من دمشق إلى بغداد.. توم براك وهندسة النفوذ الأمريكي

  • 2026/06/14
  • 2:33 م
لمى قنوت

لمى قنوت

enab_get_authors_shortcode

لمى قنوت

يطرح تعيين توم براك مبعوثًا رئاسيًا خاصًا في كل من سوريا والعراق، إضافة إلى كونه سفيرًا للولايات المتحدة في تركيا، أسئلة حول الاستراتيجية الأمريكية في جمع ملفات ثلاث دول في يد رجل واحد، وهل انتقلت واشنطن من إدارة أزمات ومسارات شبه منفصلة، عابرة للحدود، إلى إدارة مسرح جيوسياسي واحد، ذي ملفات متشابكة، يمتد من شرق المتوسط إلى شمالي العراق؟

دبلوماسيًا، لا يعتبر هذا التعيين اعتياديًا، فالإدارة الأمريكية التي انسحبت عسكريًا من سوريا والعراق، باستثناء قاعدة واحدة في إقليم كردستان العراق، تنظر إلى هذا القوس الجيوسياسي الممتد كمنظومة أمنية واقتصادية واحدة، وترابط بنيوي بين عدة ملفات مشتركة في كل من سوريا والعراق.

وتتشعب قراءات وأبعاد المنطق البنيوي لتعيين براك في هذه الكتلة الإقليمية، ويكمن أولها في مواجهة نفوذ إيران، فرغم كسر الجسر البري الواصل من إيران إلى لبنان في إسقاط نظام الأسد، ما زال هناك هاجس من استغلال إيران لأي فراغ أو هشاشة أمنية- سياسية تعيد من خلالها نفوذها وشبكات التهريب، وقد سبق أن أعلنت السلطة الانتقالية عن اعتراضها لشحنات أسلحة متوجهة إلى “حزب الله” في لبنان.

وتتموضع سياسة الحوافز التي تتبعها واشنطن بعد كسر هذا الجسر، وفي ظل المتغيرات الجيوسياسية بعد الحرب على إيران وتحكمها في مضيق هرمز، إلى البحث عن بدائل أخرى لممرات الطاقة تقع في إطار نفوذها، مثل تلك التي تعتمد على موقع سوريا الجغرافي، وبضمنه الميناءان في بانياس وطرطوس، لتربط بين العراق والخليج، وبين وتركيا والاتحاد الأوربي، وذلك وفق وثيقة أعدها توم براك، بعد إعلان “انبهاره” بقيادة الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، خلال توقيع مذكرات تفاهم مع شركة أمريكية وقطرية للتنقيب عن الغاز والنفط بالمياه الإقليمية في سوريا، معتبرًا أن “القيادة السياسية ركيزة أساسية في مرحلة التعافي والاستقرار”.

وتضم وثيقة براك أيضًا، إعادة تأهيل القطاع النفطي من قبل شركات أمريكية وسعودية وقطرية وإماراتية، وإحياء لخط كركوك- بانياس الممتد من العراق عبر سوريا إلى المتوسط، وخط غاز قطر- تركيا الذي يربط بين الخليج وسوريا عبر الأردن، ومنها إلى تركيا وأوروبا، إضافة إلى خط غاز أذربيجان- كلّس وحلب، وأخيرًا خط الغاز العربي، من مصر ثم الأردن وسوريا إلى تركيا.

ومن خلال خطوط الطاقة البديلة، يبرز الترابط الاقتصادي بين سوريا، والعراق الذي يمتلك ثروة نفطية هائلة لكنه مكبل بمنظومة فساد ضخمة مرتبطة بالنفوذ الإيراني، بينما تمثل تركيا بوابة العبور الطبيعية للطاقة نحو أوروبا. ولا شك أن المواجهة الأمريكية للنفوذ الإيراني في العراق هي الأصعب، لأنه نفوذ أيديولوجي- مؤسسي عميق.

ويكمن التناقض الكثيف في المشهد العراقي بأن كلًا من واشنطن وطهران تدعمان، وبحماس، رئيس الوزراء علي الزيدي، وتضغط عليه واشنطن للمضي قدمًا في سحب السلاح من الفصائل الموالية لإيران، وحصره بيد الدولة، وحل أو دمج “الحشد الشعبي” داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية، بينما حذر قائد “قوة القدس” في “الحرس الثوري”، اللواء إسماعيل قاآني، “الإطار التنسيقي”، وهو أكبر كتلة في البرلمان موالية لإيران، من “تقديم تنازلات للولايات المتحدة في مسألة نزع سلاح الميليشيات مقابل الحصول على مناصب حكومية”.

والحكومة العراقية التي اكتشفت مؤخرًا في صحراء النخيب قاعدتين إسرائيليتين سريتين، بمحض المصادفة، أسهمت فصائل عراقية وقوات إيرانية في دعم إيران بالحرب الأمريكية- الإسرائيلية التي استهدفتها، ويسعى الزيدي، الذي وصل إلى منصبه بدعم من “الإطار التنسيقي”، إلى فتح تحقيق بالهجمات التي طالت دولًا خليجية بالطائرات المسيّرة من أراضيه، من خلال تشكيل “لجنة تحقيق رفيعة”، وهو منسجم مع السياسة العراقية الرسمية الرافضة لاستخدام أراضيها وأجوائها لشن هجمات على دول الجوار.

الملف المشترك والمتزامن الذي يتابعه براك في كل من سوريا والعراق هو نقل احتكار القوة من الفاعل شبه الدولاتي إلى الدولة المركزية، ففي سوريا كانت المتابعة، ولا تزال، حثيثة لإتمام تنفيذ اتفاق “قسد” مع السلطة الانتقالية، وفي العراق، تكمن المسألة  في تعدد حاملي السلاح داخل الدولة وخارجها في آن واحد، بمعنى أن الميليشيات موجودة في البرلمان والاقتصاد والأمن، والرابط بين الملفين في هذا الشريط الحدودي جغرافي أمني، قد يجعله ملفًا واحدًا بالنسبة لواشنطن، ففي المنطقة، شرقي سوريا وغربي العراق، التي كانت تمر عبرها الإمدادات الإيرانية، وانتشرت فيها خلايا “داعش”، تعاني من هشاشة أمنية وسياسية.

بالطبع، لا يتوقف التدخل المباشر لبراك في سوريا على القضايا المذكورة أعلاه، بل يمتد للعديد من القضايا الجوهرية، كملف رفع العقوبات، والاستثمار، وهندسة اتفاق حول السويداء بمشاركة الأردن في 16 من أيلول 2025، بعد الجرائم الدامية التي حصلت عبر موجات عنف متكررة، ولقاءات تمت بين السلطة الانتقالية والاحتلال الإسرائيلي، وانضمام سوريا للتحالف ضد “داعش” وغيرها من الملفات.

يتسق نهج براك بمنطق “الصفقة”، أو ما يطلق عليه في إدارة العلاقات الدولية بـ”الدبلوماسية التعاقدية”، حيث تُعامل المشكلات السياسية والأمنية كصفقات قابلة للتفاوض، يُقايض فيها كل طرف مصالحه بمصالح الآخر للوصول إلى اتفاق يُرضي الأطراف في لحظتها الراهنة، دون أن تشترط بالضرورة بناء مؤسسات ضامنة، أو تسوية التناقضات البنيوية العميقة التي أفرزت الأزمة أصلًا، وهو نهج يُشابه نهج السلطة الانتقالية، التي تشيد بها الإدارة الأمريكية.

مقالات متعلقة

  1. ترامب يعين براك مبعوثًا رئاسيًا إلى سوريا والعراق
  2. إنهاء مهام توم براك كمبعوث أمريكي خاص إلى سوريا
  3. عهد ترامب للرئاسة العقارية
  4. براك مبعوثًا رئاسيًا.. هل تغيّر موقع سوريا في الحسابات الأمريكية؟

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي