عنب بلدي – موفق الخوجة
اتفاق جديد بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) يوضع على خارطة الطريق التي تُرسم لمصير شمال شرقي سوريا، والعلاقة هناك بين الدولة والكيان الذي تحاربه تارة، وتفاوضه تارة أخرى، إما بضغط دولي أو بحسب ما يفرضه واقع المعركة.
الاتفاق الذي أعلن عنه في 30 من كانون الثاني الماضي ببيان مشترك، بعد اتفاقيات سبقته، أُعلنت بشكل أحادي، يبدو كغيره من الجولات التي أجريت منذ 10 من آذار 2025 بين الحكومة و”قسد”، ويدور حول نفس البنود، إلا أنه جاء أكثر تحديدًا، وبظروف ميدانية مغايرة، فالقوات التي كانت تسيطر على نحو ثلث سوريا، خسرت معظم مناطقها، بفعل عملية عسكرية أطلقتها الحكومة السورية في حلب شمال غربي سوريا، وامتدت إلى شرق الفرات، حيث استحوذ الجيش السوري على كامل مدينة الرقة وريف دير الزور الواقع شرق نهر الفرات، وتمددت سيطرته شرقي حلب لتصل إلى تخوم مدينة عين العرب/كوباني، ذات الرمزية عند المكوّن الكردي.
وعند كل اتفاق، تُثار الأسئلة نفسها، حول إمكانية تطبيقه واستمراره، وسط اتهامات تلاحق تيارات “معرقلة” داخل “قسد” بالوقوف وسط الطريق، لتمديد أجل التنظيم عمرًا إضافيًا.
بنود الاتفاق
الاتفاق الذي جرى في 30 من كانون الثاني الماضي، تضمن وقف إطلاق نار شاملًا بين الجانبين، إضافة إلى التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية.
وبحسب النص المشترك الذي نشرته كل من الحكومة و”قسد”، يشمل الاتفاق انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي لتعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة.
عسكريًا، تم الاتفاق على تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من “قسد” إضافة إلى تشكيل لواء لـ”قوات كوباني” (عين العرب) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.
وتضمن الاتفاق دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” (الذراع الحوكمية لقسد) ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين.
وأشار الاتفاق إلى تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.
الهدف من هذا الاتفاق، هو توحيد الأراضي السورية وإنفاذ القانون وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد، وفق ما ذُكر في البيان المشترك.
وعقب ساعات قليلة من الإعلان، خرجت شخصيات حكومية وأخرى من قيادات “قسد” لتوضح بعض النقاط الضبابية في الاتفاق، الذي من المفترض أن يتم تطبيقه عمليًا في 2 من شباط الحالي، عقب انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمنية.
ورغم التوضيحات التي صدرت من الجانبين، ما زالت هناك نقاط تطرق إليها طرف دون آخر، ما يشي باحتمالية خروج المفاوضات بنقاط لم يتم الاتفاق عليها بشكل واضح.
وفي حين أقر الاتفاق بدخول الأمن الداخلي إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي، ذكرت قيادات في “قسد” أن دخول القوات الأمنية الحكومية سيكون مؤقتًا بغرض التنسيق لإتمام عملية الدمج، وليس وجودًا دائمًا.
أما الاندماج العسكري، فما زالت التصريحات الصادرة من الشخصيات الحكومية، تشير إلى إصرار دمشق على الدمج الفردي لعناصر “قسد” ضمن الجيش السوري، وسيتم ضمن هيكلية وزارة الدفاع العسكرية.
ينص الاتفاق على انسحاب قوات الجيش السوري و“قسد” من كامل خطوط التماس في مدينتي عين العرب (كوباني) والحسكة، مطلع شباط الحالي، ويتضمن النقاط التالية:
-
- بقاء “أسايش”: تتولى قوات الأمن الداخلي (أسايش)، التابعة لـ“قسد”، حماية أمن واستقرار المدن الكردية، مع الحفاظ على “خصوصيتها”.
- دخول محدود للأمن: تدخل عناصر محدودة من “الأمن الداخلي لدمشق” إلى المربعات الأمنية في الحسكة والقامشلي، لمهام تتعلق بـ“الدمج” فقط، ثم تنسحب لاحقًا.
- هيكلية “قسد”: تبقى قوات “قسد” على شكل ألوية عسكرية في منطقة الجزيرة وعين العرب (كوباني)، وتتمركز في نقاط محددة قرب المدن دون دخولها.
قائد “قسد” مظلوم عبدي
قناة “روناهي”
هل يستمر الاتفاق؟
مع كل اتفاق بين الحكومة و”قسد”، تُعقد الآمال لحل لهذا الملف العالق منذ فترة، وإنهاء أزمة شمال شرقي سوريا، إلا أن المعطيات على أرض الواقع تشير دائمًا إلى الذهاب لحسم عسكري، والابتعاد عن الحلول السياسية التوافقية.
بالمقابل، فإن أصابع الاتهام غالبًا ما تُوجه إلى “قسد” بالمماطلة، أو الالتفات إلى توجيهات التنظيم الأم حزب “العمال الكردستاني” (PKK) الذي يحمل مشروعًا قوميًا، يبتعد عن إرادة السوريين بوطن موحد يجمع كل أطيافهم.
الباحث السياسي بسام السليمان، يعتقد أن الحكومة السورية جادة بتنفيذ الاتفاق، في حين أن “قسد” تواجه تحديات كبيرة لتنفيذه، أهمها التيار “المتطرف” (يشير إلى التشكيلات العسكرية التي توالي حزب العمال الكردستاني)، إضافة إلى عدم وجود قيادة واحدة، معتبرًا أن التصريحات التي صدرت عن قيادتها لتوضيح الاتفاق خرجت “مرتبكة”.
وقال الباحث في شؤون الشرق السوري سامر الأحمد، إن قيادة “قسد” حاولت تضليل الرأي العام من خلال الادعاء بتفصيلات غير موجودة، لافتًا إلى نفي الحكومة بعض النقاط التي أشارت إليها قيادات “قسد” خلال توضيحها لبنود الاتفاق.
ويرى الباحث السياسي بسام السليمان، أن الحكومة لا تريد الدخول في الحروب الأخيرة التي يحاصر فيها العناصر، فبالتالي يقاتلون بشراسة أكبر، ما يؤدي إلى وقوع ضحايا بين المدنيين.
من جانبه، قال الباحث سامر الأحمد، إن اتفاق 30 من كانون الثاني، هو استكمال لسلسلة الاتفاقات التي حصلت بين الحكومة و”قسد” منذ 10 من آذار 2025 حتى الآن.
وأضاف الأحمد، لعنب بلدي، أن جميعها لم يتم الالتزام بها، إلا أن الواقع الميداني فرض شروطًا جديدة وتنازلات من “قسد”.
ولكن بالمقابل، يفترض الباحث، الأحمد، أن يبصر الاتفاق النور، مرجعًا ذلك لطبيعة الترحيب والارتياح الدولي، حيث يرى أن الاتفاق “جيد” ومقبول لجميع الأطراف.
ولاقى اتفاق 30 من كانون الثاني ترحيبًا ودعمًا دوليًا، ولا سيما من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وحكومة إقليم كردستان العراق واليابان وهولندا والسعودية والأردن.
الجيش يقلب الموازين
استطاع الجيش السوري، خلال الأيام القليلة الماضية، إحداث تغيير كبير في واقع السيطرة، ففي حين أن نحو ثلث الأراضي السورية كانت تحت سيطرة “قسد”، انحسرت مناطق الأخيرة للتركز في مركز مدينتي الحسكة والقامشلي، إضافة إلى مدن وبلدات ذات غالبية كردية ضمن المحافظة.
وفي شرقي حلب، تراجع أيضًا نفوذها، ابتداء من دير حافر ومسكنة، وصولًا إلى التمركز في مدينة عين العرب/كوباني، التي لا يزال الجيش السوري على تخومها، وسط تفاهمات تقضي ببقاء القوات الكردية في المدينة، ضمن الاتفاق الجديد.
الباحث السليمان، لا يعتقد أن الاتفاق رضيت به “قسد”، مرجعًا ذلك إلى الظروف الصعبة وحالة الانهيار التي مرت بها، في حين يرى أن من الطبيعي أن ترضى الدولة السورية به، رغم قدرتها على الحسم العسكري، إذ إنها تريد أن تنهي الملف سياسيًا.
وقال إن الاتفاق الأحدث هو بمثابة إعلان وفاة لـ”قسد”، معتبرًا أنها انتهت إلى جانب مشاريع “روج آفا” (كردستان سوريا) واللامركزية السياسية، وأن الفترة الحالية هي مرحلة الإنهاء و”التشطيب”.
يطول لأشهر
بالمقابل، يعتقد الباحث في شؤون الشرق السوري سامر الأحمد، أن إنهاء “قسد” وشمال شرقي سوريا، من المبكر الحديث عنه، ويحتمل عدة أشهر أخرى، ويرى أن احتمالات التنفيذ ضئيلة، وفرص نجاحها لا تتجاوز نسبتها 50% أو أقل.
ويرجع الأحمد ذلك إلى حزب “العمال الكردستاني” (PKK) وما وصفه بـ”تخبط” قياداته ومماطلته ومحاولته كسب الوقت.
ويتساءل الباحث، الأحمد، هل يتم فعلًا الإعلان عن حل “وحدات حماية الشعب” و”وحدات حماية المرأة” و”الشبيبة الثورية” (جوانن شورشكر) وغيرها من التشكيلات المسلحة، إلى جانب عدد من المؤسسات العسكرية والاستخباراتية، مرجحًا أن الاتفاق لن ينجح فعليًا لأن هذه التشكيلات هي من تحكم المنطقة بقوة الحديد والنار، وفق تعبيره.
ولم يتم التطرق إلى مصير هذه التشكيلات، خلال جولة المفاوضات الأخيرة، وفق ما تحدثت عنه الرئيسة المشتركة للمجلس التنفيذي لـ”الإدارة الذاتية”.
الأيام المقبلة ستكشف فيما إذا كانت “قسد” صادقة في نياتها تجاه وضع حل جذري أم أنها ستدخل في مماطلة قد تطول عدة أشهر.
ويذهب الأحمد إلى أن السيناريو الأقرب، هو ما حصل في الشيخ مقصود والأشرفية، بمدينة حلب، حيث تم عقد عدة اتفاقات ثم تم الإخلال بها ما أدى إلى اللجوء للحل العسكري وإخراجهم بالقوة.
الحيان اللذان تحدث الأحمد عنهما يقعان ضمن الأحياء الشمالية في مدينة حلب، وكانت “قسد” تسيطر عليهما منذ عام 2013 حتى إخراجها بعملية عسكرية نفذتها الحكومة في 6 من كانون الثاني الماضي، واستطاعت حسم الملف في 10 من الشهر ذاته.
ومنذ دخول “إدارة العمليات العسكرية” (الفصائل التي أسقطت نظام الحكم في سوريا) إلى حلب، في أواخر تشرين الثاني 2024، بقي ملف الحيين دائرًا ما بين اتفاقات لم تنفذ، إلى حين الحسم العسكري، الذي تم في 10 من كانون الثاني.
عام حافل بالاتفاقيات
منذ سقوط النظام السوري السابق، لوحت الإدارة السورية الجديدة بتنحية المواجهة مع “قسد” وفتح المجال أمام دمج القوات التي كانت تسيطر على شمال شرقي سوريا مع الجيش السوري الجديد.
وتكلل هذا الأمر في اتفاقية 10 من آذار 2025، التي كان من أبرز بنودها دمج مؤسسات “قسد” العسكرية والمدنية ضمن الدولة السورية الجديدة، وتسلّم الأخيرة للمعابر والحدود ومنابع النفط والمنشآت الحكومية.
وكانت هذه الاتفاقية هي حجر الأساس الذي بنيت عليه العلاقة بين الحكومة و”قسد” خلال الأيام الماضية، إلا أن الجانبين كان يتبادلان الاتهامات بالتنصل منه.
وفي مطلع نيسان 2025، وقعت الحكومة اتفاقًا يخص حيي الأشرفية والشيخ مقصود، اللذين كانت تسيطر عليهما “قسد” منذ أعوام، وقضى أيضًا بانسحاب الأخيرة واندماج “قوى الأمن الداخلي” (أسايش) بوزارة الداخلية إضافة إلى تبادل السجناء وضمان الوضع الاجتماعي والثقافي الخاص ضمن الحيين.
ولم يسرِ الاتفاق بوتيرة مستقيمة، بل تخللته اتهامات متبادلة أيضًا بخرقه والالتفاف عليه، وانتهى بعمل عسكري أنهى وجود “قسد” داخل الحيين، في 10 من كانون الثاني الماضي.
وخلال هذه الفترة، وقع الجانبان أيضًا اتفاقيات منفردة، مع كل تصاعد في التوترات، أبرزها وقف إطلاق النار، الذي جرى في 6 من تشرين الأول 2025، برعاية أمريكية.
ومع انتقال المواجهات إلى محافظات الشرق السوري، خرج الجانبان باتفاقيات جديدة، أبرزها ما أعلنت عنه الحكومة في 18 من كانون الثاني، والذي تضمن وضعًا خاصًا لمحافظة الحسكة والمناطق ذات الغالبية الكردية، وشدد على اندماج عناصر “قسد” ضمن الحكومة على شكل أفراد، في حين خفضت سابقًا مطالبها للدمج على شكل فرق عسكرية.
وبعد هذا الاتفاق، خرجت الحكومة بإعلان آخر، في 20 من كانون الثاني، تحدث عن مهلة لـ”قسد” انتهت في 24 من الشهر ذاته، ثم مددتها 15 يومًا إضافيًا.
وفي 30 من كانون الثاني، نشرت الحكومة و”قسد” بيانًا مشتركًا تضمن وقف إطلاق نار شاملًا بين الجانبين، إضافة إلى التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية.
