عقدت وزارة السياحة السوري اجتماعًا تشاوريًا موسعًا مع عدد من أصحاب المنشآت السياحية، لمناقشة الأطر التنظيمية لاعتماد عدد من المنشآت كشركاء استراتيجيين ضمن نموذج قانوني طوعي.
وبحث الاجتماع، الذي حضرته عنب بلدي في 4 من آذار، آلية اعتماد الأسعار بصورة تشاركية تستند الى أسس اقتصادية واضحة، تشمل تحليل الكلفة، وهامش الربح العادل، والتصنيف السياحي، ومؤشرات القدرة الشرائية، بما يحقق توازنًا بين حرية السوق وحماية المستهلك، بحسب البيان
وأعلن وزير السياحة السوري، مازن الصالحاني، خلال كلمته الافتتاحية، عن بدء جولة من الاجتماعات مع ممثلي القطاع السياحي.
وذلك بهدف وضع خطوط عريضة، تستهدف الارتقاء بالخدمات السياحية استعدادًا لموسم الأعياد والموسم الصيفي المرتقب.
وأوضح الوزير أن الحرب تسببت في تأخر ملموس في جودة الخدمات السياحية وتطوير البنية التحتية.
ولم يواكب القطاع التطور العالمي بسبب عوامل عدة، أبرزها نقص المنتجات العالمية في السوق السوري، وفقًا للوزير، وهو ما يسعى البرنامج الحالي لتجاوزه من خلال رفع سوية السوق المحلي.
كما كشف الصالحاني عن بيانات تعكس تعافي الحركة السياحية، حيث شهد الموسم الماضي دخول نحو أربعة ملايين زائر مغترب، ومليون ونصف المليون زائر من العرب والأجانب.
وأشار إلى أن سقف توقعات المغتربين والزوار القادمين من الخارج مرتفع جدًا، ما يضع الوزارة أمام مسؤولية تحسين جودة الخدمات من حيث النوعية والجودة والسعر.
وبيّن أن الأسعار في الموسم الماضي كانت مرتفعة ولا تتناسب مع دول الجوار، بسبب زيادة الطلب.
ضبط الأسعار ومعايير الجودة
رئيس اتحاد غرف السياحة السورية، مرهف نزهة، قال لعنب بلدي إن الأجندة المطروحة تركزت على وضع آليات دقيقة لتسعير الخدمات في المطاعم والفنادق والجولات السياحية، مشيرًا إلى وجود مقترحات تتراوح بين تحرير الأسعار أو تقييدها لضمان التوازن.
وفيما يخص المعايير المطلوبة للمنشآت السياحية لتكون شريكًا استراتيجيًا للوزارة، أوضح نزهة، أن على المنشأة أن تكون نموذجية في التزامها بالأنظمة والقوانين، وسداد الضرائب، وتقديم خدمة تليق بالعميل والضيف، مع الالتزام بالمعايير الصحية والمهنية في المطاعم والفنادق.
وأشار إلى أن الهدف ليس خفض الأسعار، وهو ما يؤدي لتدني الجودة، بل تقديم خدمة مناسبة بسعر عادل.
كما أوضح أن المبالغة في رخص الأسعار قد تنعكس سلبًا على سلامة الغذاء ومستوى الخدمة المقدمة للمواطن.
وبصفته مستثمرًا سياحيًا لفندقي “رويال سميراميس” و”جولدن المزة” و”مطعم سلطان الشرق”، أشار نزهة، إلى أن المنشآت من فئة الخمس نجوم تتمتع بمرونة في التسعير وفق الأنظمة، لكن التحدي الأكبر يكمن في الظروف السياسية والاقتصادية الراهنة التي تمر بها المنطقة.
دعوة إلى شراكة حقيقية وتحرير للأسعار
في إطار متابعة آراء أصحاب المنشآت السياحية حول واقع القطاع وتحدياته، تحدث صاحب منشأة “ضوء القمر” السياحية والدكتور في الاقتصاد، ماهر القلعي، لعنب بلدي عن ضرورة إعادة النظر في المنظومة التشريعية والإجرائية التي تحكم العمل السياحي، بما يتماشى مع الواقع الراهن.
وأشار القلعي إلى عراقة منشأته التي يتجاوز عمرها 70 عامًا، موضحًا أنها توقفت عن العمل منذ عام 2012 نتيجة تداعيات الأحداث، بالإضافة إلى معوقات لوجستية.
وحول أبرز متطلبات المرحلة المقبلة، شدد القلعي على ضرورة تقليص التعقيدات الإدارية: وتطوير الأنظمة والقوانين لتكون أكثر مرونة، وبناء شراكة حقيقية بين الجهات الحكومية والفعاليات الاقتصادية، وتحسين البنية التحتية.
وأضاف القلعي أن السياحة هي بيع خدمة تعتمد على الانطباع الأول للسائح، وهو ما يتطلب معالجة التشوهات البصرية والسمعية، وتأمين الخدمات الأساسية.
وفيما يخص الملف الشائك للأسعار، طرح القلعي رؤية اقتصادية ترتكز على تحرير الأسعار لخلق تنافسية بين المنشآت، شريطة أن تلتزم كل منشأة بالإعلان الواضح عن أسعار خدماتها.
بالإضافة إلى تحقيق هوامش ربح مرنة نظرًا لتقلب أسعار المواد الأولية والتكاليف التشغيلية، وفقًا للقلعي.
كما دعا إلى اعتماد تسعيرة مستقرة لفترات زمنية تتراوح بين ستة أشهر إلى سنة تقريبًا تتضمن هامشًا قادرًا على امتصاص التغيرات الاقتصادية، مؤكدًا أن المنشأة السياحية لا يمكنها تغيير أسعارها بشكل يومي.
تتأثر نسبة الإشغال في المنشآت السياحية بشكل مباشر بالموسمية صيفًا وشتاء، وبالظروف السياسية والاقتصادية المحيطة، مما يستوجب سياسات دعم تراعي هذه الفروقات، بحسب القلعي.
اجتماع تشاوري بين وزارة السياحة السورية والمنشآت السياحية – 4 من آذار 2026 (عنب بلدي/ أحمد المسلماني)
مذكرة تفاهم
وأعلنت وزارة السياحة خلال الاجتماع عن مذكرة تفاهم تعتبر وثيقة تعاقدية بين الوزارة والمنشآت السياحية.
والتي تهدف إلى وضع إطار واضح للشراكة وتحديد الالتزامات المتبادلة لضمان نجاح آلية التسعير والمبادرات السياحية.
التزامات الوزارة ضمن تقديم الدعم الترويجي والإعلامي للمنشآت، توفير التسهيلات الإدارية والاستشارية، توفير فرص التدريب والتطوير المستمر.
في المقابل، تلتزم المنشآت بآلية التسعير المعتمدة من الوزارة، تقديم الخدمات عالية الجودة، المشاركة الفاعلة في المبادرات السياحية، وتقديم تقارير دولية حول البيانات التشغيلية والتسعيرية.
كما سيتم توقيع مذكرة التفاهم لمدة سنة قابلة للتجديد، وتشكيل لجان مشتركة، وإجراء مراجعة نصف سنوية، وعقد اجتماعات دورية، لضمان فعالية آلية التسعير ونجاح المبادرات، بحسب وزارة السياحة السورية.
رؤية استثمارية
وفي تصريح لعنب بلدي، أوضح المستثمر السياحي، مجيد نزهة، المستثمر الشريك في فندقي “جولدن المزن” و”رويا سميراميس”، مع مستثمرين آخرين، أن القطاع السياحي في سوريا يمر بمرحلة دقيقة تتطلب تجاوز تحديات ما بعد التعافي للوصول إلى سياحة حقيقية ومستدامة.
وأشار نزهة إلى أن العائق الأكبر أمام استقطاب السياح حاليًا يكمن في ضعف البنية التحتية وأزمات النقل، إضافة إلى محدودية جاهزية مطار دمشق الدولي.
الزائر الحالي لسوريا غالبًا ما يكون مضطرًا سواء مغترب أو مستثمر، بينما لم تبدأ السياحة الحقيقية، بانتظار استكمال التحسينات اللوجستية والأمنية في المنطقة، بحسب رأي المستثمر.
وفي قراءته لواقع الأسعار، طرح نزهة رؤية تقوم على مبادئ الاقتصاد الحر، داعيًا إلى عدم التخوف من الأسعار المرتفعة في المراحل الأولى، وبرر ذلك بهدف جذب الاستثمار، وتطوير الكوادر وتحفيز المنافسة.
وقال إن مطلبه الأساسي هو أن السعر يحدده السوق، مع تركيز دور الرقابة على منع الغش وضمان الشفافية.
وحول المذكرة الجديدة المطروحة، قال إنها مريحة ومشجعة، مؤكدًا أن الهدف ليس تحقيق ربح سريع، بل بناء رؤية طويلة الأمد تضمن عودة السائح إلى سوريا لمرات متكررة، مما يجعلها الوجهة المفضلة في المنطقة.
إنهاء التسعير المركزي
أكد السيد نائب رئيس غرفة سياحة دمشق ورئيس شعبة الفنادق، ممدوح حاقبيق، لعنب بلدي أن المرحلة المقبلة ستشهد نقلة نوعية، مشيرًا إلى أن التوجه الحالي يركز على إنهاء التسعير المركزي، بما يضمن الارتقاء بمستوى الجودة.
أوضح حاقبيق أن الآلية القديمة التي كانت تعتمد على المركزية في تحديد الأسعار لم تعد تلبي متطلبات القطاع السياحي الحديث، كما أنها كانت تقف عائقًا أمام تحقيق معايير الجودة المطلوبة..
وحول الشراكة مع وزارة السياحة، شدد حاقبيق على أن المنشآت السياحية تعد شريكًا استراتيجيًا للوزارة في كافة المجالات، مشيرًا إلى أن التركيز الحالي ينصب على معيارين أساسيين:
المعايير الخدمية: وتتمثل في نوعية الخدمات المقدمة وتأهيل الكوادر البشرية لضمان استقبال لائق وتقديم خدمات احترافية للزوار.
المعايير الفنية: وتتعلق بتجهيزات المنشأة، من غرف ومرافق، وتحديثها بما يتوافق مع التصنيفات العالمية.
وكشف نائب رئيس الغرفة عن وجود تعاون وثيق مع وزارة السياحة لتقديم تسهيلات ملموسة للفنادق المتعثرة أو المهملة، وذلك من خلال دعم عمليات التحسين والتطوير بالتعاون مع بعض البنوك المحلية.
إعادة النظر في آليات التسعير للعلامات العالمية
أشار المدير الإقليمي لشركة “ديب إن ديب” في سوريا، ياسر شهبندر، لعنب بلدي على ضرورة إعادة النظر في آليات تسعير المنتجات الخاصة بالمنشآت التي تعمل وفق نظام العلامات التجارية الدولية.
وأوضح شهبندر أن المنشآت ذات الطابع العالمي تواجه أعباء مالية إضافية لا تقع على عاتق المنتجين المحليين.
وقال شهبندر إنهم شركة عالمية تلتزم بمعايير جودة محددة، مع استيراد المواد كالشوكولا من بلجيكا، وهذا الأمر يترتب عليه دفع رسوم إضافية وتكاليف تشغيلية.
وفي إطار البحث عن حلول عادلة، اقترح شهبندر اعتماد نظام تصنيف جديد للمنشآت، يتضمن تصنيف خاص للوكالات العالمية، تُمنح هوامش سعرية مختلفة تراعي رسوم الوكالة، تكاليف الاستيراد، والمعايير الدولية التي تلتزم بها.
دعم المنشآت المتضررة
وفي ختام الاجتماع التشاوري، قال وزير السياحة السوري مازن الصالحاني، إن الهدف الأساسي هو معالجة التفاوت الملحوظ بين الأسعار ونوعية الخدمات المقدمة في السوق حاليًا.
وأوضح أن الوزارة فضلت اعتماد مبدأ التشاركية مع أصحاب المنشآت بدلًا من فرض قرارات فوقية، وذلك للوصول إلى أسعار تنافسية تساعد على استقطاب السياح وتحقيق سياحة مستدامة في سوريا.
وكشف الوزير عن بنود مذكرة تفاهم جديدة والتي تركز على محاور حيوية، أبرزها تقديم دعم للمنشآت التي تعرضت للتدمير أو التضرر خلال سنوات الحرب.
بالإضافة إلى مساعدة أصحاب المنشآت غير القادرين على التمويل الكامل عبر نظام الافتتاح الجزئي، والتنسيق لتأمين تمويلات من جهات محددة واستقطاب مستثمرين لدعم أصحاب المنشآت الخاصة في تطوير أعمالهم.
وأكد المتحدث أن الجهود منصبة حاليًا لتكون تجربة “ضيوف سوريا” استثنائية، خاصة مع اقتراب فترة الأعياد وموسم الصيف المقبل.
وحول طبيعة العلاقة مع القطاع الخاص، شدد الوزير على أن الوزارة لا تسعى لدمج المنشآت الخاصة مع القطاعات الحكومية، بل تتبنى دور الداعم والمسهل.
وأشار إلى أن القطاع الخاص يتسم بالمرونة والسرعة، ودور الوزارة هو إصدار القوانين والتشريعات التي تحمي المستثمر وتضمن حقوق المستهلك، مع التركيز على بناء تفاهم متبادل عبر الحوارات المستمرة والندوات التشاركية.
وحدد وزير السياحة المرتكزات الأساسية التي تبنى عليها العلاقة بين الوزارة والقطاع الخاص، موضحًا أن الشراكة الاستراتيجية تتم عن طريق التفاهم المتبادل والتشاركية بين الجهتين.
وكشف الوزير عن التحضير لسلسلة من الاجتماعات المقبلة، لاستكمال وضع المعايير بما يضمن الارتقاء بمستوى المهنة وتطوير المنتج السياحي السوري.
السياحة تنتعش في سوريا
ارتفعت أعداد السياح العرب والأجانب القادمين إلى سوريا، منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 وحتى نهاية تشرين الثاني 2025 بنسبة 80%، مقارنة بالفترة نفسها من 2024.
إجمالي الزوار والسياح من سوريين وعرب وأجانب ارتفع بنسبة 18% في 2025، مقارنة مع عام 2024، ليبلغ 3.56 مليون سائح.
وكشفت بيانات وزارة السياحة، أن نسبة العمالة المحلية في العقود الاستثمارية الجديدة لتطوير وتأهيل عشرات الفنادق والمنتجعات السياحية في مختلف المحافظات بلغت 70%، بينما وصلت أرباح الفنادق المملوكة لوزارة السياحة بنسبة 170%.
وبحسب الوزارة، توجد 1468 منشأة سياحية جاهزة لإعادة الإحياء، تتضمن 403 منشأة متنوعة و1103 مطاعم و365 فندقًا.
