تشهد دوائر ومؤسسات الدولة في مدينة اللاذقية منذ سقوط النظام سلسلة من قرارات الفصل والإقصاء التي طالت موظفين في قطاعات مختلفة، في ظل حالة من الجدل والقلق بين العاملين في القطاع العام حول معايير هذه القرارات وأسبابها.
ومع تزايد هذه الإجراءات خلال الأشهر الماضية، باتت قضية الفصل من العمل إحدى أبرز القضايا التي تشغل الموظفين في المؤسسات الحكومية، خصوصًا في القطاعات الخدمية الحساسة، مثل قطاع الصحة.
وحصلت عنب بلدي على بيان صادر عن مديرية الصحة في اللاذقية، نشر في 4 من آذار، يتضمن قرارًا بفصل 113 طبيبًا من كوادر المديرية، موزعين على اختصاصات ومجالات طبية مختلفة ضمن القطاع الصحي في المحافظة.
وبحسب البيان الذي اطلعت عليه عنب بلدي، شمل قرار الفصل أطباء يعملون في مستشفيات ومراكز صحية تابعة لمديرية الصحة، ما يثير تساؤلات حول انعكاسات القرار على واقع الخدمات الصحية في محافظة تعاني أصلًا من نقص في الكوادر الطبية نتيجة سنوات الحرب والهجرة الواسعة للأطباء والعاملين في المجال الصحي.
ويأتي هذا القرار في وقت تشهد فيه مؤسسات الدولة في اللاذقية موجة تغييرات إدارية وإجراءات فصل متتالية، طالت موظفين في قطاعات مختلفة، وسط غياب توضيحات رسمية مفصلة حول المعايير المعتمدة في هذه القرارات، ما يفتح باب التساؤلات حول خلفياتها وتأثيرها على سير العمل في المؤسسات العامة.
الفصل المفاجئ للأطباء
لم يكن طبيب الأسنان صبحي دعبول يتوقع أن يعرف خبر فصله من العمل بهذه الطريقة.
وقال لعنب بلدي إنّه علم بقرار فصله عبر رسالة وصلت إليه عبر تطبيق “واتساب” من إحدى صديقاته، التي أخبرته فيها بوجود اسمه ضمن قائمة الأطباء المفصولين.
ويعمل دعبول منذ نحو عام ونصف طبيبًا للأسنان في مديرية صحة اللاذقية ضمن دائرة زغرين، قبل أن يُصدم بإدراج اسمه في القرار بفصل 113 طبيبًا من كوادر المديرية.
وأضاف أن الخبر وصله بشكل مفاجئ، دون أي تبليغ رسمي مسبق أو إخطار من الجهة التي يعمل لديها، ما دفعه لمحاولة التأكد من صحة المعلومات بعد تداول قائمة الأسماء بين الأطباء والعاملين في القطاع الصحي.
وقال طبيب أسنان في مديرية صحة اللاذقية، فضل عدم ذكر اسمه لأسباب شخصية، إنه تبلّغ بقرار فصله عندما كان على رأس عمله ويؤدي مهامه بشكل طبيعي.
وأوضح الطبيب أن الأطباء العاملين بعقود في المديرية اعتادوا على تجديد عقودهم سنويًا مع نهاية كل عام، حيث ينتظرون عادة نحو شهرين ريثما تصدر وزارة الصحة العقود الجديدة ليتم توقيعها رسميًا.
وخلال هذه الفترة، بحسب الطبيب، يواصل الأطباء عملهم بشكل اعتيادي في المستشفيات والمراكز الصحية تفاديًا لحدوث نقص في الكوادر أو تقصير في تقديم الخدمات الطبية، على اعتبار أن العقد يكون بين الطرف الأول وهو الطبيب، والطرف الثاني مديرية الصحة.
وأضاف أن ما حدث هذا العام كان مختلفًا، فبدل صدور العقود الجديدة للتوقيع، صدر قرار بفصل الأطباء، الأمر الذي شكّل صدمة لعدد منهم كانوا ينتظرون تجديد عقودهم ومتابعة عملهم في المديرية.
وعلمت عنب بلدي أن مديرية صحة اللاذقية فتحت باب تقديم الاعتراضات على قرار الفصل، على أن تُرفع الطلبات إلى وزارة الصحة للنظر فيها.
وبحسب ما اطلعت عليه عنب بلدي، أفسحت المديرية المجال أمام الأطباء المشمولين بالقرار لتقديم اعتراضاتهم.
من جهتها، قالت طبيبة الأسنان جيما صقور إنها تقدمت باعتراض على قرار فصلها عبر مديرية الصحة، موضحة أن المديرية وعدت الأطباء بإيصال شكاواهم واعتراضاتهم إلى وزارة الصحة للنظر فيها وإعادة تقييم القرار.
الفصل الوظيفي بين الترهل والحاجة
وفي ردّه على القرار، قال مدير صحة اللاذقية، خليل آغا، لعنب بلدي، إن قرار الفصل يأتي في سياق معالجة ما وصفه بـ”الترهل الوظيفي” في بعض الأقسام، ولا سيما بين أطباء الأسنان.
وأوضح آغا، أن عددًا كبيرًا من أطباء الأسنان كانوا يعملون أساسًا بعقود مخصصة لخدمة المناطق الريفية، لكنهم استمروا في العمل لأسباب مختلفة، من بينها ما وصفه بالوساطات والمحسوبيات، رغم عدم وجود حاجة فعلية لهم في بعض المراكز الصحية.
وأضاف أن بعض المراكز الصحية تضم خمسة أطباء أسنان، رغم أن طبيبًا واحدًا قد يكون كافيًا لتغطية العمل، مشيرًا إلى أن المديرية تعمل على إعادة توزيع الأطباء المتبقين على المراكز الفاعلة بما يتناسب مع حجم الخدمات المقدمة.
وبيّن آغا أن معظم الأطباء كانوا يعملون بعقود سنوية انتهت مدتها، ما يتيح قانونيًا عدم تجديد العقد في حال عدم الحاجة، موضحًا أن القرار جاء أيضًا في إطار توجهات وزارة التنمية الإدارية لتخفيض أعداد العاملين بعقود.
وأشار إلى أن المديرية تدرك صعوبة القرار ولا ترغب في اتخاذه، لكنها مضطرة لذلك نتيجة الزيادة الكبيرة في أعداد المتعاقدين، لافتًا في الوقت نفسه إلى أن المديرية تعمل بالتوازي على إبرام عقود جديدة في حالات الحاجة الملحّة، خصوصًا في اختصاصات التمريض والفنيين وبعض الأطباء لسد النقص في مجالات محددة.
كما أوضح أن المديرية أخذت بعين الاعتبار تقييمات إدارة العاملين ومدى الحاجة إلى كل طبيب في موقع عمله قبل إنهاء العقود، مضيفًا أنه من الممكن أن تكون هناك أخطاء في بعض التقييمات أو حالات محسوبية، ولهذا السبب فُتح باب الاعتراضات لدراستها بدقة، بهدف الوصول إلى قرار عادل لكل حالة.
وكانت مديرية صحة اللاذقية قد أعلنت في 28 شباط الماضي، عبر بيان نشرته على صفحتها الرسمية في “فيس بوك”، أنها تعمل على معالجة أوضاع العاملين المفصولين من وظائفهم خلال السنوات السابقة بسبب مشاركتهم في الحراك الثوري في عهد النظام السابق.
وذكرت المديرية في بيانها أن هذه الخطوة تأتي في إطار إعادة النظر في ملفات المفصولين وإيجاد آليات لإنصافهم وإعادتهم إلى العمل ضمن المؤسسات الصحية، وهو ما فتح في ذلك الوقت باب النقاش حول آليات تنظيم الكوادر الطبية وإعادة ترتيبها داخل القطاع الصحي في المحافظة.
