علي عيد
ها قد مضى عام على التحرير، معه تحرر الإعلام إلى حدود اختلط على كثيرين فيها الفرق بين الحرية والثرثرة، والحرية والمسؤولية.
ولكيلا تضيع الفرصة في تشجيع نهج العهد الجديد بفتح المجال أمام الإعلام، يجب التأكيد على أن ما حصل خلال عام مضى لا يشبه عقودًا من المنع والتغييب وكمّ الأفواه الذي عانته البلاد.
ولكيلا نغرق في الوهم، أو نعتبر أن ما حصل هو سقف الطموح، تجب الإشارة إلى أن العبرة في ترسيخ الحريات الإعلامية، فهناك إعلاميون يعبرون عن خوفهم من أن تنتكس هذه المرحلة إلى سياسات منع بعد أن تتمكن السلطة من بسط سيطرتها، وهذا قلق مشروع.
خلال 2025، تحولت سوريا إلى مساحة غير مؤطرة من النشاط الصحفي والإعلامي، إذ قال كلٌّ ما يريدون، ولم تشهد البلاد حادثة إغلاق صحيفة أو موقع أو منع صحفي من ممارسة مهمته بسبب موقف سياسي مسبق.
وإن حدثت بعض المخالفات أو المضايقات، فهي لا تعبر عن نهج حكومي أو نيات بالتضييق أو المنع، لكن هذا غير كافٍ لضمان ما سيحصل غدًا.
تقول وزارة الإعلام، إنها تلقت نحو 300 طلب ترخيص، وإنها منحت تراخيص مبدئية للعمل، ريثما يتم تنظيم القطاع، وإصدار قوانين وتشريعات تضمن بيئة إعلامية مستقرة.
علينا أن نصدق الحكومة لأنها قدمت نموذجًا جيدًا في الفسح، وألا نصدقها “دون وقاحة” لأن المطلوب هو تثبيت هذا النهج بالقوانين والتشريعات مستقبلًا.
أما ماذا فعل الإعلام بحريته خلال هذا العام، فهذا سؤال يتطلب بعض التحليل، لأن بيئة الإعلام، دون تعميم، منقسمة تبعًا لانقسامات المجتمع، وحيال أي قرار حكومي أو رأي سياسي، هناك “صحفي” يضع إصبعًا على الزناد بشكل مسبق استعدادًا لإطلاق نار الشكّ، بينما يضع “صحفي” آخر متراسًا في مواجهة أي معلومة تشكك في القرار أو تنبه إلى فساد اقتصادي أو اجتماعي.
ونحن ندافع عن حرية الإعلام علينا أن نعالج ثلاثية “المنطق والأخلاق والقانون”، وعندما ننحاز لهذه الثلاثية فنحن في الطريق المناسب، والمسألة ليست حياد الصحافة، تلك المقولة التي يعرف كل من يعمل في هذا القطاع أنها كذبة، أسميها المستحيل الرابع بعد “الغول والعنقاء والخلّ الوفي”.
لا حياد في الصحافة، لكن هذا لا يبرر انعدام المسؤولية، ولا يبرر تحول الإعلام إلى مجرد “ثرثرة” أو تضليل، وهذا يذكرنا بمقولة الصحفي الأمريكي كارل برنشتاين (فضيحة ووترغيت): “وظيفتنا ليست أن نكون محايدين بين الحقيقة والكذب، بل أن نصل إلى الحقيقة”، بمعنى أن التحرر ليس مجرد فك أغلال الرقابة فحسب، بل الامتناع عن ممارسة التوازن الزائف لأسباب ونوازع سياسية أو فكرية أو مصالح جماعات وأحزاب.
لن أدخل في تقييم الإعلام الحكومي، لكن ما قامت به وزارة الإعلام، عبر إعادة إطلاق قناة “الإخبارية” وصحيفة “الثورة السورية”، وعمل وكالة أنباء الرسمية (سانا)، كلها خطوات كان يجب أن تحصل، لأن البلاد تحتاج إلى من ينقل الرواية الرسمية، لكن توسيع هوامش المشاركة خارج الدعاية الحكومية هو التطور الأهم الذي يحتاج إلى المزيد.
لا يتحقق المزيد فقط بالثناء لتعزيز الثقة، بل بمزيد من الجهد، ووضع سياسات إعلامية واضحة أمام الكوادر التي تعمل في هذا الإعلام، خشية أن يتسلل الانقسام الذي تشارك في إدارته جهات غير محددة الهوية إلى غرف الأخبار والشاشات.
لنذهب إلى المجتمع وانقساماته، ولنسأل: هل كان 2025 عامًا ذهبيًا في الإعلام؟
ربما تُقاس اللحظة الذهبية بما انفتح من أسئلة، إذ تشهد البيئة الصحفية جرأة في النقاش، وإحساسًا بأن الرقابة لم تعد سيفًا مسلطًا على رقاب الصحفيين، وهذه بدايات، لأن التاريخ يقول إن المجتمعات التي تخرج من صدمات أو حروب لا تقفز مباشرة إلى إعلام ناضج، بل تحتاج إلى بناء ثقة ببطء، وجمهور يتعود أن السؤال ليس خيانة، بل خدمة عامة.
بالقياسات العملية، ودون أحكام تنظيرية، هناك ما يشبه معادلة الكيمياء، للحكم على مستوى الإعلام هي:
مساحة حرية + مؤسسات مستقلة + موارد + أفق سياسي يسمح بالتنوع = صحافة
تحليل المعادلة، يعطي أن ما حصل في سوريا خلال 2025 هو فسح جيد، لكن وسط انقسام حاد، ومعركة بين روايات، لا بين مناهج بحث.
ليست المشكلة في نقص الكلام، بل في نقص القنوات التي تفتح الأبواب بين الجميع وتثق بها كل الأطراف، وإطلاق انفجار نقديّ صحي، بدل الجزر المعزولة.
ربما ينتظر الإعلام دستوره الذي يُكتب، من يملك الوسيلة؟ من يحق له الوصول للمعلومة؟ ما المعايير المهنية والأخلاقية؟ من يحاسب؟ مع مراعاة أن الإعلام أهم عناصر الأمن الوطني.
وفوق ما سبق من عناصر المعادلة، نجد أن سوريا بحاجة إلى موازنات إعلانية مستقرة، وسوق تنافسية، وطبقة وسطى تشتري المنتج الإعلامي، وحين لا توجد مصادر تمويل مستقلة، تضعف الروايات المدققة مهنيًا.
لقد صعد السوريون إلى الحرية، فليصعد الإعلام المسؤول باعتباره أهم أبناء الحرية وحماتها.. وللحديث بقية.
