نزع الشرعية.. الإعلام والجمهور يسبقان الضحية إلى القبر

  • 2025/12/28
  • 3:50 م
الصحفي علي عيد
enab_get_authors_shortcode

علي عيد

قُتل أشخاص في حي الشيخ مقصود بحلب. في الوقت نفسه، قُتل رجل برصاص مجهولين في درعا. سقط آخرون في تفجير جامع بحمص، وقضى أطفال بانفجار من مخلفات الحرب، بينما قُتل رجال أمن وشرطة وهم يحرسون الطرقات.
كل ذلك حدث في زمن واحد تقريبًا، لكن كل موت جرى التعامل معه وتمجيده بطريقة مختلفة، سواء في الإعلام أو على وسائل التواصل الاجتماعي.

حتى جريمة القتل التي وقعت في حماة، جرى تقديمها بداية كعمل يدين “الدولة”، وعندما تبيّن لاحقًا طابعها الجنائي، تراجع الاهتمام بها بشكل لافت، بل جرى تجاهلها لدى كثيرين.

إنه الموت المدموغ بشرعية، أو المنزوع منها. موت تُحدد قيمته وفق الانتماء، لا وفق الفعل ذاته. وفي هذا السياق، ينتقل الانقسام من الشارع إلى المنصات والإعلام، وبالعكس، ليبني الطرفان معًا بيئة قاسية، غير إنسانية.

الوقائع مختلفة، والأماكن متباعدة، والفاعل في بعض الحالات غير معروف. ومع ذلك، لم يكن السؤال الأبرز لدى الجمهور: من الضحية؟ بل: إلى أي طرف ينتمي القتيل؟
كأن المأساة لا تُقاس بعدد الضحايا أو ببراءتهم، بل بدرجة “شرعية” من سقطوا، أو من يُشتبه أنهم يمثلونهم.

هذا التحول ليس عابرًا، ولا يمكن تفسيره فقط بالتعب أو البلادة الأخلاقية. نحن أمام نمط متكرر في تغطية النزاعات، يتجلى اليوم بوضوح في الإطار السوري. لم يعد الإعلام ساحة لنقل الألم، بل أداة لإدارة المعنى، وتوزيع التعاطف، وتنظيم الغضب. هنا لا تُقصى الأطراف فقط، بل تُقصى المشاعر نفسها.

في هذا السياق، لا يكون نزع الشرعية حادثًا لغويًا أو زلة خطابية، بل أداة تغطية كاملة، أداة تحدد من يحق له أن يُحزن عليه، ومن يحق له الكلام، ومن يُستثنى أخلاقيًا من دائرة التعاطف، حتى حين يكون ضحية واضحة.

غالبًا ما يُختزل النقاش حول الإعلام في النزاعات بمصطلحات مثل “خطاب الكراهية” أو “التحريض”، وهي توصيفات صحيحة جزئيًا، لكنها لم تعد كافية. خطاب الكراهية فظّ، مباشر، ويسهل رصده وإدانته، أما ما يحدث اليوم فهو أكثر نعومة، وأكثر خطرًا: نزع الشرعية في التغطية الإعلامية، وفي ردود الفعل الجماعية أيضًا.

هناك من يقول ضمنيًا: هؤلاء “من جماعتنا”، وهؤلاء “أعداء”، وبالتالي لا يستحقون أن نشعر تجاههم بالطريقة نفسها.
توجد ضحية لا تُنكر، لكنها تُفرَّغ من معناها، وتُذكر كخبر، لا كحياة مكسورة، مقابل ضحية أخرى يجري تمجيدها وتكثيف سرديتها الإنسانية.

تغص وسائل التواصل بتعليقات تعكس هذا الانقسام حول شرعية الآخر، بينما يسلّط بعض الإعلام الأضواء على أسئلة تخدم سردية محددة: من المسؤول سياسيًا؟ من المستفيد؟ من المخطئ استراتيجيًا؟
وهناك إعلام لا يتردد في التموضع داخل هذا الأسلوب، والاستثمار فيه، دون وازع أخلاقي.

توجد منصات تقيس أهمية الحدث وفق ديانة أو مذهب أو جغرافيا الضحية. اختطاف فتاة في منطقة “تحت المجهر” يصبح خبرًا أول، بينما اختطاف طفل أو طفلة في منطقة أخرى يمر كخبر عابر، وقد حصل ذلك فعليًا.
في هذه اللحظة، يتراجع السؤال الأخلاقي الأولي: ماذا يعني أن يُختطف إنسان؟
وتتقدم أسئلة أخرى: من هو؟ ما مذهبه؟ ماذا يمثل؟

يحدث هذا لأن الإعلام يعرف أين “ينفجر” الجمهور، وأين يصمت. فيستثمر في المساحات المشحونة، ويترك الأخرى في الظل.

هكذا يتشكل مفهوم “الضحية المشروطة”: سياسيًا، أيديولوجيًا، هوياتيًا، أو جغرافيًا. ضحية من “هذا المكان” تُعامل بطريقة، وضحية من “ذاك المكان” بطريقة أخرى. ضحية “تمثلنا” تُروى قصتها بتفاصيلها الإنسانية، وضحية “لا تشبهنا” تُختصر في سطر أو رقم.

الأخطر أن هذا لا يُقدَّم بوصفه انحيازًا، بل بوصفه “وعيًا بالسياق”. لكن السياق هنا يتحول إلى ذريعة لتقييد التعاطف، لا لتوسيعه.
وكأن الفهم السياسي يمنح حق تعليق الحكم الأخلاقي، أو استبداله بحسابات باردة.

بهذا المعنى، نزع الشرعية لا يُقصي الأشخاص فقط، بل يُقصي الحق في الحزن. هناك حزن مسموح به، وغضب مقبول، وحداد مشروع. وفي المقابل، هناك حزن يُنظر إليه بريبة، وغضب يُتهم بالتوظيف، وحداد يُطلب منه أن يبرر نفسه.

ولا يعمل نزع الشرعية عبر منع الأصوات فقط، بل عبر تحريم الأسئلة.

في كثير من التغطيات، لا يُمنع الكلام المباشر، بل يُمنع الفضول. السؤال الذي يخرج عن السردية السائدة يُصنّف فورًا: “توقيت خاطئ”، “تشويش”، “خدمة لأجندة ما”.

هكذا تُرسم خريطة غير مكتوبة للأسئلة المسموح بها، غالبًا حول الأمن والشرعية، بينما تُهمَّش الأسئلة المتعلقة بالتبعات الإنسانية، والثمن الاجتماعي طويل الأمد، ومن سيدفع الفاتورة في النهاية.

ولا يمكن تحميل الإعلام وحده المسؤولية. انقسام الجمهور يلعب دورًا تخادميًا أساسيًا. جمهور منقسم لا يستهلك الخبر بحثًا عن الفهم، بل عن تأكيد الذات. كل معسكر يكافئ التغطية التي تمنحه شعورًا أخلاقيًا بالتفوق، فيتحول نزع الشرعية إلى مطلب جماهيري، لا مجرد قرار تحريري.

من يحاول كسر هذا النمط يُتهم بالرمادية أو التواطؤ، ومن يُحسن توزيع الشرعية يُكافأ بالانتشار والتفاعل.
وهكذا يدخل الإعلام والجمهور في حلقة مغلقة: الأول ينتج سرديات إقصائية لأن الجمهور يطلبها، والثاني يزداد انقسامًا لأن الإعلام يغذّي هذا الانقسام.

خطر نزع الشرعية لا يقتصر على كونه غير عادل، بل لأنه يُعيد تعريف الأخلاق نفسها، ويحوّل التعاطف والقيم إلى أدوات صراع.
الإعلام في مناطق النزاع لا يُطالَب بالحياد المستحيل، ولا بتجاهل السياق السياسي، لكنه مُطالب بألا يقرر مسبقًا من يستحق أن يُرى كإنسان كامل، ومن يُختزل في موقعه داخل الصراع.. وللحديث بقية.

مقالات متعلقة

  1. دمشق.. السجن سبع سنوات لزوج آيات الرفاعي ووالده
  2. تقرير يوثق مقتل 176 شخصًا في سوريا خلال ثلاثة أشهر
  3. الطب الشرعي: انخفاض حالات الانتحار.. درعا تتصدر جرائم القتل
  4. أبرز القياديين القتلى في قوات الأسد عام 2017 (صور)

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي