جيل كسول فاقد للدوافع.. استشارية تشخص الأسباب والحلول

  • 2026/06/21
  • 5:53 م
فقدان دافعية الشباب يرتبط بالضغط الرقمي والدلال الأسري والمقارنة الاجتماعية ما يستدعي حلولًا تربوية وسلوكية لتعزيز الالتزام وبناء الذات (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

فقدان دافعية الشباب يرتبط بالضغط الرقمي والدلال الأسري والمقارنة الاجتماعية ما يستدعي حلولًا تربوية وسلوكية لتعزيز الالتزام وبناء الذات (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – شعبان شاميه

يواجه شباب الجيل الحالي اتهامًا دائمًا بالكسل والتقاعس، لكن النظرة التربوية المتعمقة تكشف واقعًا مغايرًا تمامًا، فالأمر لا يتعلق برغبة مطلقة في الخمول، بل بأزمة انخفاض دافعية، وتشتت انتباه، واستسلام سريع للملل والعجز.

خلف قناع الكسل الظاهر، تختبئ صراعات نفسية معقدة، مثل الخوف من الفشل، والمقارنة المستمرة، وفقدان المعنى في عالم أدمن “الراحة السريعة”.

في هذا التقرير، تفكك عنب بلدي عبر مقاربة استشارية المفاهيم المغلوطة، لتضع الشارع والمختصين أمام تساؤلات: هل بات الشباب يرفض التطور صراحة، أم أنه يتخبط في ضبابية الأهداف وغياب الجدوى، أم أن أزمة الثقة بالذات هي المحرك الخفي وراء هذا المشهد؟

تحديات صناعة الذات

في تشخيصها للأزمة، ترى استشارية علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، أن التطور الشخصي بات عقبة حقيقية أمام الشباب في ظل عالم تملؤه المثيرات الخاطفة.

وقالت العرنوس، إن الهواتف الذكية تمنح “متعة فورية”، بينما تعرض المنصات الرقمية نجاحات الآخرين بشكل مكثف، ما يولّد لدى الشاب شعورًا بعدم جدوى أي جهد بطيء أو تقليدي.

وأكدت الاستشارية أن صناعة الذات تتطلب صبرًا وتكرارًا، وقدرة على تحمل الملل، في وقت تدرب فيه البيئة الحديثة الدماغ على السرعة والمكافآت الفورية، مشيرة إلى أن المشكلة الحقيقية غالبًا لا تكمن في غياب الرغبة، بل في تآكل القدرة على الالتزام.

ورغم محورية “إيقاع الحياة المتسارع” في هذه الأزمة، فإنه ليس المتهم الوحيد، بحسب العرنوس، إذ أفرز هذا النمط جيلًا يرى النتائج قبل الجهد، ويتلقى مشاهد الثراء والشهرة والسفر والنجاح، عبر مقاطع رقمية تحجب كواليس التعب والخسارات والتجارب المريرة خلفها.

هذه الصورة المشوّهة تخلق، وفقًا للاستشارية، توقعات غير واقعية تجعل الشاب يربط ذاته بمعادلة صفرية (إما النجاح الفوري وإما الفشل المطلق)، لينتهي به المطاف بالانسحاب المبكر من أي محاولة.

عواقب الدلال الزائد والحماية المفرطة

في قراءتها للبعد التربوي، تحدثت العرنوس عن دور الأسرة، مؤكدة أن بعض الآباء يسهمون في تعميق المشكلة دون قصد، إذ يدفعهم الشعور بالذنب الناتج عن الانشغال أو الانفصال أو الاغتراب، وحتى قسوة طفولتهم السابقة، إلى المبالغة في “التعويض”.

وينعكس ذلك في توفير كل المتطلبات، وحماية الأبناء من أي إحباط، وحل مشكلاتهم نيابة عنهم، ليفاجَأ الأهل لاحقًا بـ”جيل عاجز عن تحمّل المسؤولية”.

وشددت الاستشارية في علم النفس الأسري على أن مفهوم “الحب التربوي” لا يكمن في إزالة العقبات من طريق الأبناء، بل في تدريبهم على مواجهتها وتجاوزها بأمان وثقة.

وحول التبعات التربوية لـ”الدلال الزائد”، حذرت العرنوس من أنه يتسبب في ضمور ما يُعرف بـ”عضلة الاعتماد على النفس”، فعندما ينال الطفل كل رغباته بلا أدنى جهد، يكبر ولديه قناعة مشوّهة بأن الرفاهية حق مكتسب وأن السعي مشقة وظلم.

ومع أول اصطدام بالواقع العملي ومقاييسه القائمة على المنافسة والرفض والانتظار، يقع الشاب في فخ الغضب أو الانسحاب التام.

ولفتت الاستشارية إلى أن الأزمة لا تكمن في منح الحب، بل في تقديم “عاطفة بلا حدود” تحرم الأبناء من التدريب الحقيقي على المسؤولية.

فلسفة “الحزم الدافئ”

في مقابل “الدلال”، ترفض العرنوس فرضية أن تكون “القسوة” هي البديل لصناعة جيل أفضل، معتبرة أن الأساليب الصارمة لا تبني شخصيات قوية، بل تُنتج في الغالب أفرادًا يسيطر عليهم الخوف أو التمرد أو اهتزاز الثقة بالذات.

وتلخص الاستشارية المخرج التربوي الآمن في مفهوم “الحزم الدافئ”، وهو النمط الذي يشعر فيه الأبناء بالحب والدعم، بالتوازي مع وجود قواعد صلبة، وواجبات محددة، وعواقب واضحة للأفعال.

وتعرّف العرنوس “الأسرة الصحية” بأنها تلك التي توازن خطابها، فلا تفرط بالحرية لتقول “افعل ما تشاء”، ولا تسحق الكيان بعبارة “أنت لا تساوي شيئًا”، بل ترسل رسالة واضحة “نحن نحبك ونثق بقدراتك، وعليك أن تتحمّل مسؤولية دورك”.

النصائح الجاهزة تقتل طموح الشباب

أرجعت استشارية علم النفس الأسري عزوف بعض الشباب عن تطوير أنفسهم إلى غياب المعنى الحقيقي وراء هذا التطور.

وأوضحت العرنوس أن النصائح المتكررة التي يتلقاها الشباب، مثل الدراسة والعمل وتعلّم اللغات وممارسة الرياضة، غالبًا ما تُوجّه إليهم بصيغة أوامر فوقية بدلًا من فتح لغة حوار معهم.

وأضافت أن الشاب بحاجة ماسة لفهم علاقته بالحياة وتحديد هويته وأهدافه، من خلال الإجابة عن تساؤلات جوهرية مثل: “من أنا؟”، “ماذا أريد؟”، و”ما قيمة هذا الجهد بالنسبة لي؟”، مؤكدة أنه في حال غياب هذا المعنى، يتحول التطور من دافع للنمو إلى عبء ثقيل يهرب منه.

المقارنة تشل الدافعية

عن دور المقارنة في قتل الدافعية، لفتت العرنوس إلى أنها من أخطر الأسباب، مبينة أن مقارنة الشاب لبدايته بمنتصف طريق الآخرين تولّد لديه شعورًا دائمًا بالتأخر، لا سيما حين يرى أقرانه ينجحون ويسافرون ويتزوجون ويملكون مشاريع، مما يفقده احترامه لخطواته الصغيرة.

وتابعت الاستشارية أن المقارنة لا تحفز دائمًا بل تشل الإنسان أحيانًا وتدفعه للتساؤل عن جدوى البداية وهو لا يزال بعيدًا جدًا.

أبعاد مركبة

حول طبيعة المشكلة، ذكرت العرنوس أنها غالبًا خليط بين أبعاد نفسية، تظهر في القلق والاكتئاب وضعف تقدير الذات والإدمان الرقمي أو الخوف من المسؤولية.

كما أن لها أبعادًا تربوية تتجسد في غياب الحدود والحماية الزائدة والنقد المستمر، أو عدم تعليم الطفل مهارات الحياة، بحسب العرنوس، مشددة على عدم صحة علاج المشكلة بالتوبيخ بل عبر تحقيق فهم أعمق للسلوك.

الكسل المرضي يستوجب الاحتواء

عن كيفية تمييز الأهل للمشكلة النفسية التي يخفيها الكسل، قالت العرنوس إن ذلك يتضح عندما يصاحب الكسل انعزال ونوم مفرط وفقدان للشغف وعصبية شديدة، إضافة إلى إهمال النظافة والشعور الدائم بالفشل، أو الهروب المستمر إلى الهاتف والألعاب.

وأكدت الاستشارية أنه في هذه الحالة لا يتم التعامل مع السلوك ككسل عادي، بل كإشارة تستوجب الاحتواء وربما التدخل المتخصص، معتبرة أن السؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه الأهل ليس “لماذا أنت كسول؟” بل “ما الذي يثقل عليك من الداخل؟”.

خطة الدعم الأسري

فيما يتعلق بالحلول داخل الأسرة، قالت العرنوس إن البداية تكمن في تغيير لغة الحوار، باستبدال عبارات الاتهام مثل “أنت فاشل وكسول” بقول الأهل: “ألاحظ أنك فقدت حماسك، دعنا نفهم ما يحدث”.

وأردفت أن الخطوة التالية تتطلب وضع اتفاقات عملية تشمل تحديد مسؤوليات يومية، ووقت محدد للهاتف، وهدف صغير أسبوعي، إلى جانب المشاركة في شؤون البيت، والمتابعة المستمرة بلا إهانة.

وشددت العرنوس على أن الأمر الأهم يكمن في أن يلمس الشاب أن أهله لا يسعون للسيطرة عليه، بل يهدفون لمساعدته على امتلاك زمام حياته.

خطوات التغيير الذاتي

عن دور الشاب نفسه، قالت العرنوس إنه لا يمكن إعفاؤه تمامًا، إذ إن فهم الأسباب لا يعني تبرير الاستسلام، مبينة أن عليه إدراك أن الحياة لا تكافئ النيات بل الفعل المستمر.

وأضافت الاستشارية أن البداية لا تحتاج إلى حماس كبير، بل إلى خطوة صغيرة يومية، مثل القراءة لـ15 دقيقة، أو المشي لنصف ساعة، أو تعلّم مهارة، وترتيب الغرفة، وإنجاز مهمة مؤجلة، موضحة أن الشخصية لا تتغير بالقرارات الكبيرة، بل تبنى بالعادات الصغيرة المتكررة.

دائرة المسؤولية المشتركة

حول تحديد المسؤولية، أكدت العرنوس عدم وجود متهم واحد، محملة المسؤولية المشتركة لكل من تسارع وتيرة الحياة، والأهل، والمدرسة، والإعلام، والمجتمع، بالإضافة إلى الشاب نفسه.

واعتبرت الاستشارية أن البحث عن المخطئ يعتبر أقل أهمية من فهم الدائرة المتشابكة، إذ تُضعف سرعة الحياة الصبر، ويُفقد دلال الأهل قدرة الأبناء على التحمل، في حين تهز المقارنة ثقتهم بأنفسهم، ويسلبهم الهروب الرقمي إرادتهم، مشيرة إلى أن كسر هذه الدائرة يحتاج إلى تضافر الوعي، والحوار، والحدود، والمعنى.

واختتمت العرنوس بالإشارة إلى أن الجيل الحالي ليس بلا قيمة، بل يعاني الإرهاق من كثرة الخيارات والتشتت من سرعة العالم، محاصرًا بصور نجاح واهمة.

كما أن علاج هذه المشكلة يتطلب من الأسرة الجمع بين الحب والحزم، ومن الشاب التوقف عن انتظار الحافز المثالي، فالتطور الحقيقي لا يرتبط بتحسن الظروف، بل يبدأ بقرار الإنسان تحمل مسؤوليته وسط واقعه الحالي.

مقالات متعلقة

  1. كيف نتخلص من الخمول والكسل في الشتاء
  2. ظاهرة صراع الأبناء والآباء.. أين يقع الخلل؟
  3. ماذنب هذا الطفل الشريد؟
  4. الخوارزميات تعيد ترتيب عالمهم.. مراهقون في مصيدة الهوية الرقمية المستعارة

أسرة وتربية

المزيد من أسرة وتربية