علي عيد
تحيل بعض مظاهر تطبيق قانون جرائم المعلوماتية في سوريا إلى عهد مضى، لا يحبه السوريون وتعلن الحكومة الجديدة القطيعة معه مطلقًا.
قد يختلط على بعض الناس مفهوم تطبيق القانون بمفهوم حماية حرية التعبير التي كفلها الدستور، وأكدت عليها قوانين الأمم المتحدة (حقوق الإنسان/ العهد الدولي).
الفراغ القانوني والتشريعي تسبب في تبني الحكومة السورية الجديدة قوانين سابقة، منها قانون الجريمة المعلوماتية أو ما يُعرف بـ”قانون تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية”، الصادر في 18 من نيسان عام 2022.
القانون المشؤوم الذي وقعه المطلوب للعدالة، بشار الأسد، خلط الحابل بالنابل، وتعدى على الحريات الصحفية والعامة، وخنق حرية التعبير.
لا ينسى السوريون نكتة “الشوئسمو” التي كان ذلك القانون سببها، إذ نصت المادة “30”، على عقوبة السجن من أربع إلى خمس سنوات مع غرامة مالية كبيرة “لكل من نشر محتوى رقميًا على الشبكة بقصد إحداث التدني أو عدم الاستقرار أو زعزعة الثقة في أوراق النقد الوطنية أو أسعار صرفها المعتمدة في النشرات الرسمية”.
أصبحت كلمة “دولار” بعد ذلك القانون تثير الرعب في نفوس السوريين، وأطلقوا عليه اسم “الشوئسمو” تفاديًا للعقوبة الشديدة، وظنّ كثيرون أن النظام وضع رقابة التنصت على الاتصالات والهواتف لمحاكمة كل شخص يتلفظ بها.
لنعد إلى القانون نفسه وما تضمنه من مواد تخص النشر على الشبكة ومواقع التواصل، خصوصًا المادتين “24” و”25″، اللتين تتطرقان لقضايا الذّم والقدح والتحقير الإلكتروني.
المادتان مع بقية مضمون القانون، فيها تعدٍّ واضح على الحريات، لدرجة أنها لا تفصل بين المصلحة العامة أو الشخصية عند التعرض للشخصيات العامة، وتذهب إلى حد أقصى في مفهوم الردع وإرهاب الرأي العام، وهو ما يُخشى من إعادة إنتاجه اليوم عبر استدعاء الناس أو اعتقالهم تعسفيًا بسبب منشورات على “فيسبوك” أو غيره من منصات التواصل.
لكن المقلق اليوم الاستناد إلى القانون الذي صدر في ظل نظام يعتبر كل من ينتقده أو ينتقد سياساته الأمنية والاقتصادية والاجتماعية معارضًا يستحق الاعتقال والزج بالسجن، وبناء على ذلك، فإن جميع السوريين المتخصصين والناس العاديين، وحتى منهم موظفون حكوميون، الذين أبدوا مخاوف حيال تذبذب أسعار الليرة أمام الدولار، أو شككوا في سياسات البنك المركزي حيال العملة الجديدة وآليات استبدالها، أو حتى لم ترق لهم ألوانها، ربما يكونون عرضة للاعتقال التعسفي والسجن لسنوات مع غرامات لا يطيقونها.
أردت من مثال “الشوئسمو” أن أذكّر الأجهزة الأمنية والقضائية السورية، وحتى المتنفذين والمقربين من الحكومة، بأن من السهل إسناد أي تصرف خشن أو انتهاك أو اعتقال تعسفي لوجود قانون الجريمة المعلوماتية، وأن أولى خطوات بناء جدار الخوف بدأت ملامحها تظهر، وللأسف في ملف حرية التعبير.
المطلوب اليوم هو إعادة النظر في السلوك العقابي من جهة، والعمل على بيئة قانونية وتشريعات عصرية تفصل بين جرائم الشبكة مثل النصب والاحتيال وتهديد الناس والاختراقات غير القانونية، وبين قضايا حرية التعبير والإعلام والحريات العامة.
إذا كنا لم نعد نطمح لمستوى قوانين حريات توازي القانون الفرنسي، فإن مثالًا قريبًا، وهو تركيا، يشير إلى أن التشهير والسب والقذف الإلكتروني بموجب المادة “125” من قانون العقوبات التركي، يتحدث عن الحد الفاصل بين النقد والإهانة والذي يخضع لتقدير القضاء في كل قضية على حدة.
ويشمل هذا الأمر توجيه ألفاظ مهينة أو شتائم لشخص محدد، أو اتهام شخص بواقعة أو سلوك يمس شرفه أو سمعته دون سند، ونشر منشور أو تعليق أو صورة أو “فيديو” بقصد الحط من كرامة شخص أو سمعته، أو إرسال رسائل مكتوبة أو صوتية أو مرئية تتضمن إهانة مباشرة للشخص.
أما فيما يخص الاعتقال التعسفي بحق أي شخص بزعم وجود دعوى أمام النيابة العامة، فإن المتضرر يتقدم بشكوى إلى النيابة العامة التي تجري التحقيق الأولي، وقد تطلب معلومات من منصات التواصل أو مزودي الخدمة لتحديد هوية صاحب الحساب.
وإذا رأت النيابة وجود شبهة كافية، تستدعي المشتبه به للإدلاء بأقواله. وبعد التحقيق، إما يُحفظ الملف وإما تُرفع دعوى أمام المحكمة.
أما التوقيف أو الاعتقال الاحتياطي فله شروط قانونية خاصة، مثل وجود خطر هروب أو احتمال العبث بالأدلة أو ظروف أخرى ينص عليها القانون.
ولا تعتبر جرائم الإهانة والسب والقذف من الجرائم التي يُلجأ فيها عادة إلى الحبس الاحتياطي، لأن عقوباتها ليست من فئة الجرائم الجسيمة، ما لم تتوفر ظروف استثنائية يجيزها القانون.
عمومًا، أنصح العاملين في الشأن العام، وأصحاب المصالح والشركات أن يتحضروا جيدًا لقبول النقد، لأن الحساسية الزائدة وملاحقة الأصوات الناقدة، يفسرها المجتمع والإعلام بأنها خوف من الكشف عن مخالفات، ووقتها يبدأ النبش عميقًا، وغالبًا هناك قاعدة مهمة تلهم الصحفي تقول “اتبع المال”.. وللحديث بقية.
