رغم تزايد حدة المضاربات على الليرة السورية في الأسواق، والتقلبات التي تشهدها في مواجهة الدولار الأمريكي، فإن مصرف سوريا المركزي يسرع الخطى منذ عدة أشهر نحو تحقيق تقدم في ثلاثة ملفات متوازية، تتمثل باستكمال مشروع استبدال العملة الوطنية، ومنح المصارف العاملة صلاحيات أوسع، والربط الشبكي مع شركتي “ماستر كارد” و”فيزا كارد”.
وفي كل تحركاته، يضع المركزي السوري نصب عينيه تحقيق الاستقرار في سعر الصرف، عبر الإصلاحات والإجراءات الكفيلة بتحقيق ذلك بعيدًا عن ضخ القطع الأجنبي في الاسواق، بحسب ما صرح به مؤخرًا لعنب بلدي، ومن آخر الإجراءات عزمه استحداث جمعية للصرافة في سوريا، وتنظم عمل شركات الصرافة ضمن إطار مؤسساتي يعزز الشفافية والانضباط في السوق المالية.
استبدال 55% من العملة القديمة
كشف مدير مصرفي مطلع (تحفظ على نشر اسمه لأسباب إدارية) لعنب بلدي، أن نسبة استبدال العملة الوطنية القديمة ارتفعت من 35% من الكتلة النقدية القديمة المقدرة بنحو 42 تريليون ليرة سورية إلى نحو 55%، ما يعكس تسارعًا في وتيرة تنفيذ الاستبدال.
وترافق ذلك مع عمليات رقابية لإتلاف الأوراق القديمة تحت إشراف الجهاز المركزي للرقابة المالية، بهدف تحديث الكتلة النقدية وتعزيز الاستقرار النقدي، بحسب المدير، و”بالتوازي مع استبدال العملة، برز ملف تنظيم سوق الصرافة كأحد أبرز التحديات، خاصة مع انتشار التعاملات غير الرسمية ووجود فجوات بين السوق النظامية والسوق الموازية”.
وأكد المدير أن ضبط سوق الصرافة والحد من النشاط غير المرخص، يمثل أولوية في عمل المركزي بهدف حماية الاستقرار النقدي.
وأطلق مصرف سوريا المركزي مشروع استبدال العملة رسميًا بعد صدور المرسوم رقم “293” لعام 2025، الذي منح المصرف صلاحيات تحديد مهل التبديل ومراكزه، وحدد الأول من كانون الثاني 2026 موعدًا لبدء العملية، وأكد الحاكم عبد القادر الحصرية حينها أن الخطوة تمثل “بداية مرحلة اقتصادية ونقدية جديدة”.
صلاحيات أوسع للمصارف
يدرس مصرف سوريا المركزي، وفقًا للمدير، منح المصارف العاملة صلاحيات أوسع، خصوصًا في مجال تصريف العملات الأجنبية وشراء وبيع القطع الأجنبي، بما يجعلها أقرب إلى الدور الذي تؤديه شركات الصرافة المرخصة، وذلك بهدف توسيع القنوات الرسمية أمام المواطنين والتجار، وتقليص الاعتماد على السوق السوداء.
وإذا تم اعتماد هذه الخطوة، فإن المصارف لن تبقى مجرد مؤسسات إيداع وتمويل، بل ستتحول إلى مراكز خدمات مالية متكاملة تشمل إدارة السيولة والقطع الأجنبي والتحويلات بشكل أكثر مرونة، يوضح المدير، وهذا من شأنه تعزيز الثقة بالمصارف المحلية ورفع قدرتها التنافسية، خاصة مع اقتراب الربط الخارجي وتطور أدوات الدفع الدولية.
ويبلغ عدد المصارف العاملة في سوريا 20 مصرفًا، منها ستة مصارف عامة مملوكة للدولة بالكامل وتستحوذ على الحصة السوقية الأكبر من النشاط المالي، و14 مصرفًا خاصًا تتوزع بين 11 مصرفًا تقليديًا وثلاثة مصارف إسلامية، وتخضع جميعها لإشراف ورقابة مصرف سوريا المركزي، وفقًا لمؤشرات هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية.
وتتنوع جنسيات المساهمين في المصارف الخاصة لتشمل شراكات عربية وأجنبية، حيث يبرز لبنان والأردن وقطر والبحرين والسعودية كأبرز المساهمين العرب، بالإضافة إلى مساهمات من فرنسا، علمًا أن هذه المصارف تعمل بنظام المساهمة المغفلة حيث تمتلك الدولة السورية (وخاصة صندوق التنمية السوري، والصندوق السيادي) حصة لا تقل عن 51% من رأس المال وفق القانون السوري، لا سيما بعد الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة لرموز النظام السابق.
ما خدمات شركات ومكاتب الصرافة
خدمات شركات الصرافة في سوريا تتمحور أساسًا حول التعامل بالقطع الأجنبي والحوالات المالية ضمن ضوابط يحددها مصرف سوريا المركزي، وهي أوسع من صلاحيات المصارف التقليدية في جانب الصرافة اليومية المباشرة.
وتشمل أبرز هذه الصلاحيات:
- شراء وبيع العملات الأجنبية، حيث يُسمح لشركات ومكاتب الصرافة المرخصة بشراء وبيع العملات الأجنبية (الدولار، اليورو وغيرهما) نقدًا للمواطنين والمؤسسات، وفق نشرات أسعار الصرف المعتمدة من المركزي، مع الالتزام بهامش سعري محدد بين سعر الشراء والبيع لا يتجاوز 15 % (حاليًا) حسب التعليمات النافذة.
- تسليم الحوالات الخارجية والداخلية، وتقوم شركات الصرافة بتسليم الحوالات الواردة من خارج سوريا أو داخلها، سواء نقدًا أو عبر القيد بالحساب، وبالعملة الأجنبية أو بالليرة السورية، حسب رغبة المستفيد والإمكانيات المتوفرة لديها.
- تمويل بعض العمليات التجارية، إذ كانت شركات الصرافة تشارك في تمويل المستوردات عبر المنصات، قبل أن يوقف مصرف سوريا المركزي هذا المسار ويعيد تنظيمه، مع إلزامها بشراء كامل مبالغ القطع الأجنبي المباعة للمستوردين وفق السعر المطبق.
- بيع القطع الأجنبي للمصارف، حيث يُسمح لها ببيع العملات الأجنبية للمصارف المرخصة بالتعامل بالقطع، ما يجعلها جزءًا من دورة السيولة الرسمية بين السوق والمصارف.
- التعامل مع حوالات المنظمات والجهات الدولية، وتشمل صلاحياتها أيضًا تنفيذ وتسليم الحوالات المرتبطة بالمنظمات الإنسانية وشبكات التحويل العالمية، ضمن تعليمات خاصة من المركزي، مع وجود التزامات تتعلق بنسبة من القطع الأجنبي الواجب بيعه للمصرف المركزي.
- تصريف العملات للأغراض غير التجارية، مثل السفر، العلاج، الدراسة، أو النفقات الشخصية، بينما كان يُطلب من التجار والمستوردين التوجه غالبًا إلى المصارف لتأمين احتياجاتهم التجارية من القطع الأجنبي.
ويشير المدير، لعنب بلدي، إلى أن توسيع صلاحيات المصارف العاملة في سوريا لتشمل بعض صلاحيات شركات ومكاتب الصرافة، يمنح السوق أدوات أكثر تنظيمًا واستقرارًا، ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في رسم شكل المرحلة المالية الجديدة في سوريا، مبينًا أن منح البنوك صلاحيات يعني تقليص دور السوق السوداء.
الربط الشبكي مع “ماستر كارد” و”فيزا كارد”
بدأ هذا المسار مع إعلان مصرف سوريا المركزي خلال الأشهر الماضية عن استكمال تسوية عدد من علاقاته المصرفية الخارجية وآخرها مع البنكين النمساوي والفرنسي، بالتوازي مع العمل على إعادة تفعيل نظام “سويفت” والتحضير لعودة الارتباط بالشبكات المالية العالمية.
وأكد المدير ذاته، أن المصرف يواصل العمل على الربط الشبكي مع شركتي “ماستر كارد” و”فيزا كارد”، بهدف تمكين البطاقات الدولية من العمل عبر المصارف السورية، وفتح المجال أمام خدمات الدفع الإلكتروني والتحويلات الخارجية بصورة أكثر انتظامًا.
وكشف أن الربط مع الشركتين المذكورتين سيبصر النور مع نهاية أيار المقبل، بما يمثل خطوة مهمة نحو إعادة إدماج القطاع المصرفي السوري في النظام المالي العالمي.
ونجاح هذا الربط، وفقًا للمصدر ذاته، يعني تسهيل عمليات الدفع للتجار والمستوردين، وتحسين خدمات التحويل للسوريين في الخارج، إضافة إلى تقليص الاعتماد على النقد المباشر، كما يمنح المصارف العاملة أدوات جديدة لتوسيع خدماتها الإلكترونية، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تخفيف الضغط على التداول النقدي التقليدي.
وكان مصرف سوريا المركزي، أعلن في كانون الأول 2025، الاتفاق مع شركة “فيزا” على خارطة طريق لبناء منظومة مدفوعات رقمية حديثة وتعزيز الشمول المالي في سوريا.
كما وقع المركزي، في أيلول 2025، مذكرة تفاهم مع شركة “ماستر كارد” الدولية، للتعاون في تطوير منظومة المدفوعات الرقمية في سوريا بهدف تطوير البنية التحتية لنظم المدفوعات الرقمية في سوريا، وتبادل الخبرات وتعزيز الشمول المالي، واستكشاف فرص توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات المالية الأساسية لملايين الأشخاص.
