أعلنت البعثة الألمانية لدى الأمم المتحدة، في 10 من حزيران، عن تقديم مليون دولار لدعم المؤسسة المستقلة لشؤون المفقودين في سوريا.
وأوضحت البعثة أن هذه الخطوة تأتي بالتعاون مع الحكومة السورية، بهدف مساندة عائلات المفقودين وتعزيز الجهود الرامية إلى تحقيق المصالحة.
كما أكدت التزام ألمانيا بدعم مسار الاستقرار والمساهمة في بناء مستقبل مستدام لسوريا.
من جانبها، أعربت رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، كارلا كوينتانا، عن تقديرها للدعم الألماني، مشيرة عبر منصة “إكس” إلى سعادتها بالنقاش الذي جمعها مع وزيرة الدولة الألمانية سيراب غولر حول الجهود المشتركة المبذولة للبحث عن المفقودين، والدور المحوري لهذه العملية في إعادة الإعمار وترسيخ السلام.
وأكدت كوينتانا امتنان المؤسسة لالتزام ألمانيا المستمر ودعمها السياسي والمالي لجهود البحث عن المفقودين في سوريا.
و شهدت حلقة نقاش نظمتها وزارة الخارجية الألمانية الاتحادية مشاركة ممثلين عن المجتمع المدني السوري، إلى جانب لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا وكارلا كوينتانا، أولويات وآليات التنسيق المتعلقة بالجهود الهادفة إلى كشف مصير وأماكن وجود جميع المفقودين في سوريا.
لا إحصائيات رسمية لعدد المفقودين
في مقابلة مع منظمة “ميديكو إنترناشونال”، أوضحت كارلا كوينتانا أن تقديرات أعداد المفقودين في سوريا قدرت بنحو 130 ألف شخص عند سقوط نظام الأسد.
وأضافت أنه بعد تأسيس الهيئة الوطنية لشؤون المفقودين في أيار 2025، صرح المفوض بأن العدد قد يصل إلى نحو 300 ألف مفقود في سوريا، في حين لا تزال حتى اليوم لا توجد إحصائيات رسمية دقيقة.
وأكدت كوينتانا أنها تعمل في ملف حالات الاختفاء منذ أكثر من عقدين، لكنها لم تشهد أزمة مماثلة من قبل، حيث لا تكاد تخلو عائلة في سوريا من فقدان أحد أفرادها أو أكثر، مشيرة إلى أن الحجم الحقيقي للمأساة لا يزال مجهولًا.
شرحت كارلا كوينتانا آلية عمل المؤسسة في ملف المفقودين، مؤكدة أن فهم سياق الاختفاء هو الخطوة الأساسية لبناء استراتيجية بحث فعالة.
التعامل مع قضية واسعة النطاق مثل الحالة السورية، بحسب كوينتانا، يختلف جذريًا عن حالات الاختفاء الفردية، إذ يتطلب الأمر دراسة الأنماط والسياقات العامة بدلًا من التركيز على كل حالة على حدة.
وأشارت إلى أن حالات الاختفاء في سوريا تتداخل ضمن سياقات متعددة، تشمل الاعتقالات التي نفذتها قوات النظام السابق، وحالات اختفاء الأطفال الذين وُضعوا تحت الحماية، إضافة إلى الأشخاص الذين اختطفهم “تنظيم الدولة”، فضلًا عن حالات مرتبطة بالهجرة.
وهذا ما يجعل البحث أشبه بتجميع فسيفساء معلومات ضخمة، تعتمد على مصادر متعددة تشمل العائلات، والشهود، والجناة، والسلطات، باعتبارهم جميعًا مصادر محتملة للمعلومات، وفقًا لكوينتانا.
كما شددت رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا على أهمية الوصول إلى الوثائق الحكومية، وأرشيفات منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية.
فيما لفتت إلى أن المجتمع المدني السوري تمكن من الاحتفاظ بنسخ من بعض هذه الأرشيفات حتى قبل سقوط النظام السابق.
وأشارت كوينتانا أيضًا إلى الدور المهم الذي تلعبه بلدان الشتات، حيث يعيش السوريون هناك، وتنشط منظمات المجتمع المدني فيها، كما أن السلطات في تلك البلدان لديها معلومات. ومنها ألمانيا.
ركائز لنجاح المسار
نجاح هذا العمل، بحسب كوينتانا، يعتمد على توفر إرادة سياسية على المستويين الوطني والدولي لتنسيق الجهود وتمويلها ودعمها، مشيرة إلى أن هذه هي المرة الأولى التي تنشأ فيها مؤسسة دولية متخصصة تواكبها لجنة وطنية بولاية مماثلة.
كما أوضحت أن ثقة العائلات تمثل ركيزة أساسية، إذ لا يمكن الوصول إلى المعلومات دون تعاونها، مشيرة إلى أن العائلات نفسها كانت من دفعت باتجاه إنشاء المؤسسة عام 2023، وأن هناك حاليًا جهودًا لتوسيع قنوات التواصل ودعم الأسر.
أما الركيزة الرابعة، فأشارت إلى اعتماد منهجية شاملة في البحث، تقوم على تبادل المعلومات وتحليلها، بما يتيح بناء فرضيات جديدة حول أماكن وجود المفقودين.
وتطرقت كارلا كوينتانا إلى طبيعة التواصل مع الحكومة الحالية في سوريا والتطورات التي أعقبت سقوط النظام السابق.
وقالت كوينتانا إنه قبل سقوط النظام السابق لم يكن مسموحًا للمؤسسة بدخول سوريا، بينما هناك تقدمًا في الوضع الحالي، في اتجاه الانفتاح والتعاون.
جدل الأدلة
ولا يزال ملف المفقودين في سوريا يخطو بخطوات بطيئة بعد نحو عام ونصف على سقوط النظام، خاصة مع غياب إطار ناظم لجمع المعلومات والأدلة، وهو ما كشفت عنه مؤخرًا قضية أولاد الدكتورة رانيا العباسي.
وعلى خلفية القضية، طالبت وزارة الخارجية السورية جميع الدول والمنظمات الدولية التي تملك معلومات أو وثائق أو أدلة تتعلق بالشأن السوري مشاركتها مع الجهات السورية المختصة.
وأضافت الوزارة في بيان، في 7 من حزيران، أن الهدف من الخطوة يتمثل في تمكين الجهات السورية من الاستفادة من هذه الوثائق، لخدمة الضحايا وذويهم في كشف الحقيقة ودعم جهود العدالة الانتقالية والمساءلة والتعافي الوطني.
وأكدت الخارجية أن إتاحة المعلومات المطلوبة في الوقت المناسب، يمثل عاملًا أساسيًا في الحد من معاناة ذوي الضحايا.
كما يعزز الثقة بالمؤسسات الوطنية ويدعم عمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين، بهدف ترسيخ السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي.
وأبدت الوزارة استعدادها للتعاون مع جميع الشركاء المعنيين، لتطوير الشراكات وتعزيز قدرات المؤسسات السورية المختصة.
