شهدت أسواق محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الفروج واللحوم الحمراء مع حلول شهر رمضان، في ظل تراجع القدرة الشرائية للأهالي واستمرار عوامل مرتبطة بالعرض والطلب وتكاليف الإنتاج، ما انعكس مباشرة على موائد الإفطار والعادات الغذائية للأسر خلال رمضان.
يأتي هذا الارتفاع بالتزامن مع زيادة الطلب الموسمية التي ترافق شهر رمضان، إذ تعتمد أغلبية الأسر على اللحوم البيضاء والحمراء كمكونات أساسية في وجبات الإفطار، الأمر الذي أدى إلى ضغط إضافي على الأسواق المحلية التي تعاني أصلًا من ضعف الاستقرار الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة.
قفزة في أسعار الفروج
سجلت أسعار الفروج في مدينة الحسكة ارتفاعًا مع بداية رمضان، إذ بلغ سعر الكيلو الواحد نحو 33 ألف ليرة سورية، بعد أن كان يتراوح قبل أسابيع بين 18 و22 ألف ليرة، وفق ما أفاد به تجار محليون تحدثوا إلى عنب بلدي.
وقال محمد العبود، أحد تجار الفروج في الحسكة، إن الأسعار شهدت ارتفاعًا سريعًا مع بداية الشهر، مشيرًا إلى أن السوق قد تشهد انخفاضًا نسبيًا خلال الأيام المقبلة في حال السماح باستيراد الفروج الحي من تركيا، وهو عامل يعتبره التجار عنصرًا أساسيًا في ضبط الأسعار.
وأضاف محمد أن قلة المعروض في الأسواق المحلية وارتفاع تكاليف التربية والنقل أسهمت في زيادة الأسعار، خاصة مع ارتفاع أسعار الأعلاف والمحروقات، ما انعكس على سعر البيع النهائي للمستهلك. ولفت إلى أن بعض المربين خفّضوا كميات الإنتاج خلال الأشهر الماضية نتيجة الخسائر، ما قلّص الكميات المتاحة مع دخول شهر يرتفع فيه الاستهلاك بشكل ملحوظ.
وبحسب جولة في الأسواق، بلغ سعر كيلو الفروج الحي في الحسكة نحو 32 ألف ليرة سورية، بينما سجل في مدينتي الدرباسية وعامودا قرابة 30 ألف ليرة، في حين وصل السعر في القامشلي إلى نحو 33 ألف ليرة، ما يظهر تقاربًا عامًا في الأسعار بين مدن المحافظة مع فروقات بسيطة مرتبطة بتكاليف النقل وتوفر الكميات.
ويرى تجار أن الطلب المرتفع خلال الأيام الأولى من رمضان يؤدي عادة إلى قفزات سعرية مؤقتة، قبل أن تعود الأسعار إلى الاستقرار النسبي لاحقًا، لكن ذلك يبقى مرهونًا بحجم التوريد واستقرار حركة الأسواق، فضلًا عن القرارات المتعلقة بالاستيراد وضبط الحدود التجارية.
“الحمراء” تسجل مستويات قياسية
بالتوازي مع ارتفاع أسعار الفروج، شهدت اللحوم الحمراء ارتفاعًا أكبر، إذ وصل سعر كيلو لحم الضأن (دون عظم) إلى نحو 130 ألف ليرة سورية، مقارنة بسعر تراوح قبل رمضان بين 90 و95 ألف ليرة.
وقال تاجر المواشي جمعة العساف، لعنب بلدي، إن أحد أبرز أسباب ارتفاع الأسعار هو تصدير المواشي إلى إقليم كردستان العراق، ما أدى إلى تراجع أعداد الثروة الحيوانية المعروضة في السوق المحلية.
وأضاف التاجر أن التصدير أصبح أكثر جدوى للتجار والمربين بسبب فارق الأسعار، الأمر الذي انعكس مباشرة على توفر اللحوم داخل المحافظة، ودفع الأسعار إلى الارتفاع مع زيادة الطلب الرمضاني، إضافة إلى أن بعض المربين يفضلون البيع خارج المحافظة أو عبر وسطاء يصدّرون المواشي، ما يخلق فجوة بين العرض المحلي وحاجة السوق الداخلية.
وأشار إلى أن دورة تربية المواشي تحتاج إلى أشهر طويلة لتعويض أي نقص في أعداد القطيع، ما يعني أن الأسعار قد تبقى مرتفعة خلال الفترة المقبلة ما لم تُتخذ إجراءات للحد من خروج المواشي أو دعم المربين محليًا، سواء عبر توفير الأعلاف بأسعار مناسبة أو تخفيف تكاليف النقل.
تراجع الإقبال على الشراء
من جهته، قال القصاب خلف المحمد، إن الإقبال على شراء اللحوم الحمراء تراجع بشكل واضح منذ بداية رمضان، رغم أن الشهر عادة يشهد زيادة في الطلب مقارنة ببقية أشهر السنة.
وأشار خلف إلى أن معظم الزبائن باتوا يشترون كميات صغيرة جدًا، أو يستغنون عن اللحوم بشكل كامل، لافتًا إلى أن بعض العائلات أصبحت تكتفي بشراء اللحم مرة واحدة كل عشرة أيام بدلًا من عدة مرات كما كان الحال في السنوات السابقة.
وأضاف أن ارتفاع الأسعار لم يؤثر فقط على المستهلكين، بل على أصحاب المهن المرتبطة باللحوم أيضًا، إذ تراجعت حركة البيع بشكل ملحوظ، ما انعكس على أرباح القصابين واستمرارية عملهم، في ظل ارتفاع تكاليف الإيجارات والكهرباء والنقل.
ويرى أن استمرار الأسعار عند هذه المستويات قد يدفع بعض القصابين إلى تقليص نشاطهم أو إغلاق محالهم مؤقتًا، في حال لم تتحسن حركة البيع خلال الأسابيع المقبلة.
تغيّر في عادات الإفطار
انعكس الغلاء مباشرة على نمط الغذاء لدى الأسر في الحسكة، إذ اضطرت العديد من العائلات إلى تعديل قوائم الطعام الرمضانية بما يتناسب مع دخلها المحدود.
وقالت سميرة العلو، وهي من سكان مدينة الحسكة، إن ارتفاع أسعار اللحوم أجبرها على تغيير عادات الإفطار لعائلتها المكونة من سبعة أفراد، موضحة أنها تعتمد حاليًا على إعداد أطباق الخضراوات المطبوخة أو المقلية، إضافة إلى أطباق تعتمد على العدس أو البرغل، بدلًا من الوجبات التي تحتوي على اللحوم بشكل يومي.
وأضافت أن أسرتها باتت تكتفي بتناول وجبة تحتوي على اللحم مرة واحدة أسبوعيًا فقط، بينما كان اللحم حاضرًا بشكل شبه يومي على مائدة الإفطار خلال رمضان الماضي. وأشارت إلى أن المصاريف الأخرى، مثل الخبز والزيت والسكر، شهدت أيضًا ارتفاعًا بأسعارها، ما يجعل من الصعب تخصيص جزء كبير من الميزانية لشراء اللحوم.
وتعكس تجربة سميرة واقع شريحة واسعة من الأسر ذات الدخل المحدود، التي باتت تعيد ترتيب أولوياتها الغذائية، مع التركيز على تأمين احتياجات أساسية تضمن الحد الأدنى من التنوع الغذائي دون تجاوز قدرتها المالية.
عوامل اقتصادية وضغوط معيشية
يربط المراقب الاقتصادي جمال السلمان ارتفاع أسعار اللحوم في الحسكة بعدة عوامل متداخلة، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي والحيواني، وتقلبات سعر الصرف، إضافة إلى تكاليف النقل بين المناطق، وتأثر سلاسل الإمداد بالتطورات العسكرية والإدارية التي شهدتها مناطق شمال شرقي سوريا خلال الأسابيع الأخيرة.
كما أن ارتفاع أسعار الأعلاف يزيد من أعباء المربين، الذين يعكسون بدورهم هذه التكاليف على سعر البيع النهائي. ويؤكد تجار أن أي تغير في سعر المحروقات ينعكس بشكل مباشر على أسعار اللحوم، سواء البيضاء أو الحمراء، نظرًا لاعتماد عمليات النقل والتبريد عليها بشكل أساسي.
وتلعب القدرة الشرائية المتراجعة، وفق السلمان، دورًا رئيسًا في تعقيد المشهد، فمع انخفاض الدخول وثبات الرواتب عند مستويات متدنية، تصبح أي زيادة سعرية عبئًا إضافيًا على الأسر، حتى لو كانت مرتبطة بعوامل موسمية.
ويشير بعض التجار إلى أن غياب تسعيرة موحدة ملزمة أو رقابة فعالة على الأسواق يترك الأسعار خاضعة لآلية العرض والطلب بشكل شبه كامل، ما يزيد من تقلباتها خلال المواسم المرتبطة بالاستهلاك المرتفع مثل شهر رمضان.
وبين توقعات بانخفاض محدود في أسعار الفروج واستمرار ارتفاع اللحوم الحمراء عند مستويات مرتفعة، يبقى المستهلك الحلقة الأضعف في معادلة السوق، إذ يجد نفسه مضطرًا للتكيف مع واقع اقتصادي يفرض إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الغذائي خلال شهر يُفترض أن يكون موسمًا للوفرة الاجتماعية والغذائية، لكنه بات بالنسبة لكثيرين اختبارًا إضافيًا لقدرتهم على الصمود في وجه الغلاء.
