مزرعة الفتيان.. حصار وصمود في خاصرة الجولان المحتل

  • 2026/06/21
  • 2:48 م
تلة تسيطر عليها إسرائيل في ريف محافظة القنيطرة وتشرف على قريتي تل أحمر غربي ومزرعة الفتيان - 4 حزيران 2026 (عنب بلدي/ عبد الله الوني)

تلة تسيطر عليها إسرائيل في ريف محافظة القنيطرة وتشرف على قريتي تل أحمر غربي ومزرعة الفتيان - 4 حزيران 2026 (عنب بلدي/ عبد الله الوني)

enab_get_authors_shortcode

القنيطرة – عبد الله الوني

تعيش قرية مزرعة الفتيان، الواقعة غربي تل أحمر غربي بريف القنيطرة الجنوبي، حصارًا إسرائيليًا من الجانبين الشرقي والغربي، ما فرض واقعًا مختلفًا عليها منذ بدء التوغل الإسرائيلي الذي أعقب الساعات الأولى من سقوط النظام السوري السابق، في 8 من كانون الأول 2024.

يروي هاني عبد الرزاق الفندي، أحد سكان مزرعة الفتيان، لعنب بلدي، تفاصيل عن واقع الحياة في هذه المنطقة، إذ يؤكد أن عائلته أقامت في هذه الأرض منذ زمن الآباء والأجداد، وظلوا متمسكين بها حتى بعد سقوط النظام السوري.

لكن هذا التمسك بالأرض تحول إلى صراع يومي بعد أن استولت إسرائيل على تل أحمر غربي وتل أحمر شرقي، ليجد سكان المزرعة أنفسهم محاصرين بين قوات الجيش الإسرائيلي المتمركزة من جهتي الشرق والغرب.

ولم تكتفِ إسرائيل بالسيطرة على التلال الاستراتيجية، بل تجاوز ذلك إلى تغيير معالم الأرض وقطع أوصالها، حيث أنشأت القوات الإسرائيلية قواعد عسكرية ضخمة وشقت طرقًا خاصة بها عبر الأراضي الزراعية التي تعود ملكيتها للسكان المحليين.

هذه الطرق، التي شُقت لخدمة الأغراض العسكرية الإسرائيلية، أدت إلى قطع الطرق الحيوية التي يستخدمها المدنيون وأهالي القرية، سواء للمشاة أو للآليات.

ولم يعزل هذا الإجراء القرية جغرافيًا فحسب، بل أثر بشكل مباشر على أبسط حقوق السكان، مثل التنقل والوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتعد قرية مزرعة الفتيان نموذجًا حيًا للمعاناة الإنسانية والتحديات الوجودية التي يواجهها السوريون في المناطق المحاذية للجولان المحتل.

تبعد هذه القرية المعزولة حوالي ثلاثة كيلومترات عن قرية كودنة و2800 متر عن قرية الأصبح، وتتميز بتركيبتها الاجتماعية الفريدة، حيث يجمع سكانها رابط القرابة الوثيق، فهم جميعًا من عائلة واحدة.

هذه الخصوصية الاجتماعية تزيد من تماسك الأهالي في وجه الظروف التي فرضتها إسرائيل على حياتهم اليومية.

الحصار وتداعياته على الحياة اليومية

تفاقمت الأزمة بشكل كبير مع إغلاق الطرق الرئيسة المؤدية إلى قرية مزرعة الفتيان.

الطريق الذي يربط المزرعة بقرية كودنة أُغلق بالكامل بسواتر ترابية، كما أُغلق الطريق الواصل مع قرية الأصبح، ما أدى إلى حصار كامل للمزرعة.

وبقي السكان محاصرين لأكثر من شهرين، عاجزين عن تأمين احتياجاتهم الأساسية من الطعام والشراب والدواء، ووصف هاني الفندي، أحد سكان القرية، تلك الفترة بـ”المعاناة الشديدة”، وبعدها قام الأهالي بفتح طرق فرعية لتأمين احتياجاتهم.

هذا الحصار حوّل الحياة اليومية إلى تحدٍ مستمر، وأجبر العائلات على الاعتماد على مواردها الشحيحة في ظل انعدام أي منفذ خارجي.

عنف مباشر.. إصابة وتكاليف للصمود

لم تقتصر معاناة سكان مزرعة الفتيان على الحصار والتهميش، بل امتدت لتشمل العنف المباشر من قبل قوات الجيش الإسرائيلي.

يروي هاني الفندي حادثة مؤلمة تعرض لها ابنه أحمد، الذي كان يرعى الأغنام عندما أطلق عليه الجيش الإسرائيلي رصاصة قناص.

كانت الإصابة بليغة، لكن “لطف الله أعانه على تجاوز إصابته”، بحسب تعبير والده.

هذه الحادثة ليست مجرد رقم في سجل الانتهاكات، بل هي قصة حية تروي حجم المخاطر التي يتعرض لها الأطفال والشباب في هذه المناطق.

وتحملت العائلة تكاليف وأعباء علاجية باهظة في ظل ظروف الحصار الصعبة، مما أضاف عبئًا اقتصاديًا ونفسيًا كبيرًا على كاهلهم.

أكد هاني أنهم لا يمكنهم ترك أرضهم ومنازلهم، فـ”هنا أرزاقنا وليس لدينا بديل، وهنا نرعى مواشينا”.

قرية منسية.. شعور بالتهميش وغياب للخدمات

يشعر السكان في مزرعة الفتيان بأن قريتهم “مهمشة وكأنها ليست في سوريا”، و”نحن شعب سوري لكن غير معترَف بنا”، بحسب تعبير أهالي القرية الذين قابلتهم عنب بلدي.

هذا الشعور بالإنكار والتهميش ينعكس في معاناتهم المستمرة من نقص الخدمات الأساسية، فالمياه والكهرباء والخبز، وهي مقومات الحياة الأساسية، غالبًا ما تكون شحيحة أو غير متوفرة بشكل منتظم.

وتجعل هذه الظروف القاسية الحياة اليومية صعبة، وتزيد من عزلة القرية عن العالم الخارجي.

كما يعاني الطلاب بشكل خاص من هذه الظروف، ففي فصل الشتاء، يضطرون للسير قرابة ثلاثة كيلومترات للوصول إلى مدارسهم، يقطعون السواتر الترابية ويعبرون الأراضي الزراعية الموحلة، ليصلوا إلى منازلهم وأقدامهم وملابسهم ملطخة بالطين.

هذه الرحلة اليومية الشاقة لا تؤثر على تحصيلهم الدراسي فحسب، بل تعرضهم لمخاطر صحية ونفسية.

وصف هاني حياة الأهالي بأنها “جحيم”، وقال إنهم “عايشين من قلة الموت”، كما في التعبير الشعبي، وإن حياتهم “يرثى لها”، في عبارات تشير إلى عمق المعاناة التي يعيشونها.

المداهمات والاعتقالات.. ترويع ممنهج

بحسب ما أفاد به هاني، تتخلل هذه المعاناة اليومية مداهمات متكررة لدوريات الجيش الإسرائيلي، التي تأتي كل يومين أو ثلاثة أيام، مما يبقي السكان في حالة دائمة من القلق والخوف.

في إحدى المرات، اعتُقل ابن عم هاني وتم تعذيبه لأسباب وصفها بـ”الواهية”، وقال إنها ممارسة تهدف إلى ترويع السكان وكسر إرادتهم.

ويشعر السكان بـ”الإذلال”، ويتساءل هاني: “نحن شعب حر ومتى كان الحر ذليلًا؟”.

ووصف الأهالي وضعهم بأنهم “أذلاء مضطهدون ومنبوذون ومحاصرون”، حتى إن أي شخص يزور القرية يتم استجواب السكان بشأنه، مما يزيد من عزلتهم ويحد من تواصلهم مع العالم الخارجي.

يرى السكان أنفسهم كـ”أسرى مقموعين بطريقة غير مباشرة”، ويُمنع عليهم حتى التصوير في قريتهم، في محاولة لطمس معاناتهم ومنع توثيقها.

كما يفتش الجنود الجوالات، خاصة للرعاة، وهو ما يمثل انتهاكًا لخصوصيتهم.

ورغم عرض القوات الإسرائيلية المساعدة، رفض السكان وطلبوا منهم المغادرة، حيث كانت حجة الاحتلال أنهم يسيطرون على مواقع عسكرية وليس على مناطق مدنية، وهو ما يتناقض مع واقع الحال الذي يفرض فيه الجيش الإسرائيلي سيطرته على حياة المدنيين.

بالإضافة إلى كل هذه المعاناة، تتعرض القرية أيضًا للقصف من حين لآخر في محيطها، خاصة في ساعات الليل بمنطقة شعفت القناني وشعفت الحمرا.

هذا القصف يسبب القلق والخوف وخاصة لدى الأطفال، الذين يعيشون في بيئة غير آمنة، حيث يمكن أن يتحول أي ليل هادئ إلى “كابوس”.

هذه الهجمات تزيد من الضغط النفسي على السكان، وتجعلهم يعيشون في حالة تأهب دائم، مما يؤثر على صحتهم النفسية والجسدية، ويهدد مستقبل أجيال تعيش تحت هاجس التوغل الإسرائيلي والقصف المستمر.

مقالات متعلقة

  1. الجيش الإسرائيلي يعتقل شابًا خلال مداهمة بريف القنيطرة
  2. إسرائيل تعطّل وصول المياه إلى بلدات في القنيطرة
  3. عمليات التوغل الإسرائيلية تتواصل بالقنيطرة.. تفتيش وحواجز واعتقالات
  4. تسوية بيت جن تمهد طريق الأسد إلى “مثلث الموت”

مجتمع

المزيد من مجتمع