إبستين.. الصحافة الاستقصائية حين تقشّر البصلة

  • 2026/02/08
  • 1:46 م
الصحفي علي عيد
enab_get_authors_shortcode

علي عيد

في قضايا كبرى هزت العالم، مثل فضيحة تسريبات وثائق جيفري إبستين، يتضح الدور الكبير للنبش الذي تقوم به الصحافة عمومًا، والصحافة الاستقصائية خصوصًا، في مواجهة الفساد الأخلاقي والانتهاكات.

في حوادث مهمة بالتاريخ المعاصر، لعب الصحفيون دورًا بارزًا في الكشف وإطلاع الرأي العام على تفاصيل سعت مؤسسات ومنظمات لإخفائها بمختلف الطرق، كما حاولت إدارات وسائل إعلام تجاهلها تحت ضغط المعلن أو الرقيب.

من الأمثلة، قضية الكنيسة الكاثوليكية، التي كشفت عن الاعتداءات الجنسية على آلاف الأطفال من قبل القساوسة في مدينة بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما عملت عليه صحيفة “بوسطن غلوب” (Boston Globe)، عبر سلسلة تحقيقات وتقارير حملت اسم “الإساءة في الكنيسة الكاثوليكية” (Abuse in the catholic church)، لتنكشف اعتداءات أخفتها الكنيسة وتمتد لعشرات السنوات.

ولا ننسى فضيحة الرئيس الأمريكي، ريتشارد نيكسون، عام 1974، فيما عُرف باسم “Watergate scandal”، وتسريبات “واشنطن بوست” حول وثائق حرب فيتنام.

ومن سلسلة التحقيقات التي أثرت في العالم، وشكلت نقطة تحول على درب المساءلة، تسريبات “وثائق بنما” (Panama Papers)، التي كشفت عبر تحقيق صحفي تورط نحو 140 زعيمًا سياسيًا عبر العالم في تهريب أموال من بلدانهم إلى ملاذات ضريبية.

هذه المرة، عادت الصحافة لتهز الرأي العام العالمي، كاشفة عن ملفات جيفري إبستين التي صدرت في شباط 2026، مع إفراج السلطات الأمريكية عن نحو ألفي مقطع فيديو وأكثر من 180 ألف صورة، مع تأكيد السلطات أن ورود الأسماء لا يعني بالضرورة ارتكاب أي مخالفات قانونية.

الوثائق السرية، تتعلق بنشاط نخب سياسية ورجال مال وأعمال وعائلات ملكية في أوروبا ودول العالم.

يعود الفضل إلى الصحفيين المثابرين، وبينهم، بل أهمهم، جولي براون (Julie K. Brown)، التي دأبت على فتح التحقيق الإعلامي والقانوني ضد إبستين بين عامي 2018 و2019، وذلك بعد تستر القضاء والادعاء العام على المعلومات لنحو 15 عامًا.

فكرة النبش، التي غالبًا تقود إلى تقشير البصلة، وظهور طبقات بشكل عكسي، تنطبق على التحقيقات والفضائح الكبرى ومنها ملف إبستين.

وفي مواجهة الصمت أو الإسكات بطرق مختلفة، تكون الصحافة الاستقصائية حاضرة، ولها صحفيوها العنيدون، وهم يواجهون سلطة السياسة والمال عبر تسخير المحامين والتسويات المالية والاتفاقات السرية لقتل القصص، وإبقاء الضحايا والجرائم طيّ الكتمان.

تقاوم الصحافة الجادة محاولات طيّ القضايا، وتعيد التذكير والنشر، وتمنع تحولها إلى أخبار قديمة، وهذا الضغط المستمر يجبر المؤسسات على التحرك، وتقوم بتحويل القصص الفردية إلى قضية عامة، كما حصل مع شهادات عديدة في ملف إبستين.

نشرت الصحفية جولي براون (مواليد 1961) سلسلة تقارير حول هذه القضية بعنوان “انحراف العدالة” (Perversion of Justice)، عبر صحيفة “هيرالد ميامي”.

الصحفية براون غاصت وأصرت ودققت آلاف الوثائق الرسمية ومحاضر المحاكم وملفات الشرطة، ولم تكتفِ بذلك بل سعت خلف الشهود وحصلت على إفادات من حوالي 60 ضحية بينهم ثماني فتيات عرضت تجاربهن على الإعلام.

جرى فضح إبستين ومحاولاته للإفلات من العقاب مستخدمًا المال والعلاقات السياسية والثغرات القانونية، بفضل الصحافة الاستقصائية، والصحفية براون وزملاء لها، مثل فيكي وارد (VICKY WARD)، التي حاولت نشر تقرير في إحدى المجلات، يعرض شهادة اثنتين من الضحايا، ولم يجرِ النشر تحت التهديد بالقتل.

أعود للتذكير ببعض الصحفيات والصحفيين الشجعان، الذين قدموا حياتهم ثمنًا لإظهار الحقيقة مثل الأمريكية دوروثي كيلغالن التي قتلت بالسّم عام 1965، بسبب وصولها إلى معلومات مهمة في ملف اغتيال الرئيس جون كينيدي.

والروسية آنا بوليتكوفسكايا التي قُتلت في موسكو رميًا بالرصاص عام 2006، بعد إجرائها تحقيقات صحفية حول الانتهاكات الروسية في أثناء حرب الشيشان.

الصحفية دافني كاروانا غاليزيا، التي اغتيلت بتفجير سيارتها عام 2017، بسبب نشاطها في فضح فساد ومسؤولين مقربين من رئيس الوزراء في مالطا.

إن تراجع دور الاستقصاء الصحفي في الدول التي ينخرها الفساد، لا يعني تراجع أهميته، فالمسؤولية الأخلاقية تقع على الإعلام عندما يستقيل القانون، ولهذا تجري محاربة صحافة المساءلة والتضييق عليها.

ما قدمه ويقدمه هؤلاء الصحفيون، دليل على أن صحافة المساءلة قادرة على صناعة الفرق، وأنها ستبقى تجرّ الفاسدين والمجرمين الكبار من ياقاتهم إلى العدالة والمحاكم.. وللحديث بقية.

مقالات متعلقة

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي