانتخابية- 27 من كانون الثاني 2024 (حزب البعث- فيس بوك)

تغييرات النظام.. استغلال مرحلة لحصد المكاسب

تأتي التغييرات في بعض هياكل المؤسسات الإدارية التابعة للنظام، بما فيها شؤون رئاسة الجمهورية، في ظل متغيرين اثنين مرت وتمر بهما منطقة الشرق الأوسط ويتعلقان بالنظام السوري بشكل مباشر، الأول هو الاجتماعات المتتالية لمسؤولين عرب مع نظرائهم في النظام، وما تبع ذلك من عودة الأخير لشغل مقعد سوريا في جامعة الدول العربية.

ويتصل المتغير الثاني بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وما تجره من تغييرات في المنطقة ككل، والصمت اللافت للنظام.

تخفيف الضغط وترتيب الأوراق

دأب النظام على استغلال الظروف الإقليمية أو الدولية المحيطة، لتحقيق أقصى فائدة ممكنة ضمن التموضع السياسي والاستراتيجي له في المنطقة، ما ينعكس بدوره على طبيعة التحالفات التي أقامها منذ قيام ما عرف بـ”الثورة الإسلامية” في إيران عام 1979، ووقوفه إلى جانب الأخيرة في حربها ضد العراق (1980-1988)، ثم مشاركته في “حرب الخليج” الثانية ولو بشكل رمزي.

وشكلت عودة النظام إلى الجامعة العربية متنفسًا دبلوماسيًا وسياسيًا له، إذ إن هذه العودة تعني، بشكل أو بآخر، نظرة مختلفة من دول عربية وربما أوروبية للنظام والملف السوري على حد سواء، كما أنها تمنحه مساحة لتعامل مختلف ولو قليلًا مع حلفائه، روسيا وإيران.

أول آثار التغييرات تكمن في هذه المساحة تحديدًا، فغالبية التغييرات التي أعلن عنها النظام، أو تلك التي سُرّبت عبر وسائل الإعلام، في القطاعين الأمني والعسكري، ترتبط بكل من روسيا وإيران ونفوذهما في هذه المؤسسات، فيما يبدو أنها محاولة للعودة للنظام إلى ما قبل 2011.

الدبلوماسي السابق داني البعاج، يرى أن الأسد، مع وصوله إلى سدة الحكم، اتخذ خطوات تنظيمية من ناحية التراتبية والتسريح والترفيع وفق الرتبة والسن القانونية، وهو ما ظهر جليًا في تعيين علي حبيب بدلًا من حسن تركماني كوزير للدفاع (كان الأول رئيسًا للأركان وتولى الوزارة وفق الترتيب العسكري المعتمد).

هذه الخطوات التنظيمية اختلفت بطبيعة الحال مع انطلاق الأعمال العسكرية على الأراضي السورية، ثم التدخل الروسي في سوريا عام 2015، وحيازة موسكو وطهران على نفوذ واسع ضمن المؤسستين الأمنية والعسكرية.

قال البعاج لعنب بلدي، إن أحد أهم الآثار المتوقعة هي الحد، ولو بشكل ضئيل، من النفوذ الإيراني، لا سيما مع استغلال النظام للظروف الحالية الداخلية والإقليمية، مع انخفاض وتيرة العمليات العسكرية والأمنية، لذا يحاول النظام أن يسرّع خطوات إعادة الهيكلة الأمنية والعسكرية الحالية، وأن يتماهى مع الخطط الروسية في هذا المجال، وهنا تبدو الآثار الداخلية لهذه التغييرات، وفق البعاج.

الباحث المتخصص في العلاقات العسكرية- المدنية بمركز “عمران للدراسات الاستراتيجية” محسن المصطفى، قال لعنب بلدي، في وقت سابق، إنه منذ التدخل العسكري الروسي في سوريا لمصلحة النظام، بدأت “خطوات جادة” لإعادة الهيكلة، لكن الرغبات السياسية للنظام قاومت بعض التغييرات.

وذكر أن التغييرات التي أجرتها روسيا على قوام “الجيش السوري” لم تثبت فاعلية في بعض الأحيان، ما دفعها للتراجع عن بعضها كما حدث مع إعادة هيكلة “الفرقة الأولى”، ما بين تحويلها إلى فرقة “ميكا” ثم إعادتها كفرقة دبابات.

منذ سنوات، ظهرت ملامح تبعية فرق وألوية في “الجيش السوري” لإيران، أبرزها “الفرقة الرابعة” التي يقودها ماهر الأسد، شقيق بشار الأسد.

كما سيطرت إيران على مفارز أمنية على امتداد الجغرافيا السورية، خصوصًا مفارز جهازي “الأمن العسكري” و”أمن الدولة” في محافظة دير الزور على وجه الخصوص.

وفي مقال نشره معهد “الشرق الأوسط” حول “الفرقة الرابعة” عام 2021، قال إنها صارت “الرقم الأول” عسكريًا، بسبب الدعم الإيراني اللامحدود، والصلاحيات المفتوحة لها على كامل الأراضي السورية.

لإيران نفوذ كبير في سوريا اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا (رئاسة الجمهورية)

التغيير وحرب الإقليم

يثير النفوذ الإيراني في المؤسسات العسكرية والأمنية قلقًا عربيًا بشكل عام وخليجيًا بشكل خاص، وهو ما يبدو واضحًا على الأقل بما ورد في “المبادرة العربية”، إذ طالبت بإخراج القوات الإيرانية من سوريا وتخفيض الحضور العسكري لطهران، سلاحًا وجغرافيا، واستعادة ممتلكات استحوذت عليها إيران في سوريا، وانسحاب الميليشيات الشيعية و”حزب الله” اللبناني، ومعالجة مخاوف دول الجوار بشأن تهريب المخدرات من سوريا.

لا يمكن التأكيد، في غياب وثائق مسربة أو تصريحات رسمية من قبل قادة أو مسؤولين سياسيين، لأي درجة ترتبط المبادرة العربية بعملية التغييرات الحالية، في ظل “عدم التحرك” الرسمي بما يخص الحرب في غزة.

وفق البعاج، فإن غياب النظام في فترة حساسة تمرّ بها المنطقة، والحرب التي قد يكون من شأنها تغيير شكل الدول وتموضعها خلال الفترة المقبلة، مع التغييرات التي يجريها الأسد، هي أحد آثار التغيير، خاصة أنه يتماهى مع ما يذهب إليه “محور الاعتدال”، لذا فإن التغييرات وآثارها تتناغم مع ما يريده النظام بالأساس.

كما أن النظام يسعى لإعادة ترتيب أوراقه والتقاط أنفاسه، وموازنة الضغوط المفروضة عليه من إيران والعرب، وتحقيق مكاسب بانتظار نتائج حرب غزة، مع الأخذ بعين الاعتبار الحاجة المادية الكبيرة، وتعطل مسارات التفاوض والانتقال السياسي، وفق البعاج.

مقالات متعلقة

  1. ضغط العرب أم الحلفاء.. ما وراء تغييرات النظام السوري؟
  2. بعد الاتفاق على عودة السفارات.. ما حدود التطبيع بين الرياض ودمشق
  3. سالم المسلط ينتقد خطوة العرب إلى دمشق: المصالحة قرار السوريين
  4. هوامش للتحرك في ملف المعتقلين رغم التطبيع العربي

تحقيقات

المزيد من تحقيقات