يواجه طلاب السنة التحضيرية للكليات الطبية في سوريا أزمة تتعلق بموعد الامتحانات النهائية للفصل الدراسي الثاني، وسط احتجاجات طلابية اتسعت رقعتها من إدلب إلى حماة ودمشق.
ويرى الطلاب أن الوقت المتبقي للإعداد لا يتناسب مع حجم المنهاج الدراسي وكثافته، فضلًا عن تأخر انطلاق الفصل وتراكم المواد الطبية التي تتطلب حفظًا وتركيزًا عاليين.
بينما تقابل مطالبهم بتأجيل الموعد أسبوعين بصمت رسمي، وسط شعور عام بأن مستقبل عشرة آلاف طالب صار رهينة تقويم جامعي لم يتغير.
وقفات احتجاجية
حسن الحاج قدور، طالب سنة تحضيرية في جامعة إدلب، قال لعنب بلدي، إن طلاب الدفعة خرجوا في وقفة احتجاجية داخل جامعتهم، مؤكدًا أن جميع المحافظات شهدت وقفات مماثلة، لكن دون استجابة تذكر.
وأضاف: “ليتهم يخرجون ويصرحون بأنه لا يوجد تأجيل، حتى نعلم أن صوتنا قد وصل”، في إشارة إلى شعور الطلاب بأن تحركاتهم لا تلقى آذانًا صاغية.
ووصف الحاج قدور موعد الامتحان بأنه “ظالم إلى حد ما”، مستدلًا بأن كليات أخرى بدأت دوامها قبلهم بنحو 20 يومًا، ومع ذلك يأتي موعد امتحاناتهم بعد موعد امتحانات الدفعة التحضيرية.
وطالب قدور بتأجيل الامتحان مدة أسبوعين على الأقل، مشيرًا إلى أن الطلاب يدرسون خمس مواد شديدة الصعوبة، في وقت وصف فيه المنهاج بأنه كثيف يحتاج إلى وقت أطول، بينما الوقت المتاح “ضيق للغاية”.
وانتقد الحاج قدور ما شاب امتحانات الفصل الأول من صعوبة بالغة في بعض المواد وأخطاء في الأسئلة، معتبرًا أن قلة عدد الطلاب التي لا تتجاوز عشرة آلاف، دفعت الجهات المعنية إلى تجاهل مطالبهم.
وشدد على أن الطلاب لا يطلبون أمرًا خارجًا عن حقهم، قائلًا: “معظمنا كان ينوي تعديل المعدل في الفصل الثاني، أما الآن فبالكاد نستطيع رفع المواد”، في إشارة إلى أن الوقت المتبقي لا يكفي لتحسين المعدلات وإنقاذ الفصل.
صدمة بالمنهاج وحلم التعويض يتبخر
من جانبها، قالت تالا العلي، طالبة سنة تحضيرية في جامعة حماة، لعنب بلدي، أن طلاب جامعتها نظموا اعتصامًا للمطالبة بتأجيل الامتحانات أسبوعين على الأقل، بحيث يُحدد الموعد في نهاية الشهر السابع كما جرت العادة.
وعزت العلي جانبًا من الأزمة إلى الانتقال المفاجئ من مرحلة البكالوريا إلى كثافة المنهاج وضخامته، إضافة إلى نظام الكورسات الإلكترونية الذي شكل تجربة جديدة على كثير من الطلاب، فلم يتمكنوا من متابعته مع الفرق التدريسية.
وأشارت إلى أن ظهور نتائج المفاضلة مع بداية شهر تشرين الثاني الماضي أخر التحاق الطلاب فعليًا، فلم تتجاوز نسبة القادرين على متابعة المنهاج 10%، بحسب تالا، معتبرة أن معدلات الفصل الأول لا تعكس المستوى الحقيقي للطلاب، وأن الأمل كان معقودًا على الفصل الثاني لتقديم “النسخة الأفضل والحقيقية” من أنفسهم.
ولكن هذا الأمل يصطدم الآن بواقع مختلف، فمواد الفصل الثاني طبية بحتة، وتحتاج إلى “تركيز” بحسب تعبيرها، ولا يمكن تركها للأسبوع الأخير. وأضافت: “صار حلمي الآن أن أحصل على معدل يماثل الفصل الأول فقط”، في تعبير عن تقلص الطموح تحت وطأة ضيق الوقت.
وأوضحت أنه مع نهاية حزيران الحالي لن تتمكن من إنهاء أكثر من مادتي الفيزيولوجيا والوراثة، في وقت صدر فيه برنامج الحملة الوطنية للتمريض بالتزامن مع فترة الامتحانات، ما عمق شعور الطلاب بالتجاهل.
التوتر الدائم وفقدان الشغف صارا سمتين ملازمتين للطلاب، بحسب تالا العلي، فجو التنافس وحده يشكل عامل ضغط، والخطة الدراسية المثالية المطلوب السير عليها تمثل تحديًا كبيرًا بحد ذاتها، ليزداد الوضع سوءًا بشعور الخوف المستمر الذي يقلل التركيز والثقة بالقدرات.
وذكرت العلي أن استفتاء جرى عبر مجموعة الدفعة، شارك فيه 1700 طالب سجلوا أرقامهم الجامعية مؤيدين للتأجيل، وأن كل جامعة قدمت معروضًا أو كتابًا رسميًا.
وكان من المقرر أن يناقشها وزير التعليم العالي، الدكتور مروان الحلبي، لكنها لم تسمع بأي نتيجة حتى الآن.
لا اكتراث من الوزارة
بدوره، أكد مشرف شؤون الطلاب في جامعة حماة، عبد الرحمن عبد الرحمن، لعنب بلدي، أن المشكلة لا تخص حماة وحدها، بل تمتد لتشمل طلاب سوريا جميعًا.
وأوضح عبد الرحمن، أنه وزملاءه من الأطباء المشرفين تقدموا بمعروض ووثائق للوزارة، لكنهم لا يعلمون إن كانت قد أُحيلت إلى المعنيين وتمت متابعتها أم لا.
وشرح طبيعة الشكوى التي تتلخص في أن الفصل الدراسي الثاني لم يتجاوز شهرين، تخللتهما عطل رسمية، وهذا لا يكفي لدراسة خمس مواد وصفتها شهادات زملائه في بقية المحافظات ومنها حماة بـ”الضخمة”، فضلًا عن الدوام العملي ومشقة المواصلات للقادمين من الريف.
وكشف أن الطلاب لم ينتهوا بعد من الدوام العملي ولا من امتحاناته، وبالمقارنة مع الدفعات السابقة يظهر الفارق جليًا.
وانتقد عبد الرحمن تعامل وزارة التعليم العالي برئاسة الوزير مروان الحلبي، قائلًا إنها لم تبدِ أي اكتراث، فلم تخرج بتصريح يوضح إن كان الطلب مرفوضًا أم مقبولًا أم قيد الدراسة، واصفًا هذه الأمور بأنها ليست أسرارًا ولا تستدعي التكتم، بل على العكس، من شأن التوضيح أن يريح الطالب.
وأكد أن المعروض المقدم للوزارة شاركت فيه محافظات مختلفة، وموثق بأرقام الطلاب وموافقاتهم، دحضًا لأي تصور بأن المنهاج قليل أو أن الوقت كافٍ.
وأشار عبد الرحمن على الأعباء الملقاة على عاتق الطالب، الذي يعيش في الريف ويواجه عناء المواصلات لحضور المحاضرات النظرية، ويواجه ضغط الدوام العملي والواجبات المنزلية والقرابية وحتى الترفيه البسيط..
محاولات للوصول إلى الوزير
شادن عجاج، طالبة سنة تحضيرية في جامعة دمشق، روت محاولتها وزملاءها إيصال صوتهم إلى أعلى مستويات الوزارة.
وقالت لعنب بلدي إن الطلاب خرجوا في احتجاج، ثم توجهت رفقة زميلة لها إلى مبنى الوزارة، حيث قيل لهما إن الموعد مناسب للغاية.
وأضافت عجاج أنها وزميلتها توجهتا إلى رئيس الديوان وقدمتا طلبًا موقعًا، فأُرشدتا إلى مكتب الوزير شخصيًا لتسليمه. لكن عناصر مرافقة الوزير الموجودين أمام الغرفة منعوهما من الدخول، بحجة وجود اجتماع ضروري.
وأرجعت العجاج تصور الوزارة أن الطلاب بدأوا دوامهم في 5 من آذار ، موضحة أن آخر امتحان للفصل الأول كان في 28 من الشهر ذاته، وأن النتائج تأخرت.
وقارنت بين دوام العام الماضي الذي استمر ثلاثة أشهر ونصف الشهر، ودوام هذا العام الذي لم يتجاوز الشهرين، مؤكدة أن المطلب ليس أكثر من أسبوعين.
وشددت على أن مواد هذا الفصل طبية، وتحتاج إلى وقت كافٍ للتركيز والمراجعة والتثبيت، لا لدراسة شيء جديد في الأسبوع الأخير، وقالت “نريد أن ندخل الامتحان ونحن فاهمون، لا أن نحفظ فحسب”
وانتقدت عجاج الطريقة التي تفهم بها الوزارة المشكلة، إذ تظن أن الاعتراض ينصب على موعد العملي لا النظري، متسائلة: “أيُعقل أن يُضبط تقويم جامعة على حساب مستقبل عشرة آلاف طالب؟”.
ويأمل طلاب السنة التحضيرية أن تستجيب الجهات المعنية لمطلبهم بتأجيل موعد الامتحانات النظرية مدة أسبوعين على الأقل، قبل أن يتحول الحلم الأبيض إلى رهينة لتقويم جامعي يحتاج إلى تعديل، على حساب مستقبل عشرة آلاف طالب مقبلين على المهن الطبية.
