العمل المنزلي.. ملاذ الفتيات لمواجهة البطالة وضيق الحال

  • 2026/01/25
  • 4:16 م
سيدة تعمل على تطريز الألبسة بريف دير الزور - 2 كانون الثاني 2026 (عنب بلدي/ مروان المضحي)

سيدة تعمل على تطريز الألبسة بريف دير الزور - 2 كانون الثاني 2026 (عنب بلدي/ مروان المضحي)

enab_get_authors_shortcode

دير الزور – مروان المضحي

لم تعد الجدران الأربعة للمنازل مجرد مكان للسكن أو للاحتماء من تقلبات الحرب والنزوح لدى فتيات ريف دير الزور، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى ورشات عمل تضج بالحياة والإصرار.

ففي ظل أزمة اقتصادية “خانقة” تعصف بمناطق شمال شرقي سوريا، وجدت مئات الفتيات في الأعمال اليدوية والمهن المنزلية ملجأ للحصول على لقمة العيش وتأمين تكاليف المعيشة المتزايدة، وسط انعدام فرص العمل وارتفاع معدلات التضخم.

من الوظيفة العامة إلى “المطبخ الإنتاجي”

سماح التايه، ابنة بلدة سويدان بريف دير الزور الشرقي، تجسد قصة “كفاح” بدأت قبل نحو عامين، وهي نموذج لآلاف الفتيات، اللواتي وجدن أنفسهن أمام خيارات مريرة، فاضطرت لترك وظيفتها بسبب التدهور الأمني في المنطقة، وصعوبة تأمين المواصلات التي باتت تستنزف الجزء الأكبر من الراتب، وهي تحديات باتت تعوق عمل المرأة في دير الزور بشكل مباشر.

لم تستسلم سماح لواقع البطالة الذي يفرضه المحيط، فاستعانت بمنصة “يوتيوب” كمصدر تعليمي بديل، حيث فنون الحياكة والخياطة، وقالت لعنب بلدي، “بدأت من إبرة صغيرة، ومع الوقت وبمساعدة عائلتي، تحول هذا النشاط من هواية إلى مهنة”.

“بعد عام واحد، توسع العمل وبدأت أبيع منتجاتي للمحال التجارية في البلدة والقرى المجاورة”، أضافت سماح، لافتة إلى أنه مع غياب الإمكانيات المادية لافتتاح مشروع مستقل، اعتمدت على “اقتصاد التشارك”، عبر التعاون مع إحدى جاراتها التي تمتلك ماكينة تطريز لتنفيذ بعض الطلبات الخاصة مقابل نسبة مادية، في صورة تعكس التكافل الاجتماعي لمواجهة العجز المادي.

شهادات جامعية “مطرزة” بالصبر

هذه الظاهرة لم تقتصر على الفتيات اللواتي لم يكملن تعليمهن، بل امتدت لتشمل خريجات جامعيات فقدن الأمل في الحصول على وظائف تتناسب مع تخصصاتهم.

فادية محمود من مدينة رأس العين مقيمة في دير الزور، تخصصت في فنون التطريز اليدوي لصناعة أوشحة التخرج والعباءات الخاصة بالعرائس، ولوحات مرسومة بالقش والإبر، وجدت في مهنتها ملاذًا اقتصاديًا، بل وساعدت عائلتها.

وقالت فادية لعنب بلدي، إنه رغم المجهود البدني الشاق الذي يتطلبه التطريز اليدوي، والحاجة الدقيقة للتركيز الذي قد يرهق النظر والأعصاب، فإن المردود المادي يعتبر “جيدًا” بالنظر إلى انهيار القوة الشرائية للعملة المحلية، إذ يصل سعر القرص المطرز يدويًا في المنطقة إلى 50 ألف ليرة سورية.

ويعتبر السعر جيدًا ويعكس حجم الجهد المبذول، وقيمة العمل التراثي الذي لا يزال يحافظ على مكانته في وجدان السكان، بحسب تعبير فادية.

وتبرز قصة سهام ماجد التي بحثت عن عمل لعامين دون جدوى، حتى اقترحت عليها والدتها، التي تمتهن الخياطة منذ 25 عامًا، تعلم المهنة، إذ قالت سهام لعنب بلدي، “تعلمت فنون التطريز التي ورثتها والدتي عن جدتي”.

“اليوم أدرك أهمية أنواع الأقمشة مثل الكتان والقطن، وكيف يمكن تحويل قطعة قماش صماء إلى لوحة فنية يطلبها الزبائن”، أضافت سهام، موضحة أنها اليوم لا تكتفي بالخياطة التقليدية، بل طورت أدواتها لتشمل حياكة الصوف والرسومات العصرية التي تبيعها للفتيات في المنطقة.

بيئة عمل “معقدة”

الإيجارات والطاقة أبرز العقبات التي تواجه الفتيات، بحسب قولهن، إذ تصطدم طموحاتهن بواقع خدمي ومعيشي متردٍّ يجعل من الاستمرار تحديًا يوميًا.

وتتصدر الإيجارات قائمة العوائق، حيث بات إيجار محل تجاري صغير في مراكز المدن أو القرى الرئيسة “حلمًا بعيد المنال” مع وصوله إلى عتبة المليون ليرة كحد أدنى في أطراف المدن، وهو رقم يفوق قدرة المشاريع الناشئة ويستهلك معظم الأرباح المتوقعة.

إلى جانب الإيجارات، تبرز أزمة الطاقة كعائق فني وتصنيعي، فالانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، وغلاء المحروقات اللازمة لتشغيل المولدات، يعوقان عمل ماكينات الخياطة والتطريز الحديثة، كما يهددان سلامة الصناعات الغذائية المنزلية التي تتطلب ظروف تخزين وتبريد معينة.

هذا الواقع دفع الفتيات للاستعاضة عن الماكينات الكهربائية بالعمل اليدوي “المضني”، الذي يستغرق وقتًا أطول، أو الاعتماد على معدات مستعارة لتقليل التكاليف التشغيلية.

ولا تقتصر الصعوبات على مرحلة الإنتاج فحسب، بل تمتد إلى مرحلة التسويق والبيع النهائي، حيث تضطر العاملات من المنازل إلى دفع عمولات لأصحاب المحال التجارية مقابل عرض منتجاتهن، تصل أحيانًا إلى ألفي ليرة سورية عن كل قطعة مبيعة.

ومع ضعف القدرة الشرائية للسكان المحليين، تجد الفتيات أنفسهن في مواجهة معادلة صعبة تتمثل بخفض أسعار المبيع لضمان تدفق السيولة، مقابل الارتفاع الجنوني في أسعار المواد الأولية (خيوط، أقمشة، سكر، وقود)، مما يجعل هامش الربح الحقيقي في أدنى مستوياته.

“البازار الرقمي”.. “فيسبوك” و”واتساب” كواجهات بديلة

أمام هذا الانغلاق في السوق الفيزيائي، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى “بازار رقمي” مفتوح، فأصبحت مجموعات “واتساب” المحلية و”فيسبوك” هي الأسواق الحقيقية البديلة، حيث يتم عرض المنتجات عبر “القصص” (Stories) ومشاركة مراحل التصنيع لجذب الزبائن عاطفيًا وتقنيًا.

فتيات مثل لين السومة، بتن يعتمدن على تسويق منتجاتهن بطريقة احترافية بالهواتف المحمولة لجذب زبائن من خارج حدود بلداتهن.

لم يعد النشاط محليًا فحسب، بل بدأت الطلبات تأتي من مغتربين من أبناء دير الزور في أوروبا ودول الخليج، يطلبون لوحات تراثية أو لوحات فنية مرسومة بالفحم، ما يوفر لأولئك الفتيات مصدرًا للدخل، قد يكون في بعض الأحيان بالعملات الصعبة أو عبر حوالات مالية تسند مشاريعهم الصغيرة.

غياب الدعم المؤسساتي وحلم الاستدامة

تعيش مناطق دير الزور وريفها أزمة اقتصادية مركبة ناتجة عن سنوات الحرب، وضعف البنية التحتية، والسياسات الاقتصادية المتقلبة، ويرى مراقبون محليون أن هذه المشاريع المنزلية، رغم صغر حجمها، تشكل النواة الأساسية لصمود المجتمع المحلي وتمنع انهيار الأسر تحت خط الفقر المطلق.

إلا أن هذه الجهود النسوية تظل “مبادرات فردية” تفتقر إلى التنظيم النقابي أو الدعم المؤسساتي.

والمطلوب اليوم لا يقتصر على المساعدات الإغاثية، بحسب العاملات اللواتي التقتهن عنب بلدي، بل تتعداها إلى رغبة الفتيات في الحصول على قروض صغيرة ميسرة، وتأمين ألواح طاقة شمسية لتشغيل الماكينات، وإنشاء معارض دورية تدعم “صُنع في دير الزور” بأيدي نسائها، لضمان تحويل هذه الورشات المنزلية إلى مشاريع مستدامة قادرة على النمو وتوظيف فتيات أخريات، بدلًا من بقائها مجرد محاولات للبقاء على قيد الحياة.

مقالات متعلقة

  1. العجاج يضرب قرى في دير الزور
  2. الصحة تتدهور في ريف دير الزور
  3. دير الزور.. مطالب بوقف تقنين الكهرباء بمحطة "غرانيج"
  4. دير الزور.. المياه "الخامية" تهدد صحة الأهالي والبدائل مكلفة

مجتمع

المزيد من مجتمع