عنب بلدي – محمد كاخي
ظهر المرشح الأوفر حظًا لرئاسة الوزراء في العراق، نوري المالكي، في مقطع يتهم فيه الحكومة السورية بالإرهاب، وأنها ترزح تحت سلطة تركيا وإسرائيل. ونقلت قناة “آفاق” العراقية عن المالكي قوله، “كيف انتهت سوريا تحت إدارة تركية، وكيف أصبح الحكم بيد من كانوا يمارسون العمل الإرهابي عندنا، وكانوا سجناء، وهل من المعقول أن الإرهابيين يمكنهم حكم بلد مثل سوريا متنوع الأعراق والأديان”.
وبالرغم من توازن الموقف العراقي الرسمي في الوقت الحالي، ممثلًا برئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، فإن قادة وعناصر من قوات “الحشد الشعبي العراقي” ظهروا في مقاطع مصورة يهددون باقتحام الحدود السورية والتصدي لأي هجمات محتملة، فهل سوريا والعراق مقبلان على علاقة متوترة بعد صعود تيار نوري المالكي المدعوم من إيران إلى الحكم، أم أن “الفيتو” الأمريكي الذي أطلقه الرئيس دونالد ترامب سيقيّد وصول المالكي إلى السلطة.
توتر على الحدود العراقية- السورية
استقدم الحشد الشعبي تعزيزات وأرتالًا إلى الحدود العراقية- السورية، وأجرى تدريبات بالذخيرة الحية في المناطق الحدودية، كما خرج قادة وعناصر من “الحشد” يهددون باقتحام الحدود السورية والاشتباك مع الجيش السوري، دون صدور أي موقف رسمي عراقي تصعيدي تجاه سوريا.
يرى الباحث والمحلل السياسي محمد السليمان، أن بعض الشخصيات السياسية والدينية تنظر إلى الحكومة السورية وسياساتها نظرة سلبية وعدائية، بالرغم من تعاون الحكومة العراقية مع الحكومة السورية على تعزيز الأمن على الشريط الحدودي بين العراق وسوريا من أجل منع انتشار الإرهاب.
وفي حديث إلى عنب بلدي، قال السليمان، إن التهديدات التي يرسلها “الحشد الشعبي” بشكل مستمر للحكومة السورية هي في الغالب فردية وغير مدعومة بمواقف رسمية من بغداد، لأن “الحشد” يعلم بأنه عند الانتهاء من المشكلات الداخلية في سوريا، سيتم استئصاله في العراق، ولهذا بغداد دائمًا تؤكد التعاون والحوار للحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وتجاوبت في ملف نقل الآلاف من معتقلي تنظيم “الدولة الإسلامية” من سوريا إلى العراق، من أجل ألا تحدث فوضى في حال هروبهم.
ويرى المحلل السياسي نادر الخليل، أنه حتى الآن يتعامل العراق مع الملف السوري بقدر كبير من الحذر، ويتصف بالبراغماتية والتوازن.
ورغم تهديدات بعض قادة “الحشد الشعبي” بخطابات نارية ضد قوات السلطة السورية الجديدة، فإنه لم تصدر عن الحكومة العراقية أي تصريحات تصعيدية في الفترة الأخيرة، وهذا يُفهم منه أن بغداد تحاول أن تنأى بنفسها عن الدخول في مواجهة مباشرة مع دمشق، خصوصًا في ظل التعقيدات الداخلية التي يعيشها العراق.
وبحسب الخليل، هذا نابع من إدراكها (الحكومة العراقية) أن أي انزلاق وتصعيد لصراع مع سوريا سيُدخل العراق في أزمة إقليمية جديدة هو بغنى عنها، وعليه يمكن القول، إن الموقف العراقي الرسمي يتسم بالتوازن والبراغماتية على عكس تصريحات “الحشد الشعبي”، التي تؤكد وجود تيار داخلي له ارتباطات بحسابات إقليمية وهي لا تعكس بالضرورة سياسة الدولة الرسمية.
المالكي ومستقبل العلاقة مع سوريا
مع بدايات الثورة السورية، كان رئيس الوزراء العراقي، آنذاك، نوري المالكي، ينصح الرئيس السوري المخلوع، بشار الأسد، بضرورة إجراء إصلاحات سياسية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وإشراك المعارضة في السلطة، والتحضير لانتخابات حقيقية، والتخلي عن حزب “البعث” وحكم الحزب الواحد، إلا أن المالكي وبعد تشكل “المجلس الوطني السوري”، مطلع تشرين الأول 2011، سمح بتدفق الميليشيات العراقية وعبور الميليشيات الإيرانية إلى سوريا، للمشاركة في القتال إلى جانب النظام السوري السابق، وتحفّظ على قرار جامعة الدول العربية، الذي علق عضوية سورية بالجامعة، في 12 من تشرين الثاني 2011، ولم يقطع علاقاته مع دمشق، ولم يلتزم بالعقوبات العربية أو الدولية التي فُرضت على النظام، على خلفية إفراطه في استخدام العنف.
ومع اقتراب عودته إلى رئاسة الوزراء العراقية، اتهم المالكي السلطة الجديدة في سوريا بالإرهاب، وقال إنها تتبع للإدارة التركية والإسرائيلية، ويرى الخبراء أن مستقبل العلاقة السورية- العراقية ستأخذ شكلًا آخر في حال وصول المالكي إلى السلطة، وذلك بحكم مواقفه القديمة من الثورة السورية، وعلاقته المقربة بالنظام الإيراني.
يرى الباحث والمحلل السياسي محمد السليمان، أن هناك تقاربًا أمريكيًا سوريًا في الوقت الحالي لمكافحة الإرهاب ودعم الاستقرار في المنطقة، وهذا يتسبب في توتر العلاقات بين واشنطن وبغداد، خصوصًا إذا كان هناك إصرار من قبل العراق على تولي المالكي رئاسة الحكومة، وهذا قد يعرض البلاد لعقوبات وتقليص التعاون الأمني، ولمزيد من الضغط الأمريكي عليها من أجل إنهاء النفوذ الإيراني بالمنطقة، وتحييد كل شركائه السابقين والمتعاطين معهم والمالكي هو جزء منهم.
بدوره، يرى المحلل السياسي نادر الخليل، أنه لو عاد المالكي إلى رئاسة الوزراء، فمن المرجح أن العلاقة بين بغداد ودمشق ستدخل مرحلة أكثر توترًا، خصوصًا أن المالكي كان لا يُخفي عداءه للسلطة السورية الجديدة، إذ وصفها بالإرهاب وتوعدها بخطاب يتماشى مع مواقف “الحشد الشعبي” الذي يرتبط معه بعلاقات وثيقة.
وعليه قد يتبنى العراق في عهد المالكي سياسة أكثر تشددًا وعدائية تجاه سوريا، وقد نشهد تراجع في مستوى التنسيق الأمني والسياسي بين البلدين.
وفي المقلب الآخر، الحكومة السورية التي تفتح قنوات اتصال وتقارب مع واشنطن، ستنظر إلى المالكي باعتباره امتدادًا للنفوذ الإيراني، كما يراه دونالد ترامب، وهذا ما سيزيد من حدة التباعد، ونتيجة لذلك ستكون العلاقة بين البلدين مضطربة على الأغلب، وقد تصل إلى القطيعة السياسية، أو حتى الصدام غير مباشر على الحدود المشتركة، وفق الخليل.
“فيتو” أمريكي على عودة المالكي
قال الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عبر منصة “تروث”، في 28 من كانون الثاني الماضي، “سمعت أن الدولة العظيمة العراق قد تتخذ خيارًا سيئًا للغاية بإعادة تنصيب نوري المالكي رئيسًا للوزراء”، وأضاف، “إذا تم انتخابه، فإن الولايات المتحدة لن تقدم مستقبلًا أي مساعدة للعراق”، وأن “العراق، من دون مساعدة الولايات المتحدة، لن يكون لديه أي فرصة للنجاح”.
ورد عليه المالكي بتمسكه بموقف الترشح لمنصب رئاسة الوزراء، وقال إن “الحياة السياسية والديمقراطية في العراق وُلدت بعد مخاض عنيف وتضحيات جسيمة ودماء الشهداء”.
وأضاف المالكي، “نحن نحترم إرادتنا الوطنية وقرارنا المستقل، ونتطلع إلى أن يحترم الآخرون هذا القرار كما نحترم إرادتهم في إدارة شؤونهم”.
يرى الباحث والمحلل السياسي محمد السليمان، أن الرؤية الأمريكية تجاه تولي نوري المالكي منصب رئاسة الوزراء سلبية ورافضة، وذلك بسبب قرب المالكي من إيران، ونظرة المالكي السلبية للحكومة السورية المدعومة من الولايات المتحدة من أجل فرض الاستقرار في المنطقة هي محط تهديد للاستقرار، ولهذا هدد الرئيس ترامب صراحة بسحب الدعم الأمريكي للعراق، لأنه يعتبر الفترة التي سيتولاها المالكي تشبه الفترة السابقة التي وصفها ترامب بأنها فوضوية ومدمرة.
ويرى المحلل الخليل، أن واشنطن تعتبر المالكي شخصية مرتبطة بشكل وثيق بالمحور الإيراني، وهذا يتعارض مع مساعيها لتقليص نفوذ طهران في العراق والمنطقة، فمن المرجح أن حكومة المالكي ستواجه ضغوطًا أمريكية كبيرة حال تسلمه المنصب، وقد تشمل عقوبات اقتصادية أو تقييد الدعم المالي والسياسي للعراق، وهذا سيضع بغداد في موقف صعب بين مواجهة واشنطن من جهة، والتعامل مع سوريا التي باتت أقرب إلى أمريكا من جهة أخرى.
تأسس “الحشد الشعبي” مع صعود تنظيم “الدولة الإسلامية” وسيطرته على أراضٍ واسعة في العراق عام 2014، ومع انهيار جزء من القوات المسلحة العراقية صيف 2014، نزل مسلحو الفصائل العراقية الشيعية يرافقهم مستشارون إيرانيون إلى نقاط التماس بين المناطق التي يسيطر عليها التنظيم والمناطق ذات الأغلبية الشيعية.
أقر مجلس النواب العراقي، في 26 من تشرين الثاني 2016، قانون “هيئة الحشد الشعبي”، وسط مقاطعة نواب تحالف القوى العراقية السنّي الذي اعتبر إقرار هذا القانون “نسفًا للشراكة الوطنية”.
وشارك “الحشد الشعبي” في العمليات العسكرية للنظام السوري السابق من خلال “كتائب حزب الله” العراقية، ومنظمة “عصائب أهل الحق”، وحركة “النجباء”، وغيرها من الألوية والفصائل التي ارتكبت مجازر طائفية في العديد من المناطق السورية منذ وقت مبكر من تاريخ الثورة، إذ وثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” منذ آذار 2011 حتى كانون الأول 2014 ما لا يقل عن عشر مجازر ارتكبتها
الميليشيات العراقية إلى جانب القوات الحكومية، قتل فيها ما لا يقل عن 1005 أشخاص.
