عنب بلدي – أمير حقوق
تتصاعد التطورات المتعلقة بأصول الأموال السورية المحجوزة في الخارج، في ظل متابعة المجتمع الدولي والمراقبين المحليين لكل ما يخص ممتلكات شخصيات نافذة مرتبطة بالنظام السوري السابق.
وكشفت الحكومة الفرنسية عن استعداداها لتحويل 32 مليون يورو من أصول رفعت الأسد إلى الحكومة السورية بعد سنوات طويلة من الإجراءات القانونية والتدقيق.
مدير “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير”، مازن درويش، أكد أن العمل مستمر لتوسيع دائرة المصادرات لتشمل أصولًا إضافية قد تتجاوز 80 مليون يورو، بما فيها عقارات جديدة في فرنسا، وذلك وفق بروتوكولات بين الحكومتين.
وتشير التوقعات إلى أن الحكومة السورية ستحدد أولويات الإنفاق قبل وصول الأموال، في حين لا تفرض فرنسا أي شروط على طريقة استخدام هذه الأموال.
وقد توفي رفعت الأسد، عم رئيس النظام السوري المخلوع، بشار الأسد، في 21 من كانون الثاني الحالي، عن عمر ناهز 88 عامًا، إثر تدهور مفاجئ في حالته الصحية.
يملك رفعت الأسد سجلًا حافلًا بالصراعات العسكرية والسياسية، بدءًا من تثبيت أركان حكم عائلة الأسد في السبعينيات، وصولًا إلى أحداث الثمانينيات في حماة، وبعدها سنوات النفي الطويلة والملاحقات القضائية في أوروبا بتهم اختلاس أموال الدولة السورية.
وأدانته المحاكم الفرنسية في 17 من حزيران 2020 بالسجن أربع سنوات بتهم اختلاس أموال عامة سورية وغسل أموال، مع مصادرة ممتلكات تقدّر بعشرات الملايين من اليورو.
منظور قانوني “بحت”
خطوة استعداد فرنسا لتحويل جزء من أصول رفعت الأسد إلى الحكومة السورية، أثارت اهتمام المراقبين الدوليين، معتبرين أن هذا الإعلان لا يُفهم على أنه قرار سياسي، بل كمؤشر على قوة القانون وقدرته على تنفيذ المصادرات القضائية على الأموال العامة المنهوبة.
الخبير القانوني والمتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، قال إن التحرك يُقرأ من منظور قانوني بحت، على أنه تنفيذ لنتائج المصادرة القضائية النهائية الصادرة عن القضاء الفرنسي بحق أصول ثبت أنها ناتجة عن اختلاس أموال عامة سورية وغسلها داخل الإقليم الفرنسي.
هذا الإجراء لا يُفهم على أنه تصرف سياسي أو قرار سيادي مستقل، أضاف الكيلاني لعنب بلدي، مفسرًا، “بل هو أثر قانوني مباشر لحكم جزائي قضى بمصادرة الأموال غير المشروعة، مع الالتزام بالمبدأ المستقر في الفقه القانوني الدولي والداخلي القاضي بإعادة المال إلى مالكه الأصلي”.
وبما أن أصل المال مختلس من المال العام السوري، فإن الحكومة السورية تُعد المتضرر الأصلي، بينما تُعد فرنسا متضررًا ثانويًا بحكم استعمال هذه الأموال داخل إقليمها وما ترتب على ذلك من أضرار.
ويشير التحويل الجزئي والمرحلي إلى أن فرنسا تتعامل مع المصادرة بوصفها إجراء مؤقتًا لا ينشئ حق ملكية، وأنها تحتفظ بالأموال فقط إلى حين استكمال تقدير الأضرار والتكاليف التي لحقت بها، تمهيدًا لإعادة الرصيد الصافي إلى صاحب الحق الأصلي.
وهو ما يتوافق مع مبدأ “إعادة الحال إلى ما كان عليه” المعتمد في الفقه المدني ومع المادة “57” من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي تنص صراحة على إعادة الأموال المختلسة من الممتلكات العامة إلى الدولة المتضررة، أضاف الكيلاني.
فرنسا تمتلك حق استيفاء التكاليف.. لسوريا حق قانوني
يقف وراء هذا التحرك إطار قانوني واضح، يحدد الإجراء المتبع وكيفية العمل به أصولًا، بحسب القانون الدولي.
الخبير القانوني والمتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، قال إن الإجراء تحكمه قاعدة فقهية أساسية مفادها أن المال غير المشروع يُرد إلى المتضرر الأصلي متى ثبت مصدره، وذلك بعد جبر كامل الضرر الذي لحق بالمتضرر الثانوي.
فرنسا، بوصفها الدولة التي استُخدم إقليمها لغسل الأموال، تملك حق استيفاء تكاليف التحقيق والإدارة والحراسة وأي أضرار اقتصادية أو قانونية لحقت بها، لكنها لا تملك حق الاحتفاظ بالأموال أو تملكها، أما الحكومة السورية، وبوصفها المتضرر الأصلي، فإن حقها في استرداد الأموال هو حق قانوني أصيل لا ينشأ عن اتفاق سياسي، بل عن ثبوت ملكيتها الأصلية للمال، أضاف الكيلاني.
ويترتب على الحكومة السورية، من زاوية قانونية عملية، بحسب الكيلاني، أن توفر إطارًا داخليًا يحدد كيفية إدخال الأموال المستردة إلى الخزينة العامة أو تخصيصها، وأن تتعامل مع عملية الاسترداد وفق مبدأ حسن النية في العلاقات الدولية، ولا سيما إذا اقترنت عملية التحويل بآليات رقابة أو شروط شفافية تفرضها الدولة الحاضنة استنادًا إلى تشريعها الداخلي.
هذا التنظيم الداخلي لا يُنشئ الحق ولا ينفيه، لكنه يُعد شرطًا تقنيًا لتسهيل التنفيذ المرحلي لبقية المصادرات.
يترتب على الحكومة السورية، من زاوية قانونية عملية، أن توفر إطارًا داخليًا يحدد كيفية إدخال الأموال المستردة إلى الخزينة العامة أو تخصيصها، وأن تتعامل مع عملية الاسترداد وفق مبدأ حسن النية في العلاقات الدولية.
المعتصم الكيلاني
خبير قانوني ومتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي
معالم التحرك القضائي الفرنسي
تحرك القضاء الفرنسي في هذه القضية يسلط الضوء على تحول مهم في الاجتهاد القضائي الدولي، واعتبره القانونيون أنه يؤكد على حق سوريا المتضررة في استرداد أموالها.
الكيلاني يلخص التحرك الفرنسي بعدة بنود يمكن أن تحدد معالمه ودوافعه، وذلك وفق:
- تحرك القضاء الفرنسي يُقرأ بوصفه تكريسًا واضحًا لمبدأ الفصل بين سلطة المعاقبة وسلطة التملك، إذ إن المحاكم الفرنسية عاقبت الجريمة الواقعة على إقليمها والمتمثلة في غسل الأموال، لكنها لم تعتبر نفسها مالكة للأموال المصادرة.
- التحرك يؤكد أن المصادرة في الجرائم المالية العابرة للحدود هي إجراء وقائي وتنفيذي لا يغير من طبيعة الملكية الأصلية للأموال.
- التحرك يدل على تطور مهم في اجتهاد القضاء الفرنسي باتجاه الاعتراف الصريح بحق الدول المتضررة في استرداد الأموال المنهوبة، حتى في غياب إجراءات موازية في دولة المصدر، كما الحال في سوريا.
- من الناحية الفقهية، فإن اعتبار فرنسا متضررًا ثانويًا فقط، وليس مالكًا، ينسجم مع نظرية الإثراء بلا سبب ومع الاتجاه الدولي الحديث، الذي يرى أن الدولة الحاضنة لا يجوز أن تتحول إلى مستفيدة من الجريمة بحجة المصادرة.
- التحرك يحمل دلالة أوسع تتجاوز الحالة السورية، لأنه يعزز موقع القضاء الوطني كأداة فاعلة في مكافحة الفساد الدولي واسترداد الأصول.
شرط وظيفي لتطبيق إعادة المال
يشرح الكيلاني أهمية التعاون القانوني بين سوريا وفرنسا، بأنها تنبع من كونه شرطًا وظيفيًا لتطبيق القاعدة الفقهية التي تقضي بإعادة المال إلى المتضرر الأصلي بعد جبر ضرر المتضرر الثانوي، وهذا التعاون يسمح بتبادل الوثائق القضائية اللازمة لتتبع الأصول وتوسيع نطاق المصادرات، ويتيح في الوقت نفسه تحديد الأضرار التي لحقت بفرنسا بدقة واستيفاءها دون المساس بجوهر الحق السوري.
كما أن التعاون يضمن ألا تتحول المصادرة إلى احتجاز دائم للأموال، وألا يُفرغ مبدأ استرداد الأصول من مضمونه العملي، بحسب ما قاله الكيلاني.
وعلى مستوى أوسع، فإن هذا التعاون يسهم في ترسيخ سابقة قانونية دولية مفادها أن مكافحة الفساد العابر للحدود لا تكتمل بالمصادرة وحدها، بل تنتهي بإعادة المال إلى مالكه الأصلي وفق قواعد واضحة وشفافة، وهو ما يعزز الثقة في النظام القانوني الدولي ويحد من ظاهرة الملاذات الآمنة للأموال المنهوبة، وفق ما ختم به الخبير القانوني المعتصم الكيلاني.
سياسيًا.. حسابات العلاقة مع دمشق
محللو السياسة يعتقدون أنه لا يمكن فصل التحرك الفرنسي في ملف أصول رفعت الأسد عن سياقه السياسي الأوسع، حتى وإن كان مستندًا في جوهره إلى مسار قضائي بحت.
إقدام باريس على المضي قدمًا في تحويل جزء من الأموال المصادرة يطرح تساؤلات تتجاوز الإطار القانوني، لتلامس حسابات السياسة الخارجية، وطبيعة العلاقة مع دمشق.
وهنا، يرى الكاتب السياسي درويش خليفة أنه لا شك أن ثمة بُعدًا سياسيًا لهذا الملف، يرتبط بطبيعة العلاقة الجديدة بين حكومتي البلدين، ولا سيما فيما يتعلق بعودة الشركات الفرنسية للاستثمار في سوريا، أو استئناف نشاط الشركات التي توقفت عن العمل بعد دخول تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى المنطقة الشرقية من سوريا.
كما يتصل الأمر بمطالب فرنسية تتعلق بتوسيع مشاركة المكوّنات السورية في صناعة القرار السياسي.
مع ذلك، يعتقد الكاتب خليفة أن هذا المسار يبقى غير كافٍ بالنسبة لضحايا رفعت الأسد، الذين عانوا ويلات جرائمه بحق السوريين، سواء عبر استهداف أحياء دمشق في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أو من خلال قيادته الحملة العسكرية الوحشية ضد أهالي مدينة حماة.
وعليه، ينبغي للحكومة السورية أن تصوغ مذكرة رسمية تطالب بإعادة جميع أموال رفعت الأسد وأبنائه المصادَرة في أوروبا كاملة، لا في فرنسا وحدها.
اسم رفعت الأسد ارتبط بواحدة من الحقب السوداء في تاريخ سوريا، حيث كان المسؤول المباشر عن مجزرة “سجن تدمر” في حزيران 1980، والتي تلت محاولة اغتيال فاشلة تعرض لها حافظ الأسد.
كما قاد العمليات العسكرية في مدينة حماة عام 1982، وهي الأحداث التي أدت إلى مقتل وتغييب عشرات الآلاف من السوريين وتدمير أحياء كاملة.
