عنب بلدي – ركان الخضر
أعلنت وزارة الداخلية عن جلسة عمل مشتركة مع وزارة العدل، في 19 من نيسان الحالي، ركزت على وضع منهجية متكاملة لإعداد قوائم بالأشخاص المرتبطين بالنظام السابق.
وذكرت الوزارة أن الجلسة شملت آليات حصر الأسماء وتدقيقها، والاستناد إلى معايير قانونية دقيقة تضمن موثوقية المعلومات وقابليتها للاعتماد أمام الجهات القضائية.
كما بحث المجتمعون الأطر القانونية والإجرائية اللازمة لإنشاء قواعد بيانات منظمة، وإعداد ملفات وتقارير قانونية متكاملة، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القضائية المناسبة، بحضور عدد من الخبراء القانونيين من الوزارتين، بالإضافة إلى وفد من هيئة العدالة الانتقالية، برئاسة عبد الباسط عبد اللطيف.
أهمية الخطوة
قال مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، إن إعداد قوائم بالأشخاص المرتبطين بنظام الأسد، مقرونة بملفات وتقارير قانونية، يمثل خطوة مهمة في بناء منظومة المساءلة، بشرط استيفاء معايير دقيقة في إعدادها.
وأضاف عبد الغني، في حديث إلى عنب بلدي، أن القانون الجنائي الدولي لا يعتد بأي قائمة، ما لم تُرفق بأدلة تُوثّق الصلة الفردية بين كل شخص والجرائم المرتكبة، إذ إن المسؤولية الجنائية الدولية فردية بطبيعتها، كما كرّستها المادة “25” من “نظام روما الأساسي” و”مبادئ نورمبرغ”.
وبيّن أن القوائم المدعومة بملفات موثوقة تؤدي وظائف متعددة في آن واحد، فهي تُشكّل سجلًا قانونيًا قابلًا للتقاضي أمام آليات المحاسبة المستقبلية، سواء كانت محاكم وطنية أو دولية أو هجينة، كما أنها تتيح توجيه إجراءات التجميد والمصادرة بدقة، بدلًا من تطبيقها بصورة جماعية غير مشروعة، إضافة إلى أنها تُغذّي آليات العدالة الانتقالية، مثل لجان الحقيقة والتحقيق، بمادة أولية وثيقة الصلة بتحديد الأنماط المؤسسية للانتهاكات.
وأشار مدير “الشبكة السورية” إلى أهمية أن تُبنَى هذه القوائم وفق منهجية للتحقق من المصادر، لأن التوثيق الموثوق يقتضي التثليث بين مصادر مستقلة متعددة، والتمييز بين الانتماء التنظيمي والمشاركة الفعلية في الجرائم، والالتزام بمبدأ عدم إدراج أي اسم من دون أساس قانوني مثبت.
ونوه إلى أن أي إخلال بهذه المعايير يُحوّل القائمة من أداة للمحاسبة إلى أداة للإقصاء السياسي، بما يضعف مشروعية المسار برمّته.
الباحث القانوني في العدالة الانتقالية نورس العبد الله، اعتبر الخطوة جيدة وإن جاءت متأخرة.
وقال العبد الله في حديث إلى عنب بلدي، إن المطلوبين الأساسيين من كبار المجرمين ممن توجد أدلة واضحة عليهم من خلال العمل في الفروع الأمنية لدى نظام الأسد، أو من خلال الوثائق المتوفرة التي تدينهم، كان يجب أن تُعدّ قائمة بأسمائهم منذ الفترة الأولى التي أعقبت سقوط النظام كإجراء احترازي على أقل تقدير.
وأضاف الباحث القانوني أن إعداد قائمة بكبار المجرمين تبدو خطوة ممكنة، على اعتبار أن الكثير من مرتكبي الانتهاكات معروفون بالنسبة لوزارة الداخلية، بشرط أن تكون قائمة أولية وليست شاملة ونهائية، نظرًا إلى أن الموضوع من اختصاص هيئة العدالة الانتقالية.
ويعتقد العبد الله أن اجتماع وزارتي العدل والداخلية بحضور هيئة العدالة الانتقالية، يحمل أهدافًا سياسية واجتماعية، تتمحور حول إيصال رسالة مفادها أن مرتكبي الجرائم في حقبة نظام الأسد لن يفلتوا من العقاب، الأمر الذي يتضمن خطوة طمأنة للجمهور السوري الذي تململ من التراخي والبطء في إجراءات العدالة الانتقالية الجدية المتخذة حتى اليوم، وهي خطوة جاءت مع احتمالية قرب إطلاق محاكمات علنية بحق بعض الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق، الأمر الذي يبعث رسالة بخطوات جدية في مسار المحاسبة قريبًا.
الآليات القانونية المطلوبة لضبط العملية
أصدرت وزارة العدل السورية، في 19 من نيسان الحالي، تعميمًا بشأن منع تهريب رموز النظام السابق للممتلكات العقارية، داعية القضاة إلى المعاينة الميدانية واستجواب الشاغلين للتصدي للبيوع الصورية.
وأكدت الوزارة أن التعميم يهدف لضمان حقوق الدولة والمتضررين وحماية المال العام من التلاعب تحت رقابة مشددة.
وأشارت إلى ضرورة إبلاغ الوزارة بأي من الحالات السابقة مع بيان أسماء المشتركين في محاولة تهريب ملكية العقار، لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.
مدير “الشبكة السورية”، فضل عبد الغني، قال إن تعميم وزارة العدل، على أهميته كخطوة إجرائية لازمة، لا يعتبر كافيًا بذاته، فالمعايير الدولية تلتزم حزمة من الآليات المتكاملة، أولاها تجميد فوري ومؤقت للأصول العقارية لأي شخص يصنف ضمن القائمة، يستند إلى أمر قضائي بحكم طابعه الإلزامي، لا إلى مجرد تعميم إداري قابل للتحايل.
وتتضمن الآلية الثانية، بحسب عبد الغني، ربط السجلات العقارية بقواعد بيانات المشتبه بهم، الأمر الذي يقتضي إنشاء نظام رقمي يتيح للقضاء والنيابة العامة الاطلاع الفوري على ارتباط اسم البائع بأي قائمة تحقيق معلّقة، بما يحدّ من الفجوة الزمنية بين وقوع الانتهاك وكشفه.
بينما تشمل الآلية الثالثة، إلزامية الكشف الميداني الذي أرساه التعميم الصادر عن الوزارة من اشتراط المعاينة الفعلية واستجواب الشاغلين والتحقق عبر شهادات الجوار، وهو ما يتقاطع مع معايير الإجراءات القانونية الواجبة، بما يضمن عدم تحوّل المحاكم إلى أداة لتبييض عمليات النقل الصوري.
كما تشمل الآلية الأخيرة، وفق مدير “الشبكة السورية”، الملاحقة بتهمة الإثراء غير المشروع، وهو ما يتطلب تطوير إطار قانوني يجيز الملاحقة بتهمة الإثراء غير المشروع حتى في غياب الشخص، بما يجعل أي نقل ملكية لاحق موجبًا للإبطال القانوني.
الآثار المترتبة على الخطوة
قالت وزارة العدل، إنها لاحظت وجود حالات لمحاولة بعض رموز النظام السابق والمشتركين في ارتكاب الجرائم بحق الشعب السوري، تهريب العقارات العائدة لهم، والمسجلة بأسمائهم أو أسماء أقاربهم بشكل صوري.
وأضافت الوزارة أن العملية تتم عن طريق استصدار أحكام قضائية تتضمن نقل الملكية بطريق الإقرار بالبيع، مشيرة إلى أن التصرف يمس بحقوق الدولة والشعب السوري المتضرر من جرائم النظام، ولا سيما حقه في الحصول على التعويض العادل.
قال الباحث القانوني نورس العبد الله، إن معالجة قضية تهريب الأملاك كالملكيات العقارية أو حتى الأرصدة مثلًا من قبل شخصيات محسوبة على نظام الأسد، كان يجب أن تتم منذ بداية التحرير، على اعتبار أن الشبكات المرتبطة بالنظام واعية بأن المحاسبة عندما تأتي ستستهدف البعد المالي سواء لضمان حقوق الضحايا، أو في إطار عملية استرداد للأموال غير المشروعة.
فعملية تهريب الأموال، وفق العبد الله، متوقعة، وهناك مؤشرات عديدة على أنها قائمة، مشيرًا إلى وجود إجراءات تحفظية سابقة لمراقبة الموضوع من قبل وزارة العدل.
وأشار مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، إلى أن الخطورة في تصرف المرتبطين بالنظام ببيع عقاراتهم، يتمثل في تجريد جبر الضرر من مضمونه المادي، موضحًا أن التعويض، بوصفه إحدى الركائز الأربع للعدالة الانتقالية، لا يتحقق بمجرد صدور أحكام إدانة، بل يستلزم وجود أصول قابلة للتحصيل، وحين يُنقل العقار صوريًا قبل صدور أي إجراء قضائي، يُفرّغ مفهوم التعويض من معناه العملي في حق الضحايا.
أما الأسلوب الذي كشفه التعميم، أي البيع بطريق “الإقرار أمام المحكمة”، فيمثل بحسب عبد الغني، آلية احتيال قانوني موثقة تُستغل فيها المنظومة القضائية لإضفاء الشرعية على نقل الملكية الصوري.
إشكالية التعريف.. من هم “رموز النظام”؟
مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، قال إن التحديد الدقيق للفئة المقصودة يمثل الإشكالية القانونية الرئيسة في هذا الملف، وهو ما تُثيره “الشبكة” في تقاريرها، موضحًا أن التعميم الحالي استخدم عبارة “رموز النظام البائد والمشتركين في الجرائم” بصياغة عامة، وهذا الغموض يُولّد مخاطر قانونية مزدوجة، تشمل الإفراط في التجريم بإدراج أشخاص لا أساس قانونيًا لملاحقتهم، أو التضييق المتعمّد لحماية فئات بعينها.
وأضاف عبد الغني أن التحديد القانوني الدقيق يتطلب التمييز بين ثلاث فئات مفاهيمية، تتمحور حول المسؤولية القيادية المباشرة، والمستفيدين الماليين من الجرائم، والمنتسبين التنظيميين، ويشترط أن يُطبّق بحقهم افتراض قابل للدحض، لا إدانة تلقائية.
وأوضح عبد الغني أن قيود بيع العقارات ينبغي أن تنصبّ من الناحية العملية على الفئتين الأولى والثانية على سبيل الأولوية، استنادًا إلى فئات التمييز السابقة، مع اشتراط صدور قرار قضائي مسبب لإدراج أي اسم في القائمة، وإتاحة آلية للطعن والتظلم بوصفها ضمانة لا يجوز التنازل عنها، تفاديًا لتحوّل المنظومة إلى إجراءات انتقامية تفقدها مشروعيتها الدولية.
الباحث القانوني في العدالة الانتقالية نورس العبد الله، أوضح أن مصطلح “المرتبطين بالنظام” واسع وغير دقيق، ويحمل تفسيرات متعددة حول الفئات المقصودة، متسائلًا هل المقصود مرتكبو الجرائم الذين يمكن حصرهم في قائمة بمعزل عن التحقيقات التي يمكن أن تجريها هيئة العدالة الانتقالية كنتائج لسماع الشهود، أم مستوى معين من القيادات الأمنية والعسكرية، أم شخصيات اقتصادية واجتماعية أو سياسية داعمة للنظام السابق.
فمصطلح الأشخاص “المرتبطين بالنظام” غير كافٍ، بحسب العبد الله، كمدلول قانوني بمعايير محددة وواضحة، وإنما يبدو أقرب الى مصطلح اجتماعي وسياسي.
وأضاف العبد الله أن الآليات القانونية لتحديد من ستشمله المحاسبة لارتباطه بالنظام السابق مرتبطة بقانون العدالة الانتقالية لتحديد من سيشمله وصف الارتباط بنظام الأسد سواء بالمعنى الجنائي أو غيره، نظرًا إلى وجود آليات مساءلة غير قضائية، فقانون العدالة الانتقالية، وفق العبد الله، هو الذي سيحدد نطاقات التركيز، انطلاقًا من أهمية ألا تكون درجة المساءلة واحدة في كل المجالات، فالمساءلة الجنائية قد تتطلب التركيز على مستوى محدد من مرتكبي الانتهاكات، وتضييق نطاق المساءلة القضائية حتى لا تستهدف أعدادًا هائلة وتؤدي إلى إشكاليات في التنفيذ والتطبيق، وأيضًا إشكاليات في التحديات المجتمعية، إضافة إلى ضرورة عدم ربطها بقضايا العزل السياسي والإصلاح المؤسساتي والوظيفي.
وأوضح العبد الله عدم إمكانية اعتبار كل المجرمين بدرجة واحدة، وهو ما يفترض إجراءات متباينة بحقهم كل بحسب فعله وجرمه.
