بعثة “النقد الدولي”: خطوة لدمج سوريا بالنظام المالي العالمي

  • 2026/03/08
  • 1:06 م
وزير المالية السوري محمد برنية يلتقي بعثة صندوق النقد الدولي في دمشق برئاسة رون فان رودن - 17 شباط 2026 (وزارة المالية/تلجرام)

وزير المالية السوري محمد برنية يلتقي بعثة صندوق النقد الدولي في دمشق برئاسة رون فان رودن - 17 شباط 2026 (وزارة المالية/تلجرام)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – وسيم العدوي

أظهر البيان الأخير الصادر عن صندوق النقد الدولي، بشأن حالة الاقتصاد السوري ومدى امتثال المؤسسات المالية السورية لنصائح وتوجيهات الصندوق، جملة من المؤشرات المهمة، خلصت بمجملها إلى تسارع وتيرة نمو الاقتصاد السوري، وتسجيل فائض بسيط في إيرادات عام 2025.

ويواصل الاقتصاد السوري تعافيه، بحسب بيان الصندوق الدولي، وقد ازداد النشاط الاقتصادي بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة، مدعومًا بتحسن شعور المستهلكين والمستثمرين.

وتبدّت هذه المؤشرات في زيارة قامت بها بعثة الصندوق إلى دمشق في الفترة الواقعة بين 15 و19 من شباط الماضي، ضمن برنامج الدعم الفني الهادف إلى تقييم الاقتصاد السوري، وإعادة بناء المؤسسات النقدية والمالية، وتحسين قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد بعد أكثر من 14 عامًا من الانهيار الاقتصادي والعزلة المالية.

الصندوق أكد ان هذه الزيارة مثلت خطوة أساسية لإعادة دمج سوريا تدريجيًا في النظام المالي العالمي، وتمهيد الطريق لاستئناف مشاورات المادة الرابعة من ميثاق صندوق النقد الدولي، وهي العملية التي يتم من خلالها تقييم اقتصادات الدول وتحديد قدرتها على تحقيق الاستقرار المالي والنقدي، وإعادة بناء الثقة بالمالية والمؤسسات الاقتصادية.

الناتج المحلي في سنوات الحرب: تسعة مليارات دولار فقط

بشأن أهمية وأبعاد هذه الزيارة، قال الدكتور الأكاديمي والخبير المختص بالقضايا الاقتصادية والمالية محمود عبد الكريم، لعنب بلدي، “يجب أولًا فهم حجم الانهيار الذي تعرض له الاقتصاد السوري قبل عام 2011، حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي حوالي 67 مليار دولار، لكنه انخفض إلى أقل من تسعة إلى 12 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة، أي أن الاقتصاد فقد أكثر من 80% من حجمه الحقيقي”، وليس فقط 50% كما تناقلت بعض التقارير الاقتصادية الدولية.

ويُعرف الناتج المحلي الإجمالي بأنه القيمة الإجمالية لكل السلع والخدمات المنتجة في الدولة خلال سنة واحدة، وهو المؤشر الأساسي الذي يقيس قوة الاقتصاد.

وأشار عبد الكريم إلى أن هذا الانخفاض يعكس تراجع الإنتاج، وانخفاض الدخل لأغلبية السوريين، وفقدان ملايين الوظائف، وانكماش النشاط الاقتصادي السوري بشكل واسع، خلال سنوات الحرب في سوريا.

مؤشرات إيجابية رغم الانكماش في سنوات الحرب

البنك الدولي (المؤسسة الشقيقة لصندوق النقد الدولي) كشف ضمن تقرير أصدره في تموز 2025، تحت عنوان “تقييم الاقتصاد الكلي والمالية العامة في سوريا”، أن إجمالي الناتج المحلي في سوريا انكمش بشكل تراكمي بأكثر من 50% منذ عام 2010، وانخفض نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي إلى 830 دولارًا أمريكيًا فقط في عام 2024، أي أقل بكثير من الحد الدولي للبلدان منخفضة الدخل.

يلحظ البيان الصادر عن صندوق النقد الدولي أن النشاط الاقتصادي في سوريا بدأ يتسارع تدريجيًا خلال عامي 2025 و2026 نتيجة عدة عوامل، منها:

  • تحسن إنتاج الكهرباء.
  • عودة بعض اللاجئين.
  • زيادة الإنتاج الزراعي نتيجة تحسن الظروف المناخية.
  • بدء تنفيذ مشاريع استثمارية جديدة.

ويرى الأكاديمي عبد الكريم، أن زيادة إنتاج الكهرباء تحديدًا لها تأثير مباشر، لأن الكهرباء هي أساس تشغيل المصانع، فعندما يرتفع مؤشر الطاقة المولدة تستطيع المنشآت الصناعية وحتى التسويقية العمل لساعات أطول، مما يزيد الإنتاج ويخلق وظائف جديدة ويزيد الدخل، وهو ما يؤدي إلى تحريك عجلة الاقتصاد تدريجيًا.

وقبل أزمة الكهرباء الأخيرة (بعد اختناق إمدادات الطاقة مؤخرًا)، وصل عدد ساعات الوصل ثماني ساعات يوميًا في معظم المحافظات، وبلغت التغذية في بعض المناطق نحو 16 ساعة يوميًا، ووصلت إلى 20 ساعة في بعض الأحياء بمدينة حلب، بعد أن كان القطع يصل في أغلبية الأوقات لأكثر من 20 ساعة يوميًا في سنوات الحرب السورية.

فائض بالموازنة العامة للدولة

أحد أهم المؤشرات التي كشفها بيان صندوق النقد الدولي هو أن الموازنة العامة سجلت فائضًا ماليًا بسيطًا في عام 2025.

ويعني الفائض المالي، وفقًا للخبير الاقتصادي السوري، أن إيرادات الدولة السورية أصبحت أعلى من نفقاتها، وهو تطور مهم لأن الدولة لم تعد بحاجة إلى تمويل العجز عبر طباعة النقود.

وخلال السنوات السابقة، كان تمويل العجز في الموازنة العامة للدولة من قبل وزارة المالية السورية عبر مصرف سوريا المركزي، وهو ما أدى إلى زيادة كمية النقود في الاقتصاد دون زيادة الإنتاج، مما تسبب في ارتفاع التضخم وانخفاض قيمة العملة السورية.

وتشير التقديرات، بحسب عبد الكريم، إلى أن حجم الموازنة العامة في سوريا للسنة المالية 2026، يبلغ حوالي 12 مليار دولار، مع توقع فائض يقارب 500 مليون دولار، مبينًا أن هذا التحول يمثل انتقالًا مهمًا من “مرحلة العجز المزمن إلى مرحلة الاستقرار المالي”.

معدلات التضخم وسعر الصرف في سوريا

هذا التحسن في المالية العامة انعكس مباشرة على التضخم (معدل ارتفاع الأسعار) في سوريا.

وقال الخبير الاقتصادي، إن التضخم تجاوز خلال الأزمة 100% سنويًا في بعض الفترات، أي أن الأسعار كانت تتضاعف خلال سنة واحدة.

لكن الصندوق الدولي يؤكد أن التضخم بات في مستوى منخفض من خانتين بنهاية 2025، أي حوالي 10 إلى 20%، ويوضح عبد الكريم، “هذا يعني أن الأسعار لا تزال ترتفع، ولكن بوتيرة أبطأ بكثير من السابق، وانخفاض التضخم يعتبر شرطًا أساسيًا لاستقرار الاقتصاد، لأنه يحافظ على القوة الشرائية للعملة ويزيد الثقة بها”.

كما أشار بيان الصندوق إلى تحسن سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي مقارنة بعام 2024.

وفي عام 2010، كان الدولار يساوي حوالي 47 ليرة سورية، وخلال الحرب، تجاوز سعر الدولار 15,000 ليرة سورية، أي أن الليرة فقدت أكثر من 99% من قيمتها.

وقال الأستاذ في الاقتصاد، إن “تحسن سعر الصرف يعني أن الطلب على الدولار انخفض أو أن تدفق الدولار إلى الاقتصاد ازداد. استقرار سعر الصرف يساعد على استقرار الأسعار، لأن الاقتصاد يعتمد بشكل كبير على استيراد الوقود والمواد الغذائية والمواد الأساسية بالدولار”.

وأشار الصندوق إلى أن العملة الجديدة يتم إدخالها تدريجيًا.

وأضاف عبد الكريم، “إدخال عملة جديدة يساعد على تحسين الثقة بالنظام النقدي، ويجعل التعاملات المالية أسهل وأكثر استقرارًا، خاصة بعد سنوات من التضخم المرتفع، لكنه ليس حلًا بحد ذاته، بل جزء من عملية إصلاح أوسع تشمل ضبط التضخم، وتحسين السياسة النقدية، وزيادة الإنتاج.

المركزي والمصارف في سوريا

من النقاط المهمة التي كشفها صندوق النقد الدولي في بيانه أيضًا، ضرورة إعادة تأهيل النظام المصرفي في سوريا.

وتلعب البنوك، وفقًا للخبير السوري، دورًا أساسيًا في الاقتصاد عبر نقل الأموال من المدخرين إلى المستثمرين، وعندما يضع المواطن أمواله في البنك، يستخدمها البنك لتمويل مشاريع جديدة، وهذه المشاريع تخلق وظائف وتزيد الإنتاج، لكن ضعف النظام المصرفي خلال الأزمة أدى إلى انخفاض الثقة بالبنوك، ولذلك فإن إعادة هيكلة البنوك تعتبر خطوة ضرورية لإعادة تشغيل الاقتصاد.

كما أكد الصندوق أهمية تعزيز استقلالية البنك المركزي وتحسين إدارة الدَّين العام، وزيادة الإنفاق على الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية، وأشار عبد الكريم إلى أن استقلالية البنك المركزي تعني أن يتخذ قراراته بهدف استقرار الأسعار، وليس بهدف تمويل الحكومة، وعندما يكون المركزي مستقلًا، فإنه يستطيع السيطرة على التضخم والحفاظ على استقرار العملة بشكل أفضل.

ويمثل الدَّين العام “الأموال التي تقترضها الدولة”، بحسب عبد الكريم، إذ إن قدرة الدولة على الحصول على تمويل خارجي في المستقبل تعتمد على قدرتها على إدارة ديونها بشكل صحيح، والدول التي تتمتع بإدارة جيدة للديون تستطيع جذب الاستثمارات والحصول على قروض بشروط أفضل.

كما أشار التقرير إلى أهمية زيادة الإنفاق على الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية، وأكد عبد الكريم أن هذه الاستثمارات تساعد على تحسين مستوى المعيشة، وتزيد الإنتاج، وتساعد الاقتصاد على النمو على المدى الطويل.

وتشير التقديرات الدولية إلى أن تكلفة إعادة إعمار الاقتصاد السوري تتجاوز 216 مليار دولار، وهو رقم ضخم يعكس حجم الدمار الاقتصادي الذي حدث خلال السنوات الماضية، وتتطلب إعادة بناء هذا الاقتصاد استثمارات كبيرة، واستقرارًا ماليًا ونقديًا، وإصلاحات مستمرة.

ماذا تعني أرقام صندوق النقد الدولي فعليًا

الأرقام الواردة في بيان صندوق النقد الدولي تشير، بحسب عبد الكريم، إلى تحول مهم في الاقتصاد السوري. تحقيق فائض مالي، وانخفاض التضخم إلى حوالي 10-20%، وتحسن سعر الصرف، وزيادة النشاط الاقتصادي، كلها مؤشرات إيجابية تشير إلى بداية مرحلة استقرار اقتصادي بعد سنوات طويلة من الانهيار.

لكن في نفس الوقت، الاقتصاد السوري لا يزال أقل بكثير مما كان عليه قبل الأزمة، والناتج المحلي الإجمالي لا يزال أقل من 20% من مستواه السابق، وتكلفة إعادة الإعمار ضخمة، ومستوى المعيشة لا يزال منخفضًا.

ويختتم الدكتور عبد الكريم، بأن الاقتصاد السوري انتقل من مرحلة الانهيار إلى مرحلة الاستقرار الأولي، وهذا التحسن يمثل بداية مهمة، لكنه لا يزال في مراحله الأولى، واستمرار التعافي يعتمد على استمرار الإصلاحات، وزيادة الإنتاج، واستعادة الثقة بالنظام المالي، لأن الإنتاج الحقيقي هو العامل الأساسي الذي يحدد قوة العملة ومستوى معيشة المواطن على المدى الطويل.

مقالات متعلقة

  1. إشارات مزدوجة في علاقة سوريا بصندوق النقد الدولي
  2. صندوق النقد: بوادر تعافٍ بالاقتصاد السوري.. برنامج للإصلاح المالي
  3. "النقد الدولي": نمو اقتصاد سوريا قد يتجاوز 10% في 2026
  4. وزير المالية لعنب بلدي: سوريا مؤهلة لمنح بمليار دولار سنويًا

أخبار وتقارير اقتصادية

المزيد من أخبار وتقارير اقتصادية