تتواصل مطالبات الأهالي في محافظة الحسكة بالإفراج عن أبنائهم المعتقلين لدى “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، في ظل ازدياد حالات الاعتقال خلال الأسابيع الأخيرة، بالتزامن مع تصاعد التوتر العسكري في المنطقة وتغير خارطة السيطرة فيها.
وتأتي هذه المطالبات في وقت سيطر فيه الجيش السوري خلال الأسابيع الماضية على مساحات واسعة من الأرياف الشرقية والجنوبية للمحافظة، بينما انحسر وجود “قسد” في مراكز المدن وبعض الأرياف القريبة منها، ما فتح الباب أمام تحركات رسمية لمتابعة ملف المعتقلين.
اعتقالات على الحواجز ومداهمات للمنازل
وبحسب ما أفاد به عدد من الأهالي في محافظة الحسكة، فإن الاعتقالات طالت عشرات الأشخاص خلال الأشهر الماضية، سواء عبر الحواجز الأمنية التي نشرتها “قسد” داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها، أو من خلال مداهمات نفذتها قوات تابعة لها داخل الأحياء السكنية.
وقال أحد أقارب المعتقلين، وهو من سكان مدينة الحسكة تحفظ على ذكر اسمه لأسباب أمنية، إن ابن شقيقه اعتُقل قبل نحو شهر في أثناء مروره على أحد الحواجز داخل المدينة.
وأضاف لعنب بلدي أن العائلة لم تتلقَّ أي معلومات رسمية عن مصيره حتى الآن، رغم مراجعتها عدة جهات محلية للسؤال عنه.
وأشار إلى أن الاعتقالات لم تقتصر على البالغين فقط، بل شملت أيضًا قاصرين من الجنسين في بعض الحالات، بحسب ما أكد عدد من الأهالي.
ووفق شهادات متقاطعة، أُفرج عن عدد محدود من المعتقلين خلال الأسابيع الماضية، بينما لا يزال القسم الأكبر منهم قيد الاحتجاز دون توضيح رسمي لأسباب الاعتقال أو أماكن الاحتجاز.
مناشدات عائلات المعتقلين
في موازاة ذلك، أطلقت عائلات معتقلين مناشدات متكررة للإفراج عن أبنائها أو الكشف عن مصيرهم، خاصة أولئك الذين مضى على اعتقالهم أشهر أو سنوات دون تواصل واضح مع عائلاتهم.
وقال والد أحد المعتقلين (م.ح)، إن ابنه اعتُقل قبل نحو عام في أثناء توجهه إلى عمله في إحدى القرى القريبة من مدينة القامشلي.
وأضاف لعنب بلدي أن العائلة حاولت التواصل مع جهات مختلفة لمعرفة مصيره، لكنها لم تحصل سوى على معلومات متضاربة حول مكان احتجازه.
وأوضح الأب أن الأسرة تعيش حالة من القلق الدائم بسبب غياب أي تواصل مع ابنها، مطالبًا بالإفراج عنه أو السماح للعائلة بزيارته والاطمئنان إلى وضعه الصحي.
وفي مدينة القامشلي، قالت السيدة (ر.ع) إن شقيقها اعتُقل خلال حملة مداهمات طالت عددًا من المنازل في أحد أحياء المدينة قبل عدة أشهر.
وأضافت أن العائلة لم تتلقَ أي إخطار رسمي بشأن أسباب اعتقاله، مشيرة إلى أنهم علموا بشكل غير رسمي أنه محتجز في أحد السجون التابعة لـ“قسد”.
وطالبت بالكشف عن مصير المعتقلين وإطلاق سراح من لم تثبت بحقهم أي تهم، مؤكدة أن استمرار احتجازهم يضاعف معاناة عائلاتهم.
تحرك رسمي لإعداد قوائم المعتقلين
في المقابل، أعلن المبعوث الرئاسي لمتابعة اتفاق كانون الثاني بين الحكومة السورية و“قسد”، العميد زياد العايش، عن بدء تحرك رسمي لمتابعة ملف المعتقلين في سجون “قسد”.
وقال العايش في تصريح صحفي إن الفريق الرئاسي يعمل حاليًا على إعداد قوائم بأسماء المعتقلين استجابة للمناشدات العديدة التي وردت من الأهالي خلال الفترة الماضية.
وأضاف أن هذه القوائم ستشمل جميع المعتقلين بهدف متابعة مصيرهم والعمل على معالجة هذا الملف الإنساني.
وأوضح أن القوائم سيتم تسليمها إلى الجهات المختصة ومتابعتها عبر مديرية الأمن الداخلي في محافظة الحسكة ضمن مسار رسمي.
وأشار إلى أن ملف المعتقلين يُعد من الملفات الأساسية التي توليها الحكومة السورية اهتمامًا خاصًا، نظرًا لدوره في تعزيز الثقة بين الأطراف المعنية وإنجاح مسار الاندماج وترسيخ الاستقرار في المنطقة.
رأس العين تبدأ جمع بيانات المعتقلين
وفي سياق متصل، أعلنت إدارة منطقة رأس العين عن بدء العمل على جمع بيانات المعتقلين لدى “قسد”، ابتداءً من اليوم.
وقالت الإدارة إن عملية جمع البيانات ستشمل إعداد قوائم اسمية تتضمن الاسم الثلاثي للمعتقل ومكان اعتقاله وتاريخه، بهدف توثيق الحالات ومتابعتها بشكل دقيق.
ودعت إدارة رأس العين ذوي المعتقلين إلى مراجعة مديرية الخدمات الاجتماعية، وتزويدها بالمعلومات المطلوبة للمساهمة في استكمال القوائم.
وبحسب الإدارة، فإن هذه الخطوة تأتي ضمن جهود متابعة ملف المعتقلين والسعي لمعالجته عبر القنوات الرسمية.
حادثة وفاة معتقل تزيد المخاوف
وفي سياق متصل بملف المعتقلين، استلمت عائلة الشاب علاء الأمين جثمان ابنها من قوات “الأسايش” التابعة لـ“قسد” في مدينة القامشلي، بعد نحو ستة أشهر على اعتقاله.
وبحسب ما أفادت به العائلة لوسائل إعلام محلية، فإن الشاب البالغ من العمر 33 عامًا كان قد قدم من السويد إلى القامشلي لإقامة حفل زفافه.
وقال أحد أقارب المتوفى إن علاء اعتُقل بعد نحو شهر من زفافه من منزل والده، دون توضيح أسباب الاعتقال.
وأضاف أن الطبيب الشرعي أبلغ العائلة بأن الوفاة تعود إلى مطلع كانون الثاني الماضي، أي قبل نحو شهرين من تسليم الجثمان.
وأشار المصدر إلى أن الجثمان كان يحمل آثار كسر في الأنف والرأس، إضافة إلى ظهور علامات تعفن عليه عند استلامه، وفق ما ذكرته العائلة.
وأثارت الحادثة حالة من القلق بين عائلات المعتقلين، التي تخشى تكرار حالات مماثلة دون الكشف عن ظروف الاحتجاز أو أسباب الوفاة.
ملف إنساني مفتوح
يُعد ملف المعتقلين لدى “قسد” من أكثر الملفات حساسية في محافظة الحسكة، خاصة مع تزايد المطالبات الشعبية بالكشف عن مصير المحتجزين والإفراج عنهم.
وتقول عائلات المعتقلين إن استمرار احتجاز أبنائها دون معلومات واضحة يفاقم معاناتها، في وقت تنتظر فيه نتائج التحركات الرسمية التي أعلنت عنها الجهات المعنية.
ويأمل الأهالي أن تسهم عملية إعداد القوائم الرسمية وجمع البيانات في كشف مصير المعتقلين وتسريع إجراءات الإفراج عنهم، خصوصًا في الحالات التي لم تثبت فيها أي اتهامات.
وتأتي هذه التحركات في سياق تنفيذ اتفاق كانون الثاني المبرم بين الحكومة السورية و“قوات سوريا الديمقراطية”، والذي جاء بعد سيطرة الجيش السوري في منتصف كانون الثاني على مساحات واسعة من شمال شرقي سوريا، وانكفاء وجود “قسد” إلى أجزاء من محافظة الحسكة.
