موفق الخوجة | محمد ديب بظت
تطوي الحكومة السورية ملف حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، بعد معركة عسكرية استمرت ثلاثة أيام، أفضت إلى خروج مقاتلي “قوى الأمن الداخلي” (أسايش) التابعة لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) إلى مناطق شمال شرقي سوريا، منهية واحدة من أكثر حالات السيطرة تعقيدًا في المشهد الحلبي منذ سنوات.
المعارك التي اندلعت مطلع كانون الثاني الحالي لم تكن مفاجئة في سياقها، إذ سبقتها جولات اشتباك متقطعة واتفاقات تهدئة سرعان ما انهارت، قبل أن تنفجر المواجهة الأخيرة على نحو واسع، وتعيد رسم خريطة السيطرة في شمالي المدينة.
وبين الأسباب المعلَنة والتفسيرات غير المعلَنة، حملت هذه المعركة تداعيات تتجاوز بُعدها العسكري، لتشمل ملفات سياسية وأمنية وإنسانية حساسة.
في هذا الملف، تناقش عنب بلدي سردية المعركة، من أسباب اندلاعها ومسارها الميداني، إلى انعكاساتها على اتفاق 10 من آذار، ومستقبل التفاهمات بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية”، وكيفية تعاطي “قسد” و”الإدارة الذاتية” مع الأحداث، عبر قراءة بياناتها وخطابها الرسمي، إضافة إلى رصد ردود الفعل الدولية، ولا سيما الموقف الأمريكي الداعم للحكومة السورية ولـ”قسد”، وحدود تأثيره في مجريات ما جرى بحلب.
انعكاسات المعركة..
فشل تطبيق الاتفاقيات
تعكس المواجهات في حلب فشل تطبيق اتفاقيات سابقة، أبرزها اتفاق 1 من نيسان، الذي كان يهدف إلى إخراج القوات المسلحة من الأحياء وتولي القوات الحكومية الإشراف على إدارة الشؤون المدنية، واتفاق 10 من آذار، على مستوى وطني لدمج القوات في الجيش ودخول الحكومة إلى الشرق السوري، غير أن الفهم المختلف لهذه الاتفاقيات من قبل الأطراف أدى إلى تراكم التوتر وتحويل العملية إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، حيث أصبح الحسم العسكري أداة رئيسة لتقليص النفوذ المسلح وفرض شروط الحكومة.
السيطرة التدريجية على شمالي حلب تعني أن أي تسوية نهائية ستظل مرتبطة بالضغط العسكري والسياسي معًا، وليس بالاتفاقيات الرسمية فقط.
أسفرت العمليات عن نزوح نحو 150 ألف مدني وسط جهود مدنية وحكومية للإغاثة – 10 كانون الثاني 2026 (عنب بلدي/ محمد مصطو)
تتشابك الملفات الاستراتيجية والسياسية مع الوضع العسكري، فحلب تظل نقطة مفصلية شمالي سوريا، وأي حسم سيترك أثرًا على بقية مناطق سيطرة “قسد” في الشمال الشرقي. في الوقت نفسه، فإن “قسد” حاولت فرض شروط على خروج عناصرها، ما يعكس محاولتها للمقاومة وتثبيت مواقعها قبل قبول أي تسوية.
كما أن تطورات حلب لا يمكن فصلها عن الدور الإقليمي والدولي، سواء من خلال ضوابط الأطراف الضامنة للاتفاقيات السابقة أو من خلال محاولات أطراف خارجية استثمار المشهد العسكري لتحقيق أهداف سياسية، بما في ذلك التصورات الإسرائيلية والتركية والأمريكية حول مستقبل “الإدارة الذاتية” وسوريا بشكل عام.
هذه الرؤية تمهد لفهم طبيعة المواجهة الحالية ليس فقط كحالة عسكرية محدودة، بل كحلقة ضمن سلسلة توترات سياسية وعسكرية أوسع، تجعل أي تقييم للمستقبل مرتبطًا بالقدرة على الموازنة بين الضغوط العسكرية والسياسية على الأرض.
الصحفي والكاتب السياسي رائد محمود قال لعنب بلدي، إن من غير الواضح من بدأ بـ”التحرش” وقصف الأحياء الأخرى، لكن أغلب المعطيات تشير إلى أن عناصر “قسد” داخل حي الشيخ مقصود استهدفوا بالقناصة وقذائف الهاون المناطق المحيطة في حلب، ما اضطر القوات المحيطة بالحيين للرد.
“الانتهاكات المستمرة منذ عام من قبل (قسد) أدت إلى تعطل الحياة العامة في الأحياء المتأثرة وأثرت على المدنيين”، بحسب محمود، ما جعل إيجاد حل للأحياء أمرًا ضروريًا وتطبيق اتفاق 1 من نيسان بالشكل الصحيح ضرورة لا بد منها، بعيدًا عن فهم “قسد” الخاص للاتفاق.
وأضاف أن “قسد” ترى في الاتفاق مهلة أو فرصة لتثبيت نفوذها داخل الأحياء، ما يمنحها وضعًا خاصًا يسمح لها بالاستمرار في حكم هذه المناطق ضمن إطار يبدو قانونيًا من الناحية الرسمية، أي ما يمكن وصفه بـ“دولة داخل دولة”.
وتابع محمود أن ما حصل منذ بدء العملية العسكرية وإخلاء الأحياء يمكن اعتباره مقبولًا من حيث سرعة الحسم، مع تسجيل عدد محدود من الضحايا، وكان هناك حرص واضح على حياة المدنيين، تجلّى في تمديد المهل والسماح لعناصر “قسد” بالخروج الآمن إلى المحافظات الشمالية الشرقية.
ويبدو أن الحكومة تلقت ضوءًا أخضر أو على الأقل أعلمت الشركاء والحلفاء، وخاصة واشنطن والاتحاد الأوروبي، اللذين واكبا المعركة بالدعم الإعلامي لحكومة د مشق، وبالتالي فإن أي تراجع عن الحسم كان سينعكس سلبًا على موقفها.
بالمقابل، تقول “قسد” من خلال تصعيدها ودعوتها للمقاومة، إنها لن تتنازل عن أي متر بسهولة، وإن تكلفة إخراج “أسايش” من حلب ستكون مرتفعة، إلا أن الواقع الميداني أظهر أن الحسم كان سريعًا نسبيًا وبتكلفة أقل من توقعاتها.
“قسد” موجودة فعليًا في الأحياء، وتمتلك أسلحة ثقيلة وتستخدمها، وانتهكت الاتفاق، وهو أمر واضح على الأرض، بحسب الكاتب السياسي رائد محمود، ومع ذلك، يرى أن الأمر المطمئن هو أن حلب ستتخلص تدريجيًا من كونها ساحة صراع مفتوحة، وأن العملية العسكرية ستكون لها تداعيات على مناطق سيطرة “قسد” في شمال شرقي سوريا وعلى تطبيق اتفاق 10 من آذار، فيما ستتصلب “قسد” في مواقفها، ومن المتوقع أن تمنع التسليم والاندماج حتى لو تخلى داعموها عنها، وهو ما يعتبر أول عبرة من المعركة في حلب.
وأكد الكاتب أن الحسم النهائي سيكون غالبًا عسكريًا، ويجب على الحكومة والمجتمع السوري منع تصوير العملية على أنها استهداف للمكوّن الكردي.
وأشار إلى أن إسرائيل تتحين الفرص للانقضاض على سوريا، ولن تتردد في استغلال ملف حلب للتشويش على الحكومة الجديدة، مشيرًا إلى أن الاتفاقيات وما وراء الكواليس، بالإضافة إلى سرعة العملية العسكرية، حالت دون استثمار مباشر من قبل الأطراف الخارجية.
واعتبر أن إسرائيل تعمل دبلوماسيًا وعسكريًا من خلف الكواليس وفوق الطاولة لإقناع المجتمع الدولي بعدم أهلية الحكومة الجديدة وإثبات أنها لا تزال “متطرفة”، وأنه لا حل إلا بـ”الفدرلة” أو تقسيم سوريا.
“المستقبل ما زال غامضًا، والأزمة مع (قسد) تتطلب حلًا جذريًا”، بحسب محمود، محذرًا من أن سوريا قد تواجه مطبات ومعضلات مشابهة لأحداث السويداء، حيث تستغل أطراف خارجية الأزمة لدفع الحكومة لتقديم تنازلات إضافية واستنزاف الدولة والمجتمع، مما يزيد من تفخيخ الوضع الداخلي وتعقيد الحل السياسي والعسكري”.
مشهد معقد
من جانبه، قال الأكاديمي في العلاقات الدولية محمد الجابي، في حديث إلى عنب بلدي، إن المشهد في حلب معقد، وما زال من المبكر تقديم تقييم دقيق لما يجري على الأرض، لا سيما في ظل غياب المعلومات الواضحة حول موقف إدارة “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا من المقاتلين الذين كانوا متمركزين في حي الشيخ مقصود ورفضوا الخروج.
وأضاف الجابي أن الحديث عن اتجاه الأمور نحو التصعيد غير ممكن في هذه المرحلة، فربما تتاح فرصة للتهدئة وخروج المقاتلين، لكن مع ذلك، فإن المعركة على حلب تبدو محسومة من الناحية العسكرية، فيما يبقى الرهان الأكبر مرتبطًا بمناطق الجزيرة السورية.
وأشار الجابي إلى أن سبب الاشتباكات في حلب يمكن اعتباره ورقة تفاوض أو وسيلة مساومة، لا سيما أن الأحياء الخاضعة لسيطرة “قسد”، سواء داخل الشيخ مقصود والأشرفية أو خارجهما، تشكل عامل ضغط استراتيجيًا على الحكومة السورية.
من هذا المنطلق، حسمت الحكومة الملف في حلب لتعزيز موقفها التفاوضي فيما يخص المطالب التي تدعو إلى اللامركزية.
ولفت الجابي أيضًا إلى دور تركيا في هذا السياق، مشيرًا إلى أن موقفها من القوات الكردية محسوم، وأن هناك ضوءًا أخضر من الولايات المتحدة، كما يعكس اجتماع باريس الأخير لوزير الخارجية السوري نوعًا من التفاهمات حول هذه النقطة.
وختم الجابي بالقول، إن تسارع الأحداث على الأرض يمنع الجزم بما ستؤول إليه الأمور بشكل دقيق، وإن المتغيرات الميدانية والسياسية لا تزال قيد المتابعة، خصوصًا مع وجود تضارب في مواقف الأطراف المحلية والإقليمية والدولية.
ما التأثير على اتفاق 10 من آذار؟
من جانبه، لا يتوقع الباحث في شؤون الشرق السوري عامر المثقال أن تؤدي التطورات في حيي الأشرفية والشيخ مقصود إلى انهيار الخطوط الرئيسة لاتفاق 10 من آذار بشكل كامل، خاصة مع وجود الدور الأمريكي الفاعل فيه.
لكنه رجح أن تشجع التطورات الجارية في حلب الحكومة السورية على طرد “قسد” من مواقع جديدة في غرب الفرات، مشيرًا إلى منطقة دير حافر التي باتت تُشكل منطلقًا لهجماتها بالطيران المسيّر نحو عمق مدينة حلب.
وتعطي عملية الحكومة السورية (لو تمت) شرعية أمام الضامنين، لوقف تصعيد “قسد”، فضلًا عن احتمال طردها من ريف الرقة الشرقي، خاصة أنها لا تملك قدرة على المقاومة أو الصمود في بيئات منبسطة، بحسب المثقال.
وكشفت معارك الشيخ مقصود والأشرفية عن هشاشة “قسد” في الصمود، إذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن هذين الحيين يُعدّان من الأحياء المرتفعة في حلب، ويطلان على مناطق واسعة، وفق الباحث.
وأشار إلى أن ما يُشجع على طرد “قسد” من ريف الرقة الشرقي هو كثرة الهجمات التي تقوم بها ضد الجيش السوري في منطقة معدان.
ولكن مع ذلك، يرى المثقال أن المعارك التي ستندلع لن تكون سريعة، لأن خطوط الإمداد مفتوحة لـ”قسد” بعكس حيي الشيخ مقصود والأشرفية، بالتالي قد تختار “قسد” خيار المواجهة في حال قررت عدم التخلي عن هذه المناطق لرفع أوراقها التفاوضية.
تنصل “قسد” لا تؤيده الوقائع
منذ بداية المعركة، نفت “قسد” مرارًا وجود أي من مقاتليها في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، مؤكدة أن من يقاتل هم قوى “أسايش” وهي بمثابة شرطة مدنية، إلا أن طبيعة المعركة، وصور المعدات العسكرية التي نقلتها وسائل الإعلام الرسمية، والقصف الذي طال المناطق المجاورة، يشي بوجود أسلحة ثقيلة، لا تملكها عادة الأجهزة الأمنية.
نفي “قسد” مرده إلى اتفاقية 1 من نيسان 2025، التي قضت حينها بإخراج كل العناصر العسكريين التابعين لـ”قسد” بشكل تدريجي إلى مناطق شرق الفرات والإبقاء فقط على قوى “أسايش” التي كان من المفترض دمجها مع وزارة الداخلية وفق الاتفاقية.
وخرجت بعد اتفاقية نيسان قافلتان ضمتا نحو 900 مقاتل بأسلحة خفيفة ومتوسطة، إلا أن الاتفاقية عاشت جمودًا طويلًا، تخللها صد ورد، ولم تتعدَّ تفعيل الحواجز المشتركة وفتح بعض الطرق وتبادل قافلتين من الأسرى.
“رواية تفتقر للحقائق”
الباحث عامر المثقال، قال إن سردية “قسد” و”الإدارة الذاتية” تعتمد على نفي وجود مقاتلين عسكريين لها داخل مدينة حلب، وتقديم الأحياء الخاضعة لسيطرتها على أنها تُدار حصريًا من قبل قوى “أسايش”، في محاولة لإضفاء طابع أمني شرطي على هذا الوجود ونزع الصفة العسكرية عنه.
وأضاف أن هذه الرواية تفتقر للحقائق، خاصة أن “أسايش” تعد جزءًا بنيويًا من منظومة “قسد”، وتخضع لقيادتها السياسية والعسكرية، ولا يمكن فصلها عنها من حيث القرار أو المهام.
وكشفت سياقات المعركة الأخيرة عن ذلك بوضوح، بحسب الباحث المثقال، سواء من خلال حديث الحكومة السورية عن تورّط عناصر من حزب “العمال الكردستاني” (PKK) في عرقلة دخول حافلات الإجلاء، أو عبر الكميات الكبيرة من الأسلحة والألغام والذخائر التي جرى ضبطها داخل الحيين، وهي تجهيزات تتجاوز بكثير مهام قوى أمن داخلي تقليدية.
كما أن طبيعة التحصينات التي تم اكتشافها في الحيين وأساليب قتال “قسد” وعمليات القنص ضد المدنيين ومستوى التسليح الذي ظهر خلال الاشتباكات تؤكد أن الأحياء لم تكن مناطق انتشار أمني بل نقاط تموضع عسكري فعلي تضم عناصر وتشكيلات مرتبطة مباشرة بالبنية القتالية لـ”قسد”، وإن جرى تغليفها سياسيًا وإعلاميًا بواجهة “أسايش” بشكل متكرر عبر إعلام “قسد”، بحسب تعبير المثقال.
وكانت القوى التي انسحبت من حي الأشرفية إلى الشيخ مقصود رفضت الخروج عبر “باصات” أمّنتها الحكومة السورية لنقلهم إلى مناطق شمال شرقي سوريا، بالرغم من اتفاق قضى بوقف إطلاق النار ونقل المقاتلين، بحسب ما تحدثت به وسائل الإعلام الحكومية.
كما أن الرئيسة المشتركة لـ”الإدارة الذاتية”، إلهام أحمد، رحبت بعرض قوى دولية إعادة تموضع القوات الموجودة في حي الشيخ مقصود شمالي حلب إلى شرق الفرات.
المثقال قال إن سياق المعركة يوضح وجود انقسام حقيقي داخل صفوف “قسد” في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وهو انقسام ظهر بوضوح من خلال حالات الانشقاق والهروب التي سُجّلت خلال المواجهات.
وشرح بأن القسم الذي غادر رأى أن المعركة محسومة عسكريًا ولا أفق لها، وأن الاستمرار فيها سيقود إلى خسائر بلا جدوى، فاختار الخروج كخيار أقل تكلفة سواء عبر تسويات معلَنة أو ترتيبات غير رسمية، بينما تمسّك قسم آخر بالمواجهة، وهذا يضم في معظمه عناصر أكثر تشددًا وارتباطًا أيديولوجيا بحزب “العمال الكردستاني”.
ولفت إلى وجود عمليات انتحارية لبعض عناصر “قسد” ضد الجيش السوري بحسب البيانات الرسمية. ولكن مع ذلك، تتردد أنباء عن تفاهم غير معلَن أتاح خروج مئات العناصر ليلًا باتجاه شمال شرقي سوريا، وتُرك بعض العناصر يواجهون مصيرهم.
كيف اشتعلت المواجهة
شهدت مدينة حلب منذ منتصف الأسبوع الماضي تطورات ميدانية متسارعة، انتهت بسيطرة الجيش السوري على حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وخروج العناصر المرتبطين بـ“قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، إلى جانب “قوات الأمن الداخلي” التابعة لها (أسايش)، من الحيين.
وسبق هذه التطورات اندلاع اشتباكات متقطعة بين الجانبين خلال الأشهر الماضية، كانت سرعان ما تنتهي بتوقيع اتفاقات تهدئة مؤقتة، من دون أن تفضي إلى تغيير جذري في خريطة السيطرة، حيث سُجل أول اشتباك بين الطرفين في 6 من تشرين الأول 2025، أعقبه اشتباك آخر في 22 من كانون الأول، قبل أن تتجدد المواجهات بشكل أوسع مطلع كانون الثاني الحالي.
وأنهت هذه التطورات حالة فرضتها “قسد” في الحيين، اللذين ارتبطا بها منذ تغير المشهد السوري مع انطلاق الثورة السورية، إذ شكّل حي الشيخ مقصود والأشرفية لسنوات حالة خاصة من حيث إدارة الحكم المحلي وتأمين الموارد وإدارة الملفات الأمنية والخدمية، عبر مؤسسات تابعة لـ“قسد”، بمعزل عن مؤسسات نظام الأسد، واستمر هذا الواقع حتى بعد نحو عام على سقوط نظام بشار الأسد.
وبدأت الاشتباكات، في 6 من كانون الثاني الحالي، بعد سلسلة من تبادل الاتهامات بين الحكومة السورية وقوات “أسايش”، حيث حمّل كل طرف الآخر مسؤولية قصف الأحياء السكنية وخرق اتفاق التهدئة القائم بين الجانبين مع صباح ذلك اليوم.
وتصاعدت حدة التوتر، بعد ظهر اليوم نفسه، مع اندلاع اشتباكات بالأسلحة الثقيلة والرشاشات في محيط دواري الليرمون والشيحان، استمرت حتى ساعات متأخرة من الليل، دون أن تحدث تغييرًا في خريطة السيطرة حينها.
وفي صباح 7 من كانون الثاني، أُعلن عن فتح ممرين إنسانيين لخروج المدنيين من حيي الشيخ مقصود والأشرفية.
ومع انتهاء المهلة المحددة لخروج المدنيين عند الساعة الثالثة عصرًا، شهدت مدينة حلب أعنف الاشتباكات منذ بدء التصعيد، حيث تعرضت عدة أحياء لقصف مدفعي، بالتزامن مع توسع رقعة الاشتباكات في محيط حي الأشرفية.
وانتهت تلك التطورات بإعلان الجيش السوري، فجر 8 من كانون الثاني، دخوله حي الأشرفية وسيطرته الكاملة عليه، إلى جانب حي بني زيد.
وأسفرت سيطرة الجيش عن واقع ميداني جديد، تمركزت على إثره قوات “قسد” في حي الشيخ مقصود، ليعلن الجيش السوري لاحقًا عن وجود اتفاق يقضي بترحيل عناصر “قسد” الموجودين في الحي إلى مناطق شمال شرقي سوريا، مع أسلحتهم الخفيفة.
إلا أن الاتفاق تعثر، وفق ما ذكره مصدر عسكري لعنب بلدي، بسبب خلافات داخل صفوف “قسد”، إلى جانب وضعها شروطًا إضافية، تمثلت بالمطالبة بترحيل معتقلين أمنيين وإخراج آلياتها، ما حال دون تنفيذ الاتفاق، إضافة إلى إطلاق النار على الحافلات التي كان من المقرر استخدامها لإجلاء العناصر، في 9 من كانون الثاني.
وعلى خلفية ذلك، أعلن الجيش السوري أنه بدأ، بعد انقضاء جميع المهل التي مُنحت لـ”قسد” داخل حي الشيخ مقصود، بعملية تمشيط الحي، مؤكدًا أنه فور انتهاء العمليات سيتم تسليم الحي لقوى الأمن ومؤسسات الدولة للبدء بعملها بشكل مباشر.
وفي صباح 10 من كانون الثاني، أعلن الجيش السوري سيطرته الكاملة على حي الشيخ مقصود، منهيًا وجود “قسد” في الحيين.
مناخ دولي يراقب دون تدخل
لاقت أحداث الأشرفية والشيخ مقصود ردود فعل دولية متقاربة، إذ دعا معظمها إلى التهدئة وضبط النفس، موجهًا خطابه إلى الجهتين، الحكومة السورية و”قسد”، لكن دون جهد واضح لوقف المعارك.
المبعوثة البريطانية إلى سوريا، آنا سنو، عبرت عن “قلقها البالغ” إزاء الاشتباكات في حلب، وسقوط ضحايا من المدنيين ونزوحهم، في وقت يعد فيه “استقرار سوريا أمرًا في غاية الأهمية”.
أما الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، فنقل المتحدث باسمه “قلقه البالغ” إزاء التقارير الواردة عن سقوط قتلى وجرحى مدنيين في حلب.
كما أن الزعيم الكردي، مسعود بارزاني، دعا الحكومة السورية إلى “عدم تحويل خلاف سياسي إلى نزاع قومي، وعدم السماح بأن يواجه المواطنون الكرد في حلب الضغوط والقمع والتهجير من أرض الآباء والأجداد”.
وطالب الأطراف الكردية، ولا سيما “قسد”، بـ“بذل كل ما في وسعها من أجل وقف القتال والاشتباكات، ومنع إراقة المزيد من الدماء، وأن يعمل الطرفان بجدّية من أجل اعتماد نهج الحوار والتفاوض لحلّ المشكلات”.
لكن بارزاني نوه إلى أن الأوضاع “الخطيرة” وما يدور حاليًا من قتال وعنف في مدينة حلب “يثير قلقًا بالغًا ويشكل خطرًا على حياة المدنيين والمواطنين الأبرياء، وسط وجود تهديدات بارتكاب تطهير عرقي ضد الكرد في تلك المنطقة”.
مواقف أكثر دعمًا للحكومة
بالمقابل، لاقت الحكومة مواقف أكثر دعمًا، لا سيما من وزيري الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ونظيره التركي هاكان فيدان، اللذين أكدا استمرار التعاون والتنسيق لدعم الحكومة السورية وجهودها “لإعادة بناء بلدها وحماية أمنها واستقرارها وسيادتها ووحدة أراضيها وسلامة مواطنيها”.
في حين أن تركيا كانت الأكثر دعمًا، إذ عرض وزير دفاعها الدعم لمقاتلة القوات التي تسيطر على حيي الأشرفية والشيخ مقصود، في حال طلبت دمشق ذلك.
ويأتي الدعم التركي في السياق الطبيعي، إذ تعتبر أنقرة أن “قسد” والفصائل المرتبطة بها امتداد لحزب “العمال الكردستاني” العدو التقليدي لها.
مواقف متوازنة
الصحفي والكاتب باسل المحمد قال لعنب بلدي، إن ردود الفعل الدولية على ما جرى في حيي الأشرفية والشيخ مقصود جاءت محدودة وحذِرة، واتسمت في مجملها بطابع المتابعة أكثر من الإدانة أو التدخل.
وأضاف أن أغلب العواصم الغربية تعاملت مع الأحداث باعتبارها شأنًا أمنيًا داخليًا مرتبطًا بإعادة ضبط الاستقرار في مدينة حلب، ولم تُسجَّل مواقف سياسية حادة أو ضغوط دبلوماسية مباشرة على الدولة السورية.
وأشار إلى أن هذا التعاطي يعكس إدراكًا دوليًا بأن ما يجري يندرج في إطار فرض سيادة الدولة ومعالجة بؤر التوتر، وليس ضمن مسار تصعيد واسع أو عمليات عسكرية خارجة عن السياق المحلي.
ما الموقف الأمريكي؟
الموقف الأمريكي بدا متوازنًا بين الحكومة السورية و”قسد”، إذ تعتبر واشنطن أبرز داعم للأخيرة وتقدم لها الأموال والتدريبات العسكرية، في إطار محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”.
لكن بالمقابل، تمتلك دمشق علاقة مميزة مع واشنطن، تطورت بشكل سريع وغير متوقع، بعد سقوط النظام السابق مباشرة.
تمثل الموقف الأمريكي، بما يخص ملف الحيين شمالي مدينة حلب، بتصريحات متتابعة للمبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، الذي دعا بداية إلى ضبط النفس وإيقاف التوترات.
ورحب براك بقرار وقف إطلاق النار، الذي أعلنت عنه الحكومة السورية من طرف واحد.
في حين أن الموقف الأبرز، حتى لحظة تحرير الملف، جاء في 10 من كانون الثاني الحالي، متمثلًا بزيارة براك إلى دمشق، ولقائه كلًا من الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، ووزير الخارجية، أسعد الشيباني.
وجاء براك حاملًا رسائل من الرئيس الأمريكي ترامب، ووزير الخارجية ماركو روبيو، وذلك لبحث التطورات الأخيرة في حلب والمسار الأشمل للمرحلة الانتقالية التاريخية التي تمر بها سوريا.
وجاء خطاب براك متوازنًا، مقدمًا الدعم للطرفين، ومؤكدًا على المضي في مسار اتفاق 10 من آذار 2025.
ترحب حكومة الولايات المتحدة بالانتقال التاريخي في سوريا، وتعرب عن دعمها للحكومة السورية برئاسة الرئيس أحمد الشرع في جهودها الرامية لترسيخ استقرار البلاد، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية، وتلبية تطلعات جميع السوريين في تحقيق السلام والأمن والازدهار.
لطالما دعمت الولايات المتحدة الجهود الهادفة لهزيمة تنظيم “الدولة” وتعزيز الاستقرار في سوريا، بما في ذلك عبر عملية “العزم الصلب” وشراكتنا مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، التي كانت تضحياتها ركيزة أساسية في تحقيق مكاسب مستدامة ضد الإرهاب.
توم براك
المبعوث الأمريكي إلى سوريا
الموقف الأمريكي، وخصوصًا تصريحات براك، حمل دلالات واضحة يمكن قراءتها في أكثر من اتجاه، وفق ما رآه الكاتب باسل المحمد.
الأهم أن واشنطن لم تتبنَّ خطابًا متشددًا أو تصعيديًا تجاه الدولة السورية، ولم تصدر أي إشارة إلى اعتبار ما جرى تجاوزًا للخطوط الأمريكية المعروفة.
ويُفهم من ذلك أن الولايات المتحدة تدرك أن حيي الأشرفية والشيخ مقصود خارج نطاق مناطق الحماية أو النفوذ الأمريكي المباشر، التي تتركز حصرًا في مناطق شمال شرقي سوريا، بحسب المحمد.
ويعتقد الكاتب أن التحركات الأمنية في هذين الحيين لا تعد، من وجهة النظر الأمريكية، مساسًا بترتيباتها العسكرية أو السياسية مع “قسد” في مناطق أخرى.
كما يرى أن هذا الموقف يعكس أيضًا رغبة أمريكية في عدم توسيع رقعة الخلاف مع دمشق في هذه المرحلة، والاكتفاء بمراقبة التطورات دون الانخراط المباشر.
هل تتأثر علاقة دمشق بواشنطن؟
في التقدير السياسي، من غير المرجح أن تؤدي أحداث الأشرفية والشيخ مقصود إلى توتر مباشر في العلاقة بين دمشق وواشنطن، بحسب الكاتب باسل المحمد.
وشرح بأن الأحداث جرت في نطاق جغرافي لا يشكّل أولوية أمريكية، كما أنها لم تمسّ بشكل مباشر القوات أو المصالح الأمريكية في سوريا.
بل على العكس، يمكن النظر إلى هذا التعاطي الأمريكي الهادئ بوصفه مؤشرًا على فصل الملفات، حيث تحاول واشنطن إبقاء قنوات التعامل مع دمشق محكومة بسقف سياسي وأمني محدد، دون الانجرار إلى مواجهات جانبية.
وعليه، فإن هذه التطورات قد تُكرّس واقعًا مفاده أن الدولة السورية تمضي في إعادة فرض سلطتها على كامل الجغرافيا الوطنية، ضمن معادلات إقليمية ودولية باتت أكثر واقعية وأقل اندفاعًا نحو التصعيد.
