عنب بلدي – غنى جبر
يعتبر الاستثمار الرياضي في سوريا أحد الملفات الحيوية التي تجمع بين الفرص الواعدة والتحديات الكبيرة، مع الحاجة الملحة لانتشال المنشآت الرياضية من حالتها المتهالكة.
ولم يعد الاستثمار في هذا القطاع ترفًا، بل ضرورة اقتصادية يمكن أن تسهم في تنويع مصادر الدخل وخلق فرص عمل جديدة.
ويُنظر إلى الاستثمار الرياضي اليوم كقوة اقتصادية قادرة على تحويل الملاعب والمنشآت إلى مشاريع مستدامة، خصوصًا في ظل التعديلات التي طرأت على قانون الاستثمار رقم “18”، والتي شكلت نقطة تحول مهمة فتحت الباب أمام شراكات أوسع بين القطاعين العام والخاص، ومنحت المستثمرين ضمانات إضافية.
مع ذلك، تواجه الملاعب السورية سلسلة من التحديات، أبرزها الأضرار الواسعة بالبنية التحتية الرياضية، وضعف التمويل، بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على سوريا خلال سنوات الحرب، والتي شكلت عائقًا أمام تطوير واقع الرياضة، ولا سيما فيما يتعلق بملف الأموال المجمدة التي تسهم بشكل كبير في إنعاش القطاع.
“سياسة مزدوجة”
مدير مديرية استثمار الملاعب والمنشآت في وزارة الرياضة والشباب السورية، المغيرة حاج قدور، قال لعنب بلدي، إن الوزارة تعمل حاليًا وفق سياسة مزدوجة، تهدف من جهة إلى إعادة تأهيل وصيانة المنشآت القومية والإقليمية الأساسية لإعادتها إلى الخدمة الرياضية الآمنة، ومن جهة أخرى فتح قنوات تعاون مع جهات محلية وخاصة لتمويل وإدارة مرافق خدمية داخل تلك المنشآت، بما يجعلها قابلة للاستثمار الاقتصادي والمجتمعي.
حاج قدور أشار إلى أن هذه الرؤية تصطدم بقيود عديدة، أبرزها الحاجة الواسعة إلى أعمال بنية تحتية أساسية، ومحدودية الموارد الذاتية، إضافة إلى ضرورة التنسيق مع جهات متعددة مثل المحافظات والأندية والجهات المالكة، فضلًا عن المستثمرين المحليين والإقليميين.
وحول الجدول الزمني لإعادة تأهيل أو بناء ملاعب جديدة، بيّن حاج قدور أن الوزارة تعتمد عمليًا على خطط مرحلية ومشروعات تنفذ وفق تقييم حجم الأضرار والأولويات السكانية والرياضية، لافتًا إلى أن أي جدول زمني واسع النطاق يبقى مرهونًا بتأمين التمويل، والحصول على التصاريح اللازمة، وحل إشكاليات الملكية.
البنية التحتية قبل الاستثمار
فيما يتعلق بعدد الملاعب الصالحة للاستثمار حاليًا في سوريا، قال حاج قدور، إن المنشآت يمكن تصنيفها إلى ثلاث فئات:
الأولى: ملاعب جاهزة أو قابلة للاستخدام بعد صيانة محدودة.
الثانية: ملاعب تحتاج إلى إعادة تأهيل كبيرة تشمل الهياكل والمدرجات والأرضيات والبنى التحتية
الثالثة: منشآت متضررة بشدة وغير صالحة للاستخدام دون إعادة بناء شبه كاملة.
إلا أن غياب قاعدة بيانات موحدة، وفق حاج قدور، يجعل من الصعب تقديم رقم دقيق لعدد الملاعب القابلة للاستثمار حاليًا، خاصة أن بعض “الاستادات” الدولية لم تصمم أساسًا لأغراض استثمارية.
وكشفت التقارير والمسوحات الميدانية، بحسب حاج قدور، وجود مشكلات فنية في عدد كبير من الملاعب، أبرزها تلف الأرضيات، وتضرر المدرجات والساحات، وضعف أنظمة الإضاءة والكهرباء، إلى جانب سوء حالة غرف تبديل الملابس والمرافق الصحية والخدمات اللوجستية، مثل أنظمة الإطفاء والإنقاذ.
نتيجة ذلك، يتم تصنيف كثير من الملاعب بأنها تحتاج إلى أعمال بنية تحتية قبل منح أي موافقات استثمارية، إذ تضع الوزارة معايير أمان وجاهزية فنية صارمة.
وأكد حاج قدور أن الوزارة فتحت آفاقًا لمبادرات استثمارية وشراكات مع جهات محلية داخل إطار القوانين العامة للاستثمار، وهناك نماذج تجريبية على مستوى المحافظات أو الأندية للتشغيل المشترك للمرافق، لكن الموافقة المبدئية لا تعني تنفيذًا فوريًا، بل تشترط دراسات جدوى فنية ومالية، وضمانات تشغيلية وصيانة، والتزامًا بالشروط الأمنية والرياضية.
تحديات وعوائق
تتمثل أبرز التحديات في نقص التمويل المحلي والدولي، ووجود أموال مجمدة تعوق تنفيذ المشاريع الكبرى، فضلًا عن الأضرار البنيوية الواسعة التي تتطلب استثمارات مرتفعة، بالإضافة إلى صعوبات لوجستية وأمنية في بعض المحافظات، وغياب إطار قانوني وإجرائي موحد خاص بالاستثمار في المنشآت الرياضية، إذ يتم تنظيم هذا النوع من الاستثمار ضمن الإطار العام لقانون الاستثمار واللوائح التنفيذية، دون وجود قانون مستقل خاص بالملاعب حتى الآن، بحسب ما قاله حاج قدور.
وفيما يتعلق بدور الاتحاد السوري لكرة القدم، شدد حاج قدور على أن دوره فني وتنظيمي بحت، ولا يمتد إلى الجوانب الاستثمارية أو التنفيذية، حيث يقتصر على تحديد المعايير الفنية للملاعب المعتمدة للمسابقات، وتصنيف جاهزيتها، ورفع التقارير الفنية إلى الوزارة والجهات المالكة.
عودة استضافة البطولات الدولية
حول عودة استضافة المباريات الدولية على الملاعب السورية، قال حاج قدور، إن الاستثمار الخاص يمكن أن يسهم في تحسين الجاهزية الفنية والبنية التحتية، مثل تطوير الأرضيات والإنارة وغرف التبديل.
إلا أن عودة الاستضافة لا تعتمد فقط على جودة الملاعب، بل ترتبط أيضًا بقرارات الاتحادات الدولية وتقارير لجان التفتيش، ما يجعل الاستثمار عاملًا مساعدًا، لكنه غير كافٍ بمفرده لإعادة البطولات الدولية إلى سوريا.
تبدو النية الرسمية واضحة في فتح باب الاستثمار الرياضي وإعادة تأهيل المنشآت، غير أن التنفيذ الشامل يظل مرهونًا بحزمة متكاملة من الحلول، تشمل تأمين التمويل، ومعالجة الإشكاليات القانونية، وإجراء حصر ميداني دقيق لكل منشأة، ووضع جدول زمني وميزانية واضحة، إضافة إلى تقديم حوافز استثمارية حقيقية تضمن السلامة الرياضية والعائد الاقتصادي للمستثمر والمجتمع.
وبين طموحات تحويل الملاعب إلى مشاريع اقتصادية مستدامة، وواقع مالي وقانوني معقد، يبقى الاستثمار الرياضي في سوريا اختبارًا لقدرة السياسات العامة على الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ.
تأهيل البنية التحتية الرياضية وفق خطط ومناقصات علنية
في تموز 2025، أعلنت وزارة الرياضة والشباب إطلاق المرحلة الثانية من خطة إعادة تأهيل البنية التحتية الرياضية في سوريا، وذلك بعد استكمال المرحلة الأولى التي ركزت على تنظيم عقود الاستثمار.
وتأتي هذه الخطوة في ظل واقع صعب، إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن أكثر من نصف المنشآت الرياضية في البلاد تعرضت لأضرار جسيمة أو دُمّرت بالكامل منذ عام 2011، نتيجة العمليات العسكرية أو الإهمال المرتبط بالنزوح وانقطاع التمويل، ما أدى إلى تحوّل عدد كبير من الملاعب إلى مساحات مهجورة أو أنقاض، وفقدان الصالات المغلقة تجهيزاتها الأساسية.
وذكرت الوزارة أن الأعمال التنفيذية انطلقت بالفعل في إدلب وحلب وحريتان، مع ترتيب الأولويات.
كما أشارت إلى أن الوزارة أبرمت عقود التنفيذ عبر مناقصات علنية، التزامًا بالقانون الناظم للعقود العامة رقم “51” لعام 2004، مع اعتماد معايير تتعلق بالكفاءة الفنية والخبرة والقدرة المالية للشركات المتقدمة، إلى جانب إشراف لجان فنية متخصصة ورقابة مالية وإدارية من جهات رسمية مختصة، في محاولة لضبط جودة التنفيذ وتعزيز الشفافية.
