30 ضحية من المدنيين خلال أقل من 60 يومًا، حصيلة سجلتها مدينة حمص منذ مطلع العام الحالي، في مؤشر يعكس تدهور الحالة الأمنية داخل أحياء كانت تُصنف “آمنة”.
هذا التصعيد، وأحدثه مقتل شخصين في حي كرم اللوز، مساء الجمعة 27 من شباط، يشير إلى تحول بنيوي في طبيعة الاستهدافات التي باتت تطال المدنيين، بعيدًا عن أي سياقات عسكرية أو صراعات سابقة، ما يكرس واقعًا من الخوف الدائم يلاحق السكان في منازلهم وأماكن عملهم.
أحداث قتل في قلب المدينة
سجلت مدينة حمص سلسلة من الحوادث الدامية خلال الأيام الماضية، إذ ذكرت مصادر محلية لعنب بلدي العثور على جثتي امرأتين مقتولتين داخل منزلهما في حي الزهراء بمدينة حمص.
سبقت هذه الحادثة عملية قتل أخرى، مساء الخميس 26 من شباط، استهدفت شابًا في أثناء عمله في بيع القهوة بالقرب من “دوار الساعة الجديدة” في مركز المدينة.
ووثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” مقتل السيدة إيمان جروس برصاص مسلحين مجهولين في حي “عكرمة الجديدة”، في 23 من شباط، في ظل استمرار تسجيل هذه الجرائم ضد “مجهولين”.
قاتل عابر للحواجز
الناشطة الصحفية حنين أحمد، قال لعنب بلدي إنها وثقت مقتل 14 مدنيًا في كانون الثاني الماضي، و16 ضحية في شباط، لترتفع الحصيلة الإجمالية مع التوثيقات الأخيرة إلى 30 ضحية خلال شهرين فقط، وذلك من خلال إشرافها على فريق توثيقي محلي.
وأوضحت حنين أحمد أن الأشهر الأربعة الأخيرة شهدت “جرأة غير مسبوقة في القتل”، حيث يعتمد الجناة نمطًا متشابهًا: “مسلحون على دراجات نارية يخترقون أحياءً محاطة بالحواجز الأمنية، ينفذون القتل المباشر، وينسحبون دون أثر”.
وأضافت أن الاستهداف تركز في بدايته بنسبة تصل إلى 90% على أبناء الطائفة العلوية، قبل أن يمتد ليشمل مدنيين علويين “بالمطلق”، ممن لا صلة لهم بأي صراعات سابقة أو أنشطة غير قانونية.
وتتقاطع شهادة أحمد مع تقرير حقوقي صدر مؤخرًا عن منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، وصف هذه العمليات بـ “نمط القتل المتنقل”.
وأكد التقرير أن استخدام الدراجات النارية يتيح للمنفذين سرعة الوصول والانسحاب، محذرًا من أن هذه الجرائم تحول الحياة اليومية في المنازل وأماكن العمل إلى “مجال محتملًا للموت المفاجئ”.
غياب العدالة
تذهب حنين أحمد في حديثها إلى أبعد من التوصيف الأمني، معتبرة أن هناك “استثمارًا سياسيًا في هذه الحالة لتعطيل ملفات الإعمار والعدالة الانتقالية”. وقالت: “يتم تحشيد الشارع طائفيًا لتفريغ الغضب بعيدًا عن مساءلة السلطة الحالية عن مسؤولياتها”.
هذا الرأي ينسجم مع التحليل القانوني لـ”سوريون من أجل الحقيقة”، الذي أشار إلى أن “تقاعس الدولة عن مواجهة نمط عنف يستهدف فئة مجتمعية بعينها، قد يرقى إلى انتهاك مستقل لمبدأ عدم التمييز”.
التقرير وثق حالات صارخة، منها استهداف كادر “مشفى الكندي” بحمص في كانون الثاني الماضي، والذي أسفر عن مقتل أربعة من الكوادر الطبية بدم بارد.
مواطنون في حمص تحدثوا لعنب بلدي أن استمرار هذه الحوادث أدت إلى حالة من الرعب دفعت الآلاف من الناس في بعض أحياء المدينة إلى فرض حظر تجول ذاتي يبدأ عند الخامسة مساء.
ارتقاء بالكفاءة الأمنية
عقد قائد الأمن الداخلي في محافظة حمص، العميد مرهف النعسان، اجتماعًا موسعًا في 26 من شباط، ضم مديري الأمن ورؤساء الأقسام، لاستعراض سبل الارتقاء بالكفاءة الأمنية وتحديث الخطط الميدانية.
وأكد النعسان خلال الاجتماع ضرورة تعزيز التنسيق لرفع سرعة الاستجابة للبلاغات وضمان الاستقرار الأمني، وهي التوجيهات التي تزامنت مع وقوع عمليات قتل واغتيال في قلب المدينة.
كما ذكرت “الإخبارية السورية” الرسمية أن قيادة الأمن الداخلي في حمص، ألقت القبض على المتورطين في جريمة قتل المواطن وسيم الأشقر، التي وقعت بتاريخ 13 من شباط الحالي، وفق ما أفاد به مصدر في وزارة الداخلية.
وأوضح المصدر، في 27 من شباط، أن الموقوفين اعترفوا بارتكاب الجريمة، مشيرين إلى أن الدافع وراءها كان سرقة سيارة المغدور.
وهذه من الحالات القليلة التي أعلنت قيادة الأمن الداخلي فيها عن إلقاء القبض على متورطين في جرائم القتل بحمص، مع ازدياد المطالب في ضبط الأمن في المنطقة.
توصيات حقوقية
طالب تقرير “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، السلطات بتحمل المسؤولية في هذا السياق من خلال عدة إجراءات أساسية، وهي:
- فتح تحقيقات مستقلة: يجب على السلطات فتح تحقيقات جنائية فورية ومستقلة لجميع حوادث القتل، على أن تُتخذ خطوات ملموسة لكشف الجناة وإحالتهم إلى العدالة.
- تعزيز الحماية: اتخاذ تدابير وقائية لحماية المدنيين في المناطق التي شهدت تصعيدًا في الاستهدافات، بما في ذلك المناطق ذات الغالبية العلوية.
- التعاون مع المنظمات الدولية: ضرورة تعزيز التعاون مع الأمم المتحدة والآليات الدولية المختصة لضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، والتحقق من عدم تعرُّض الضحايا إلى تمييز أو إفلات من العقاب.
- الضغط على المجتمع المدني: تعزيز جهود منظمات المجتمع المدني السورية في توثيق هذه الجرائم بشكل منهجي، وتحليل الأنماط الجغرافية والزمنية للحوادث، وتقديم الدعم النفسي والقانوني لذوي الضحايا.
