اعتمد “كونجرس الاتحاد الدولي للصحفيين”، قرارًا لدعم وتمكين حرية الإعلام واستقلالية العمل النقابي في سوريا.
القرار المتخذ في المؤتمر العام لـ “الاتحاد الدولي للصحفيين”، المنعقد في باريس، في 7 من أيار، حسبما نقلت رابطة الصحفيين السوريين، تضمن مجموعة من البنود العملية، تمثلت في:
- دعم الصحفيين السوريين وتعزيز استقلالية العمل النقابي، وتمكين رابطة الصحفيين السوريين من ممارسة نشاطها المهني داخل سوريا بحرية واستقلالية.
- الاعتراف بالتعددية واستقلالية النقابات، باعتبارها أحد المؤشرات الأساسية على تطور البيئة الإعلامية.
- توفير دعم مؤسسي وعملياتي لـ “رابطة الصحفيين السوريين”، من قبل الاتحاد ونقاباته الأعضاء، يشمل مجالات التدريب، وبناء الهياكل النقابية، وتعزيز الحماية المهنية للصحفيين والصحفيات.
- تشجيع النقابات الدولية والعربية على تطوير شراكات مباشرة مع الرابطة لدعم الإعلام السوري المستقل.
- أهمية بناء نموذج نقابي حديث في سوريا، يقوم على الاستقلالية، والشفافية، والديمقراطية، وتمثيل الصحفيين دون تمييز، بما ينسجم مع مبادئ التنظيم الذاتي للإعلام والمعايير الدولية للعمل النقابي.
- أهمية استمرار جهود المحاسبة على الانتهاكات الجسيمة التي استهدفت الصحفيين السوريين منذ عام 2011، بما يشمل جرائم القتل والاختفاء والتعذيب، مع التشديد على أن ضمان عدم الإفلات من العقاب يمثل جزءًا أساسيًا من أي عملية إصلاح حقيقية للقطاع الإعلامي.
محاسبة الأطراف واعتراف الحكومة بالتعددية
كما قرر المؤتمر العام ما يلي:
- التأكيد على رفض أي عفو يشمل مرتكبي جرائم قتل الصحفيين في سوريا، والدعوة إلى محاسبة جميع الأطراف المسؤولة عن الانتهاكات الجسيمة بحق الصحفيين منذ عام 2011، بما في ذلك القتل والاختفاء والتعذيب.
- دعوة الحكومة السورية إلى الاعتراف بالتعددية النقابية، وتمكين رابطة الصحفيين السوريين من ممارسة نشاطها المهني والعملي داخل البلاد بكامل الحرية والاستقلالية.
- توفير دعم مؤسسي وعملياتي طارئ للرابطة من قبل الاتحاد ونقاباته الأعضاء، لتعزيز قدراتها في التدريب، وبناء الهياكل النقابية المستقلة، وحماية الصحفيين والصحفيات.
- حثّ الحكومة السورية على اعتماد أسس نقابية جديدة قائمة على: الاستقلالية عن السلطة السياسية، التعددية النقابية، الشفافية والديمقراطية، وتمثيل الصحفيين بلا تمييز، وبما يتوافق مع مبدأ التنظيم الذاتي للإعلام.
- تشجيع النقابات الأعضاء على إبرام اتفاقيات توأمة وشراكات ثنائية مع رابطة الصحفيين السوريين لتقديم الدعم الفني والمادي المباشر، بما يعزز صمود المؤسسات الإعلامية المستقلة في سوريا.
- تكليف اللجنة التنفيذية للاتحاد بمتابعة أوضاع الصحفيين في سوريا، والتنسيق مع رابطة الصحفيين السوريين لتقديم تقارير سنوية حول التقدّم المحرز في حماية الصحفيين وبناء نقابات مهنية مستقلة.
بيئة إعلامية تقوم على الاستقلالية والتعددية
نائب رئيس “رابطة الصحفيين السوريين”، عماد الطواشي، قال لعنب بلدي إن أهمية قرار “الاتحاد الدولي للصحفيين” بشأن الإعلام السوري تكمن في توقيته ودلالاته معًا.
ويأتي القرار بالتزامن مع مئوية تأسيس “الاتحاد الدولي” وفي لحظة تشهد فيها سوريا إعادة تشكّل المجالين السياسي والإعلامي بعد سنوات طويلة من الانغلاق والتشظي.
ويعكس القرار إدراكًا دوليًا بأن سوريا أمام فرصة حقيقية لبناء بيئة إعلامية جديدة تقوم على الاستقلالية والتعددية والتنظيم المهني الحر، وفقًا للطواشي.
ويمنع ذلك إعادة إنتاج نماذج الهيمنة والسيطرة على العمل الإعلامي، ويؤسس لقطاع مهني أكثر قدرة على حماية حرية التعبير وحقوق الصحفيين.
وفي هذا السياق يبرز ما يمكن وصفه بـ”الاستثناء السوري” داخل “الاتحاد الدولي للصحفيين”، حيث حصلت “رابطة الصحفيين السوريين”، التي تأسست في شباط 2012، على عضوية الاتحاد بوصفها جسمًا مهنيًا مستقلًا نشأ خارج البنية النقابية الرسمية التقليدية، نتيجة سنوات من العمل على التنظيم الذاتي للصحفيين، وإنتاج مواثيق الشرف ومدونات السلوك، وبناء فضاء للإعلام المستقل والبديل في سوريا.
وأوضح أن هذا الاستثناء لم يكن وليد ظرف سياسي عابر، بل نتيجة تراكم مهني ونقابي استطاع أن يفرض حضوره واحترامه داخل المؤسسات الدولية المعنية بحرية الصحافة، وأن يقدّم نموذجًا سوريًا مختلفًا في العمل النقابي والإعلامي رغم ظروف الحرب والمنفى والانقسام.
وعلى المستوى العملي، يشكل القرار فرصة مهمة لدعم استقرار البيئة الإعلامية السورية وتعزيز استقلالية المؤسسات المهنية والنقابية، بما ينعكس مباشرة على حماية الصحفيين والصحفيات وتمكينهم مهنيًا وقانونيًا.
كما يسهم في تطوير بيئة إعلامية أكثر توازنًا وقدرة على مواكبة المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا.
إطار الشراكة لا باب الوصاية
ويرى نائب رئيس رابطة الصحفيين السوريين، أن القرار يفتح الباب أمام توسيع التعاون مع النقابات والمؤسسات الدولية ذات الخبرة، ليس من باب الوصاية أو فرض الإملاءات، بل في إطار الشراكة المهنية وتبادل الخبرات، بما يساعد على تجنب الإخفاقات التي شهدتها تجارب انتقالية أخرى في المنطقة.
وتبرز أهمية القرار مع اقتراب مناقشة ملفات تشريعية مرتبطة بقانون الإعلام وقانون الجرائم الإلكترونية، حيث تمثل هذه المرحلة فرصة حقيقية لبناء إطار قانوني حديث يحمي حرية التعبير ويعزز استقلالية القطاع الإعلامي.
وفي هذا السياق، يشرح الطواشي أن أهمية الشراكة بين الرابطة والمؤسسات المهنية السورية ووزارة الإعلام تبرز في صياغة هذه التشريعات، بما يضمن أن تكون القوانين ناتجة عن حوار مهني وتشاركي يوازن بين حماية الحريات وتنظيم القطاع الإعلامي وفق المعايير الدولية.
كما أن تعزيز التعددية النقابية واستقلالية الأجسام المهنية يشكل إحدى الضمانات الأساسية لعدم احتكار التمثيل المهني أو إخضاعه لأي مرجعية واحدة، خصوصًا في المرحلة الانتقالية التي تحتاج إلى مؤسسات قادرة على الدفاع عن حرية الصحافة لا التكيّف مع أي سلطة سياسية كانت.
وفي هذا الإطار، فإن وجود نقابتين سوريتين منتسبتين للاتحاد الدولي للصحفيين يجب أن يُنظر إليه بوصفه مكسبًا مهنيًا واستراتيجيًا، بحسب تعبيره.
وفسر ذلك بأن التعددية النقابية ليست حالة انقسام، بل ضمانة للاستقلالية وتوسيع التمثيل المهني وتقديم رؤى أكثر تنوعًا وقدرة على الدفاع عن حرية الصحافة في سوريا.
ويعكس التصويت بالإجماع مع رفض صوت واحد القرار، وجود قناعة واسعة داخل الاتحاد الدولي بأهمية دعم المسار الإعلامي السوري الجديد ومساندة المؤسسات المهنية السورية في هذه المرحلة الحساسة، بحسب ماختم به الطواشي.
تطوير برامج الدعم والتأهيل
بدوره، أكد السكرتير العام لـ”الاتحاد الدولي للصحفيين”، أنتوني بلانجي، أن الاتحاد يقف إلى جانب الصحفيين السوريين في جهودهم لبناء قطاع إعلامي مستقل ومهني.
وشدد على أهمية دعم الاستقرار المهني والحقوق النقابية، وتعزيز بيئة آمنة تتيح للصحفيين أداء عملهم بحرية ومسؤولية.
وأضاف أن الاتحاد سيواصل العمل مع “رابطة الصحفيين السوريين”، والنقابات الأعضاء لتطوير برامج الدعم والتأهيل والحماية، ومتابعة أوضاع الإعلاميين السوريين خلال المرحلة المقبلة.
وأشار بلانجي إلى أن وجود مؤسسات إعلامية مستقلة ونقابات مهنية قوية يشكل أحد العناصر الأساسية لاستقرار أي بيئة إعلامية حديثة، مؤكدًا أهمية دعم التجارب المهنية الناشئة في سوريا خلال المرحلة الانتقالية.
عودة الصوت الصحفي السوري للفضاء الدولي
بدوره، اعتبر “اتحاد الصحفيين السوريين”، الذي حضر فعاليات مؤتمر “الاتحاد الدولي للصحفيين”، أن المؤتمر جاء في خطوة تعكس عودة الصوت الصحفي السوري إلى الفضاء المهني الدولي، وتعزيز حضور الصحفيين السوريين في المحافل النقابية والإعلامية العالمية.
وشكل المؤتمر منصة مهمة للنقاش حول مستقبل الصحافة وحرية الإعلام والتحديات التي تواجه العمل النقابي في مختلف دول العالم، إضافة إلى التأكيد على أهمية حماية الصحفيين وتعزيز استقلالية المؤسسات النقابية والمهنية.
كما حملت المشاركة السورية أهمية خاصة في ظل التحولات التي يشهدها القطاع الإعلامي السوري، وفتحت المجال أمام توسيع التعاون مع المؤسسات والاتحادات الدولية، وتبادل الخبرات، وتعزيز حضور الصحفيين السوريين ضمن النقاشات المتعلقة بحرية التعبير وتطوير البيئة الإعلامية، بحسب بيان الاتحاد.
وأوضح أن القرار يعكس اهتمام الأسرة الصحفية الدولية بواقع الصحافة السورية، وأهمية دعم مسار تطوير البيئة الإعلامية في سوريا، خاصة مع النتائج الايجابية التي حققتها سوريا في مؤشرات حرية الصحافة والتعبير.
تقدم في تصنيف حرية الصحافة
وحققت سوريا تقدّمًا في تصنيف حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، مسجلة أكبر قفزة عالمية بعد سنوات من تصنيفها ضمن قائمة أسوأ عشرة بلدان في العالم على صعيد حرية الصحافة.
وأصدرت منظمة “مراسلون بلا حدود” تصنيفها السنوي بشأن حرية الصحافة لعام 2026، محذرة من وصول حرية الإعلام إلى أدنى مستوياتها منذ 25 عامًا.
وذكر التصنيف الصادر في 30 من نيسان الماضي، أن أكثر من نصف بلدان العالم (52.2%) باتت تندرج ضمن المنطقة “الصعبة” أو “الخطيرة للغاية”، وهي سابقة تاريخية منذ انطلاق التصنيف عام 2001، حيث تآكل الحق في الوصول إلى المعلومات تحت ضغط تشريعات الأمن القومي وتجريم العمل الصحفي.
وقد أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، وقُدمت هذه المدونة باعتبارها مرجعًا معياريًا يهدف إلى تنظيم العمل الإعلامي وتعزيز مبادئ الدقة والمسؤولية المهنية.
وتسعى المدونة إلى تنظيم العمل الإعلامي وفق مبادئ مهنية وأخلاقية توازن بين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية، بما يسهم في حماية المصلحة العامة وتعزيز السلم الأهلي.
كما تحظر المدونة نشر أو ترويج خطاب الكراهية أو التحريض على العنف أو التمييز الطائفي أو العرقي، مؤكدة أن دور الإعلام يتمثل في تعزيز قيم التعايش والاحترام المتبادل بين مكونات المجتمع.
