بنية خلايا “حزب الله” في سوريا ونوع المواجهة المحتملة

  • 2026/04/26
  • 11:09 ص
قوى الأمن الداخلي تلقي القبض على عناصر من خلايا تابعة لـ"حزب الله" في القنيطرة - 19 نيسان 2026 (وزارة الداخلية السورية)

قوى الأمن الداخلي تلقي القبض على عناصر من خلايا تابعة لـ"حزب الله" في القنيطرة - 19 نيسان 2026 (وزارة الداخلية السورية)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – يزن قر

مع تصاعد التحولات الأمنية والسياسية في سوريا، تعود ملفات “الظل” المرتبطة بالنفوذ الإقليمي إلى الواجهة، في لحظة تبدو فيها سوريا أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على تثبيت الاستقرار الداخلي، وضبط حدودها، ومنع تحول أراضيها مجددًا إلى ساحة مفتوحة لتقاطعات القوى غير الرسمية.

وزارة الداخلية السورية أعلنت عن تفكيك خلايا مرتبطة بـ”حزب الله” تخطط لأعمال “تخريبية” في دمشق والقنيطرة، وذلك عبر عمليتين منفصلتين نُفذتا في 11 و19 من نيسان الحالي، في إطار ما وصفته بجهود أوسع لضبط الأمن الداخلي وملاحقة الشبكات المسلحة غير النظامية.

وبالتوازي مع ذلك، كشفت السلطات عن وجود أنفاق على الحدود السورية- اللبنانية، يُعتقد أنها كانت تُستخدم لأغراض لوجستية وأمنية، ما أعاد تسليط الضوء على الطبيعة المعقدة لهذه الحدود، التي لطالما شكلت ممرًا حساسًا لحركة السلاح والأفراد خلال سنوات الصراع.

هذه التطورات تأتي في سياق إقليمي شديد الحساسية، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع التحولات السياسية، وتبرز أسئلة حول مستقبل أدوار الفاعلين داخل سوريا، وحدود قدرتهم على الاستمرار في ظل خطاب رسمي جديد يركز على استعادة سيادة الدولة وبسط سيطرتها على كامل الجغرافيا.

في المقابل، سارع “حزب الله” إلى نفي أي صلة له بهذه الخلايا أو بالأنفاق المكتشَفة، في موقف يعكس حرصه على تجنب الانخراط في مواجهة مباشرة مع السلطات السورية في هذه المرحلة، أو تحميله مسؤولية أي نشاط أمني داخل الأراضي السورية.

أما على المستوى الرسمي اللبناني، فقد أكد لبنان دعمه لاستقرار سوريا، والوقوف إلى جانب الشعب السوري بما يضمن أمنه وسلامته، في محاولة لاحتواء أي تداعيات محتملة لهذه التطورات على العلاقات الثنائية.

وبين النفي والتأكيدات الرسمية، تبرز قراءة أعمق لهذه الأحداث، تتجاوز بعدها الأمني المباشر، لتلامس مسألة إعادة رسم النفوذ داخل سوريا، وتحديد طبيعة العلاقة المستقبلية مع الفاعلين الإقليميين، وفي مقدمتهم “حزب الله”، الذي كان لاعبًا أساسيًا في المشهد السوري خلال السنوات الماضية.

في هذا السياق، لا تبدو مسألة الخلايا المكتشَفة أو الأنفاق مجرد حوادث أمنية معزولة، بل مؤشرات على مرحلة انتقالية تحاول فيها الدولة السورية إعادة ضبط المشهد الداخلي، في مواجهة إرث طويل من التشابكات العسكرية والسياسية، وسط بيئة إقليمية لا تزال مفتوحة على احتمالات التصعيد وإعادة التموضع.

أهداف “حزب الله” في سوريا

تُطرح التحركات المرتبطة بـ”حزب الله” داخل الأراضي السورية في سياق أكثر تعقيدًا من مجرد الحضور الميداني أو الأمني، إذ ترتبط هذه الأنشطة بسلسلة من التحولات التي فرضتها طبيعة المواجهة الإقليمية الحالية، ولا سيما التصعيد المتواصل مع إسرائيل.

وفي ظل هذا المشهد، تعود الأسئلة حول طبيعة الدور الذي يلعبه الحزب داخل سوريا، وما إذا كانت أهدافه قد تغيرت مقارنة بالسنوات السابقة، أم أنها أعادت التموضع فقط ضمن سياق أكثر تحفظًا.

في هذا الإطار، يرى الباحث في مركز “مسداد” معتز السيد، في حديث إلى عنب بلدي، أن أهداف “حزب الله” داخل سوريا اليوم يمكن توصيفها بأنها مرتبطة بمتطلبات الدعم أكثر من توسيع النفوذ، في ظل التحولات الإقليمية الراهنة.

وأشار السيد إلى أن الحزب، في ظل المواجهة الحالية مع إسرائيل، يسعى إلى تأمين أشكال مختلفة من الدعم، سواء الاقتصادي أو العسكري، عبر الساحة السورية، مستفيدًا من شبكات سابقة كانت مرتبطة به، خاصة تلك التي يُعتقد أنها استُخدمت في فترات سابقة لعمليات تهريب السلاح أو الأموال أو تقديم تسهيلات لوجستية.

وبحسب هذا الطرح، فإن جوهر الهدف لم يشهد تحولًا جذريًا، إذ لا يزال يرتكز على الحفاظ على خطوط الإمداد والدعم، لكن بأساليب أكثر حذرًا وأقل ظهورًا مقارنة بالمراحل السابقة.

الحزب لا يبدو اليوم في موقع يسمح له بإعادة إنشاء بنى عسكرية واسعة أو تشكيل قوى جديدة خارج نطاق لبنان، ما يعكس، وفق تقدير الباحث، تغيرًا في هامش الحركة وليس في طبيعة الهدف الأساسي.

في المحصلة، تعكس هذه القراءة استمرار أهمية الساحة السورية ضمن حسابات “حزب الله”، لكن ضمن شروط مختلفة تفرضها التحولات الإقليمية وتغير موازين القوة، ما يجعل حضوره اليوم أقرب إلى إعادة تموضع وظيفي منه إلى توسع ميداني تقليدي.

طبيعة الخلايا والشبكات المحلية

تفتح التطورات الأمنية الأخيرة المرتبطة بملف “الخلايا” داخل سوريا نقاشًا أوسع حول طبيعة البنية التي تشكّلت خلال سنوات الصراع، وحجم الارتباط بين هذه التشكيلات وبين “حزب الله”.

فبينما تُقدَّم هذه الخلايا في بعض التقارير كامتداد مباشر لبنية تنظيمية خارجية، تطرح معطيات أخرى فرضية أكثر تعقيدًا، تقوم على تشابك النفوذ مع شبكات محلية نشأت في سياقات الحرب.

في هذا الإطار، أشار الباحث معتز السيد إلى أن الحديث عن “الخلايا” يعكس واقعًا معقدًا تراكم خلال سنوات وجود “حزب الله” في سوريا، حيث عمل على بناء شبكات نفوذ واسعة، خصوصًا في المناطق الحدودية التي تُعد ذات أهمية استراتيجية له.

إلا أن هذه الشبكات، بحسب تقدير الباحث، لا يمكن وصفها بأنها ذات تبعية تنظيمية مباشرة ومركزية للحزب، بل هي في معظمها تشكيلات محلية تضم عناصر سوريين ارتبطوا بالحزب أو بالنظام السابق بدرجات متفاوتة.

وقال السيد، إن هذه البنى اكتسبت خلال سنوات الحرب قدرًا من الاستقلالية في الحركة، ما يجعل بعضها قادرًا على العمل دون توجيه مباشر، وهو ما يفسر في بعض الحالات نفي الحزب علاقته ببعض الخلايا التي يتم الإعلان عن ضبطها.

ومع ذلك، لا ينفي هذا الطرح أن هذه الشبكات نشأت أصلًا ضمن بيئة دعم مباشر، سواء عبر التدريب أو الإسناد العسكري أو اللوجستي، ما يبقيها في دائرة التأثير غير المباشر، ويجعل إمكانية إعادة توظيفها قائمة عند الحاجة.

الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية نوار شعبان قباقيبو، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن طبيعة هذه الخلايا تقوم على قدرتها على استغلال أي خلل أمني قائم عبر تنفيذ عمليات من نوع التفجير أو الخطف أو الاستهداف الصاروخي، معتبرًا أن الهدف الأساسي من وجودها لا يتمثل في ضرب المنظومة الحاكمة بشكل مباشر، بقدر ما يرتبط بخلق بيئة أمنية غير مستقرة تسمح ببقاء نشاط شبكات مرتبطة بـ”حزب الله” أو بوكلائه داخل سوريا.

وأضاف أن هذا النمط من العمل ينعكس بشكل غير مباشر على الساحة اللبنانية، حيث يُستخدم، وفق هذا التقدير، لخدمة مصالح الحزب هناك، عبر الحفاظ على قنوات دعم وتموضع تمتد بين الجانبين السوري واللبناني.

وبحسب تقدير الباحث، فإن هناك “آلاف الخلايا” إلى جانب مستودعات أسلحة وصواريخ داخل الأراضي السورية، ما يجعل المشهد الأمني أكثر تعقيدًا وتشابكًا.

ويتيح استمرار هذا النوع من البنى غير النظامية لـ”حزب الله” هامش حركة أوسع، عبر أساليب تعتمد على التخفي وإعادة التموضع، بما يمنحه وقتًا إضافيًا لإدارة وجوده في الساحة السورية، في ظل بيئة أمنية لا تزال غير مستقرة بشكل كامل.

وبناء على ذلك، تبدو مسألة “الخلايا” أقرب إلى شبكة نفوذ متداخلة أكثر من كونها بنية تنظيمية صلبة ومركزية، ما يعكس طبيعة الحضور المعقد لـ”حزب الله” في الساحة السورية خلال السنوات الماضية، وحدود إعادة ضبط هذا الإرث في المرحلة الحالية.

احتمالات التصادم بين دمشق و”حزب الله”

تطرح التطورات الأمنية والسياسية المتسارعة في سوريا تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الدولة السورية و”حزب الله”، ولا سيما في ظل الحديث عن خلايا وشبكات نفوذ غير نظامية تنشط على الحدود وفي بعض المناطق الحساسة، وما إذا كانت هذه المعطيات قابلة للتحول إلى مسار تصادمي في المرحلة المقبلة.

في هذا السياق، يرى الباحث في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان، أن “حزب الله” لم يعد يمتلك القدرة على الدخول في مواجهة مباشرة مع الحكومة السورية، معتبرًا أن حجم الضغوط التي يواجهها داخل لبنان، سواء على مستوى علاقته مع مؤسسات الدولة أو مع القوى السياسية والجيش اللبناني، جعله في موقع أضعف بكثير من أن يسمح له بخوض تصادم مفتوح مع دمشق.

وأضاف علوان أن الحزب يعيش حالة من التراجع في بنيته التنظيمية والسياسية، ما جعله أقرب إلى شبكات محدودة التأثير بدل كونه قوة منظمة قادرة على إدارة نفوذ واسع كما في السابق، مشيرًا إلى أن هذا التحول يعكس تغيرًا في موقعه داخل لبنان والمنطقة بشكل عام.

وبحسب هذا التقدير، فإن التعاطي مع “حزب الله” في المرحلة المقبلة قد يتجه نحو مقاربته كشبكة أمنية غير رسمية أكثر من كونه فاعلًا سياسيًا وعسكريًا تقليديًا، في ظل ما يشبه، وفق تعبير الباحث، حالة “تحول وظيفي” في بنيته.

ويقارن علوان ذلك بأنماط تنظيمية أخرى ظهرت في المنطقة، كتنظيم “الدولة”، من حيث الانتقال من الهيكل الهرمي إلى العمل عبر خلايا متفرقة.

ويرى علوان أن هذا التحول سيدفع الحكومات في المنطقة، بما فيها الحكومة السورية، إلى التعامل مع أي وجود تابع للحزب ضمن إطار أمني صارم، يقوم على ملاحقة ومنع تمدد هذه الشبكات، بما يحدّ من قدرتها على إعادة تشكيل نفوذها في سوريا أو لبنان، في ظل بيئة إقليمية تتجه نحو إعادة ضبط موازين القوى.

مقالات متعلقة

  1. سوريا.. "حياد إيجابي" لا يمنع المخاطر
  2. "الداخلية" تعلن القبض على خلية لـ"حزب الله" قرب دمشق
  3. سوريا تنأى بنفسها عن الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران
  4. بعد اتهام سوري.. "حزب الله" ينفي علاقته بـ"استهدافات المزة"

سوريا

المزيد من سوريا