العالم عاريًا كما يجب أن نراه

  • 2026/06/21
  • 2:26 م
غزوان قرنفل

غزوان قرنفل

enab_get_authors_shortcode

غزوان قرنفل

لم يعد البشر بحاجة إلى كثير من الجهد كي يروا الملامح القبيحة للوجه الحقيقي للنظام الدولي المعاصر، ولا إلى المزيد من البراهين ليكتشفوا أن الخطاب الغربي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان لم يكن في كثير من الأحيان سوى قناع أنيق يخفي وراءه حسابات المصالح والقوة والنفوذ.

العالم الغربي الذي ظل لعقود طويلة يقدم نفسه باعتباره الحارس الأخلاقي للقيم الإنسانية، يبدو اليوم عاريًا تمامًا أمام أنظار الشعوب لا يجد حتى ورقة توت يواري بها سوءته بعدما سقطت الأقنعة تباعًا، وظهرت الازدواجية الفجة والوقحة في التعامل مع القضايا الكبرى خصوصًا في الشرق الأوسط.

لقد أمضت الدول الغربية سنوات طويلة وهي تشنّف آذان شعوب المنطقة بالحديث عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، واستخدمت تلك العناوين كسلاح سياسي وأخلاقي للضغط على الأنظمة السلطوية متى شاءت، وكوسيلة لتبرير العقوبات أو التدخلات أو العزل السياسي، لكن ما جرى عمليًا كان شيئًا مختلفًا تمامًا، إذ لم تتردد تلك الدول نفسها في دعم أكثر الأنظمة قمعًا واستبدادًا حين كانت مصالحها تتطلب ذلك، ولم ترَ في انتهاكات حقوق الإنسان ما يستدعي الغضب أو العقوبات طالما أن تلك الأنظمة تؤدي الوظيفة المطلوبة منها.

لقد اكتشفت شعوب المنطقة بعد عقود من التجارب المريرة أن المشكلة بالنسبة للعالم الغربي ليست في الاستبداد ذاته، بل في مدى طواعية هذا الاستبداد وقدرته على خدمة المصالح الغربية، فالأنظمة السلطوية التي تضمن الاستقرار الأمني وتحافظ على المصالح الاقتصادية وتمنع أي تغيير سياسي قد يهدد النفوذ الغربي، تصبح أنظمة “صديقة” يمكن التغاضي عن كل جرائمها، أما حين تتمرد تلك الأنظمة على الإرادة الغربية أو تكسر خطًا من خطوطها الحمراء أو تعجز حتى عن تنفيذ ما يُطلب منها، فجأة تتحول إلى أنظمة مارقة يجب معاقبتها وعزلها وربما إسقاطها.

هذه الازدواجية ليست جديدة تمامًا، لكنها اليوم باتت أكثر فظاظة ووضوحًا، ففي غزة مثلًا، وقف العالم يشاهد واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية المعاصرة، بينما اكتفت القوى الغربية الكبرى بخطابات باردة عن “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”، في مشهد كشف إلى أي حد أصبحت القيم الإنسانية انتقائية وخاضعة للحسابات السياسية. عشرات آلاف الضحايا المدنيين، ودمار شامل، وتجويع وحصار، ثم يأتي الحديث عن حقوق الإنسان وكأنه مجرد مادة للاستهلاك الإعلامي لا أكثر.

أما في سوريا، فقد بدا المشهد أكثر تعقيدًا ووضوحًا في آن واحد، فالدول التي ظلت لسنوات طويلة تصنف جماعات بعينها على أنها “إرهابية”، لم تجد حرجًا في التعامل معها حين اقتضت المصالح ذلك، بل والمساهمة في ترويضها وتمكينها سياسيًا، وكأن تعريف الإرهاب نفسه بات خاضعًا للظروف السياسية لا للمبادئ.

لقد اكتشف السوريون خلال سنوات الصراع أن دماءهم وحقوقهم ومستقبلهم ليست سوى أوراق تفاوض على طاولة المصالح الدولية، وأن القوى الكبرى مستعدة لتغيير كل شعاراتها ومواقفها في اللحظة التي تجد فيها مكسبًا سياسيًا أو أمنيًا أو اقتصاديًا، والأخطر من ذلك أن هذا السلوك لم يقتصر على التناقض السياسي فحسب، بل أسهم في تدمير ثقة الشعوب بكل المفاهيم التي تم الترويج لها طويلًا باعتبارها قيمًا كونية.

فعندما يرى الناس أن حقوق الإنسان تُطبق على شعب وتُحجب عن شعب آخر، وأن الديمقراطية تصبح مطلوبة في بلد ومحرّمة في بلد آخر، وأن الإرهاب يمكن أن يتحول إلى “شريك سياسي” بين ليلة وضحاها، فإن النتيجة الطبيعية هي انهيار المصداقية الأخلاقية بالكامل.

صحيح أن العالم لا يدار وفق منظومة قيم ثابتة، بل وفق ميزان مصالح بحت، وهذا ليس اكتشافًا جديدًا في السياسة الدولية، لكن الجديد هو حجم الوقاحة التي بات يدار بها هذا التناقض، وحجم العري الأخلاقي الذي انكشف أمام الشعوب بفعل وسائل الإعلام والتواصل والانكشاف الفوري للأحداث.

لم يعد بالإمكان إخفاء التناقضات أو تجميلها بالشعارات الرنانة، لأن الصور والوقائع باتت تصل مباشرة إلى الناس دون فلترة، ومع ذلك فإن أخطر ما يمكن أن تفعله شعوب المنطقة ليس فقط أن تكتشف زيف الخطاب الغربي، بل أن تقع في وهم انتظار الخلاص من الخارج، فالتجارب أثبتت أن الدول الكبرى لا تتحرك بدافع الأخلاق، بل بدافع المصالح، وأن الحرية التي لا يصنعها أصحابها بأيديهم لا يمكن استيرادها عبر بيانات الدعم الدولية أو التدخلات السياسية.

إن العالم العاري اليوم ليس مجرد توصيف لحالة أخلاقية، بل هو لحظة تاريخية سقطت فيها أوهام كثيرة دفعة واحدة ليس آخرها القيم العالمية الموحدة، ووهم أن ثمة قوى كبرى يمكن أن تكون وصية على العدالة الإنسانية أو حارسة لقيم حقوق الإنسان، وما بقي مكشوفًا أمام الجميع هو حقيقة واحدة تقول المصالح أولًا، أما القيم فليست سوى لغة مغلفة بالدبلوماسية والجماليات تُستخدم حين تكون مفيدة، ويتم تجاهلها فور تعارضها مع حسابات النفوذ والقوة، هذا هو العالم، عاريًا تمامًا كما يجب أن نراه.

مقالات متعلقة

  1. للاجئين يوم واحد فحسب!
  2. مكاشفة حول الفضاء المدني
  3. البيوت السورية هواجس أصحابها بغياب العدالة.. لقاء مع المحامي غزوان قرنفل
  4. إخصاء الاستبداد

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي