أحمد عسيلي
انتهت المعارك إذًا في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، ودخلت قوات الدولة السورية إلى الحيّين بموجب اتفاق مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، ليعود إلى المدينة هدوء نسبي بعد أيام من توتر عاشته البلاد بأكملها. من الناحية العسكرية، يمكن النظر إلى ما جرى بوصفه خاتمة مرحلة محددة جدًا من الصراع، أو تسوية مؤقتة فرضتها موازين القوة، من دون أن يكون هناك رضا كامل لدى أي من الطرفين، غير أن الاكتفاء بهذا التوصيف يبقى اختزالًا مُخلًا، لأن ما يهم فعليًا، كمجتمع وشركاء في وطن واحد، لا يبدأ عند توقف الاشتباكات، بل يمكن القول إنه يبدأ بعدها مباشرة.
فالحرب، بمعناها الأوسع، لم تنتهِ، ما زالت إشكالية شرقي سوريا قائمة، وما زال اتفاق 10 من آذار معلقًا من دون تنفيذ فعلي، ما يعني أننا أمام احتمال مرحلة توتر جديدة، بشقيها العسكري والنفسي، وإذا كان دور الأفراد والمجتمع محدودًا في التأثير على المسار العسكري ومنع تدهور جديد، فإن القدرة على التأثير في التداعيات النفسية والاجتماعية تبقى ممكنة، بل أساسية، نحن ما زلنا في الأيام الأولى لما بعد هذه المواجهة، وهي مرحلة شديدة الحساسية، لأن ما يُقال خلالها، وما يُضخ عبر الخطاب العام، يسهم مباشرة في تشكيل مستقبل العلاقة بين الكرد ومحيطهم الأوسع، ولا سيما المكوّن العربي، ربما بشكل أعمق وأطول أمدًا من أثر المعركة نفسها.
تُظهر التجارب المرتبطة بالحروب أن السلاح قد يصمت سريعًا، لكن جراحه النفسية، خاصة في البدايات، تبقى في ذروة حضورها، فالشروخ التي تخلّفها المواجهات تبقى مكشوفة وحادة ومؤلمة، الجرح الحديث يفرض نفسه على الأفراد والجماعات، فيسيطر على العقل والتفكير، ليظهر في شكل غضب وتوتر وحساسية مفرطة وشعور متضخم بالتهديد، وخلال الأسبوع الماضي، بدأت هذه الأعراض بالظهور بوضوح، من خلال حوادث اعتداء متفرقة، وتوترات لم تقتصر على الجغرافيا السورية، بل امتدت إلى أماكن أخرى، ما يشير إلى أن الصراع بات يُحمَل نفسيًا خارج مكانه الأصلي.
في هذه المرحلة المبكرة، يكون الألم في أقصى درجاته، ويكون العقل في موقع دفاعي، ومع ذلك، فإن ما يُقلق ليس حضور هذا الألم بحد ذاته، فهو متوقع ومفهوم، بل وضروري لإحداث نوع من التوازن النفسي، لكن المشكلة في الطريقة التي يُدار بها، فالزمن، في الظروف الطبيعية، يتكفّل بتخفيف حدّة الجرح، ويتيح عودة تدريجية لصوت العقل، بشرط ألا يتم تثبيت الألم أو تغذيته باستمرار عبر خطاب تحريضي يعيد فتح الجرح في كل مرة.
اللافت في هذا السياق أن التحريض لم يصدر فقط عن جمهور منفعِل أو عن أصوات هامشية، بل شارك فيه مثقفون وناشطون من الطرفين، لغة حادة، ثنائية، تقوم على الاختزال والتعميم، وتحوّل مشاعر الخوف والغضب إلى خطاب مبرِّر، في كثير من الحالات، لا يكون هذا الخطاب تعبيرًا عن حرص حقيقي على الضحايا أو على المستقبل، بل وسيلة لإعادة التموضع، أو لبناء دور قيادي، أو لمعالجة جروح شخصية قديمة تحت غطاء قضية عامة.
وفي كل مرة، يدفع الضعفاء الثمن، ليس من يكتبون البيانات، ولا من يحرّضون من مسافة آمنة، بل الأفراد العاديون الذين يجدون أنفسهم مطالبين بحمل مشاعر عدائية لا تشبههم، والانخراط في صراعات لم يختاروها، هؤلاء هم من يتحملون العبء النفسي اليومي، ويعيشون القلق، ويخشون أن يتحول الجرح الحديث إلى حالة دائمة، لا لأن الزمن لم يشفِه، بل لأن الخطاب العام رفض أن يسمح له بالالتئام.
ما نشهده اليوم هو موجة انفعالية جماعية، تتداخل فيها مشاعر الخوف والغضب والإحساس بالتهديد والكرامة المجروحة، وهي جزء طبيعي من تداعيات أي صراع مسلح، غير أنها، بطبيعتها، مؤقتة، وخطورتها لا تكمن في شدتها، بل في السماح لها بأن تتحول إلى مرجعية ثابتة للمواقف، أو إلى أساس دائم للحكم على الجماعات.
حين يفقد الفرد قدرته على ضبط انفعاله، ويترك الغضب يحدد موقفه، يبدأ التدهور النفسي، عندها، لا يعود الصراع سياسيًا أو اجتماعيًا فقط، بل يتحول إلى صراع داخل الجهاز النفسي ذاته، الكراهية هنا لا تكون موقفًا واعيًا، بل استجابة تلقائية، تُغذّى بخطاب مبسّط وزائف، يقدّم تفسيرًا جاهزًا للعالم، ويعفي الفرد من عناء التفكير والتحليل.
من هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بالحماية النفسية، لا بمعنى الانسحاب أو اللامبالاة، ولا بمعنى إنكار المظالم أو تمييع الخلافات، بل بمعنى السماح للجرح بأن يمر بمساره الطبيعي نحو الالتئام، بدل تثبيته أو استثماره، الحماية النفسية تعني بناء مسافة داخلية بين الشعور والموقف، بين الفرد والجماعة، والاحتفاظ بهدوء كافٍ يسمح للعقل بالعودة إلى موقعه.
في هذه المرحلة، قد يكون أهم ما يمكن فعله هو حماية النفس من الانجرار ومن تحويل الألم العابر إلى قطيعة دائمة، فالمستقبل لا يُصنع فقط بالاتفاقات العسكرية، بل بالقدرة على إدارة ما بعد المعركة نفسيًا واجتماعيًا، وما سنقوله ونفعله اليوم، في لحظة الجرح الطري، سيترك أثره لفترات طويلة، شئنا أم أبينا.
