سجّل سعر الفروج في الأسواق المحلية قفزة واضحة خلال أيام قليلة، بالتزامن مع قرار وزارة الزراعة وقف استيراد الدواجن، ما أعاد فتح التساؤل حول أسباب الارتفاع: هل هو نتيجة مباشرة للقرار أم امتداد لأزمة إنتاج أعمق؟
وبحسب رصد حركة السوق، ارتفع سعر كيلو الفروج الريش في المحال التجارية من 17 و18 ألف ليرة قبل القرار إلى نحو 22 إلى 23 ألف ليرة بعده، بحسب تسعيرة الجمعة 19 من حزيران.
ويأتي ذلك وسط حديث رسمي عن خسائر متراكمة أصابت قطاع الدواجن خلال الأشهر الماضية وأدت إلى تراجع الإنتاج وخروج عدد من المربين من السوق، مقابل مخاوف مستهلكين من انعكاس ذلك على القدرة الشرائية.
تفسير رسمي للارتفاع
نفت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك وجود ارتباط مباشر بين ارتفاع الأسعار الحالي وقرار وقف الاستيراد، معتبرة أن الزيادة هي نتيجة مسار تدريجي سابق.
وفي تصريح لعنب بلدي، أوضح مدير مديرية حماية المستهلك وسلامة الغذاء، حسن الشوا، أن المربين تعرضوا خلال الفترة الماضية لخسائر أثرت على دورات الإنتاج اللاحقة، وأدت إلى عزوف بعضهم عن التربية، ما انعكس على حجم المعروض في السوق.
وبحسب الشوا فإن الأسعار الحالية تقترب من التكلفة الفعلية للإنتاج، بعد فترة طويلة من البيع دون هامش ربح كافٍ.
الجهات المعنية ستعمل على مراجعة وتدقيق سلسلة التسعير كاملة، بحسب الشوا، بدءًا من المربي مرورًا بالمسالخ وصولًا إلى منافذ البيع، ضمن إجراءات تنسيقية بين لجنة الدواجن ووزارة الزراعة ومديرية حماية المستهلك وسلامة الغذاء، بهدف تنظيم السوق بشكل مستدام، وإطلاق آلية نشرة تأشيرية سعرية أسبوعية لمتابعة حركة الأسعار وضبطه.
وفي المقابل، ترى المؤسسة العامة للدواجن أن قرار وقف استيراد فروج الريش وصوص البياض وصوص الريش يشكل خطوة لدعم المنتج المحلي وتعزيز ثقة المربين وتشجيع الاستثمار في القطاع.
ونقلت وكالة “سانا” الرسمية عن المدير العام للمؤسسة، فاضل حاج هاشم، قوله إن القرار حظي بارتياح في أوساط المربين، مشيرًا إلى أن القطاع يتجه نحو تعزيز حضوره في الأسواق الخارجية، في وقت تعمل فيه الجهات المعنية على ضبط مدخلات الإنتاج والحد من التقلبات السعرية.
قطاع يتراجع قبل القرار
لم يأتِ قرار وقف استيراد الدواجن بمعزل عن سياق طويل من التحديات التي واجهت القطاع، إذ سبقه تراجع تدريجي في الإنتاج نتيجة خسائر متراكمة دفعت العديد من المربين إلى تقليص نشاطهم أو الخروج من الدورة الإنتاجية.
وفي تقارير سابقة لعنب بلدي، تحدث مربو الدواجن من(دمشق، اللاذقية، حماة) عن مجموعة من المشكلات التي أثرت على استمرارية القطاع، أبرزها:
- ارتفاع أسعار الأعلاف وحوامل الطاقة والأدوية البيطرية.
- نفوق أعداد من الطيور نتيجة الأمراض وموجات البرد في الشتاء الماضي.
- الاعتماد على مكاتب التمويل وما يرافقه من أعباء مالية وديون متراكمة.
- مشكلات التسويق والتسعير وعدم استقرار العوائد.
- شراء مستلزمات الإنتاج بالدولار مقابل بيع المنتج بالليرة السورية.
وأشار المربي برهان مروة من اللاذقية، لعنب بلدي، إلى أن تحديد سعر الفروج الحي عند نحو 1450 دولارًا للطن يسهم في تقليص الفجوة بين كلفة الإنتاج وسعر المبيع مقارنة بالفترات السابقة، ما قد يخفف من حدة الخسائر التي تكبدها المربون خلال دورات إنتاج سابقة، ويقرب بعضهم من نقطة التعادل، دون أن ينعكس ذلك بشكل موحد على جميع المنتجين، في ظل تفاوت التكاليف بين المداجن.
ويعتمد مروة في تقديراته على هيكل تكلفة يشمل الأعلاف والأدوية البيطرية والطاقة والعمالة، إضافة إلى كلفة الصوص، ما يضع هامش الربح عند مستويات ضيقة جدًا أو يجعله سلبيًا في بعض الدورات الإنتاجية.
تراكمات بنيوية في القطاع
يؤكد الخبير في الثروة الحيوانية والنباتية، عبد الرحمن قرنفلة، في حديث سابق لعنب بلدي، أن الأزمة تعود إلى تراكمات بنيوية منذ نشأة قطاع الدواجن في سوربا، جعلته أكثر هشاشة أمام تقلبات السوق.
وتشمل هذه التراكمات ضعف التنظيم والتخطيط الإنتاجي، وتفاوت أحجام المربين ومستويات الكفاءة، إضافة إلى ارتفاع غير مستقر في كلف الإنتاج، ما أدى إلى فقدان التوازن بين العرض والطلب.
ويضيف أن المنافسة مع المنتج المستورد وارتفاع التكاليف دفعا كثيرًا من المربين إلى البيع بخسارة، ما تسبب في استنزاف رأس المال وخروج جزء من المنتجين من السوق، وانعكس لاحقًا على حجم الإنتاج.
سوق بين دعم الإنتاج وحماية الاستهلاك
تكشف أزمة الدواجن عن معادلة اقتصادية واجتماعية أكثر تعقيدًا من مجرد ارتفاع في الأسعار، إذ يجد المربون أنفسهم أمام محاولة استعادة دورة إنتاج فقدت توازنها خلال السنوات الماضية، فيما يواجه المستهلكون موجة أسعار تتحرك بوتيرة أسرع من قدرتهم الشرائية.وبين هذين الطرفين، لا يبدو أن قرار وقف الاستيراد وحده قادر على ضبط السوق أو تفسير تقلباته، في ظل ارتباط الأسعار بسلسلة طويلة من الكلف الإنتاجية المتراكمة واختلالات البنية التنظيمية للقطاع.
وتبقى الإشكالية الأساسية في قدرة السياسات الحالية على الانتقال من إجراءات ظرفية إلى معالجة هيكلية، تعيد التوازن بين دعم المنتج المحلي وضبط السوق، في قطاع يتأثر سريعًا بأي تغيير في الكلفة أو العرض أو أدوات التدخل الحكومي.
وفي هذا السياق، يطرح الخبير في الثروة الحيوانية عبد الرحمن قرنفلة مجموعة من المقترحات لمعالجة الاختلالات البنيوية في القطاع، أبرزها:
- خفض الرسوم الجمركية على الأعلاف ومستلزمات الإنتاج لتقليل كلفة الإنتاج.
- تحديث وتطوير المداجن والبنية التحتية بما يواكب أساليب التربية الحديثة.
- تعزيز تطبيق معايير الأمن الحيوي للحد من الأمراض وخسائر النفوق.
- دعم إنتاج “الأمهات والجدات” محليًا لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتحسين الاستقرار الإنتاجي.
- تنظيم وضبط سلاسل التسعير والتسويق بما يحد من الفجوات بين المربي والمستهلك.
