أحمد عسيلي
شهدت مدينة إدلب خلال الفترة الماضية حالة من التوتر، على خلفية قيام بعض الأشخاص بالاعتداء على أفراد عملوا سابقًا ضمن شبكات التشبيح المرتبطة بنظام الأسد، وجاءت هذه الأحداث بعد تزايد مشاعر الغضب لدى بعض الضحايا وذويهم، الذين ما زالوا يرون عددًا من المتهمين بارتكاب انتهاكات خلال سنوات الحرب يعيشون حياتهم بصورة طبيعية بعد أكثر من عام ونصف على سقوط النظام، بل ويظهر بعضهم في الفضاء العام وكأن شيئًا لم يكن، وسرعان ما امتدت أجواء التوتر إلى دمشق، حيث شهد حي المزة 86 حوادث اعتداء استهدفت أشخاصًا يُنظر إليهم على أنهم من مجرمي النظام السابق، وقد تدخلت القوى الأمنية في الحالتين لمنع تطور الأحداث إلى مواجهات أوسع، وسُجلت بعض الإصابات في كلتا الحالتين دون وقوع ضحايا.
أعادت هذه الحوادث إلى الواجهة ملف العدالة الانتقالية، وفتحت من جديد النقاش حول مدى تقدم الدولة في هذا المسار، فعدد المحاكمات التي جرت حتى الآن ما زال محدودًا مقارنة بحجم الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال عقود حكم الأسد، كما أن عدد الموقوفين أو الخاضعين للمساءلة لا يزال أقل بكثير من عدد الأشخاص الذين شاركوا بدرجات متفاوتة في منظومة القمع أو استفادوا منها، لذلك علت أصوات تطالب الدولة بالإسراع في إجراءات العدالة الانتقالية، معتبرة أن التأخر في هذا الملف لا يسهم فقط في إطالة معاناة الضحايا، بل يفتح الباب أيضًا أمام محاولات بعض الأفراد لأخذ العدالة بأيديهم.
لكن قبل مناقشة ما إذا كانت الدولة تتحرك بالسرعة المطلوبة أم لا، ربما يجدر بنا أن نتوقف عند سؤال آخر أقل حضورًا في النقاش السوري: ماذا نتوقع أصلًا من العدالة الانتقالية؟ وهل تستطيع، مهما بلغت فعاليتها، أن تعالج وحدها كل الجراح التي خلفتها عقود الاستبداد و14 سنة من الحرب؟
للإجابة عن هذا السؤال دعونا نقوم بتمرين عقلي بسيط: لنتخيل أن جميع المجرمين حوكموا غدًا، جميعهم دون استثناء، ومن كل الأطراف، وأن كل شخص حصل على العقوبة التي يستحقها تمامًا، فهل سيستيقظ السوريون في صباح اليوم التالي وقد اختفت مشاعر الخوف والشك والغضب وانعدام الثقة لديهم؟ هل ستعود العلاقات بين الناس طبيعية؟ وهل سيصبح المجتمع قادرًا على طي الصفحة ببساطة؟
على الأرجح لا، ليس لأن العدالة غير مهمة، بل لأنها تعالج مستوى واحدًا فقط من المشكلة، فالمجتمعات، مثل الأجساد، قد تعاني من أكثر من علة في الوقت نفسه، بعضها يحتاج إلى جراحة عاجلة، وبعضها يحتاج إلى دواء، وبعضها يحتاج إلى إعادة تأهيل طويلة، وينطبق الأمر نفسه على المجتمع السوري اليوم.
هناك مستوى أول يتعلق بالجرائم نفسها: القتل والتعذيب والإخفاء القسري والنهب والانتهاكات الجسيمة، وهذه مسؤولية الدولة والقضاء والأجهزة المختصة، وهنا يكون الحديث عن العدالة الانتقالية والمحاكمات والمساءلة.
وهناك مستوى ثانٍ يتعلق بالخلافات السياسية وإدارة الإرث الذي خلفه النظام السابق، وكيفية تنظيم الحياة العامة الجديدة والعلاقة بين القوى المختلفة، وهي مسؤولية مشتركة بين السلطة والمجتمع.
لكن هناك مستوى ثالثًا أقل حديثًا وأكثر تعقيدًا، يتعلق بالجراح الاجتماعية نفسها، بالخوف المتبادل، والشكوك، والصور النمطية، والعلاقات التي تشوهت خلال سنوات طويلة، وهذه أمور لا تستطيع أي محكمة أن تعالجها وحدها، مهما كانت أحكامها عادلة.
في فرنسا، عندما يخرج مريض من عملية جراحية كبيرة، لا يعود مباشرة إلى حياته الطبيعية، فنجاح العملية لا يعني انتهاء العلاج، لذلك يُرسل كثير من المرضى إلى مراكز إعادة التأهيل، حيث تبدأ مرحلة جديدة من العمل يشارك فيها الممرضون والمعالجون الفيزيائيون واختصاصيو التغذية والمعالجون النفسيون، والعائلة والمحيط الاجتماعي، فالجراحة أوقفت الخطر، لكنها لم تعِد للمريض قدرته على الحياة الطبيعية، كذلك الجراحة استأصلت السرطان الأسدي، لكن هذا لا يعني أن الجسد السوري قد شفي تمامًا، العدالة الانتقالية جزء من مرحلة ما بعد العملية، لكنها غير كافية وحدها لبناء مجتمع سليم.
لقد قامت الدولة في أحداث إدلب والمزة 86 بما يُفترض أن تقوم به: منعت الانزلاق نحو صراع أوسع وحمت المجتمع من دوامة عنف جديدة، لكن بعد انسحاب عناصر الأمن يبدأ نوع آخر من العمل لا تستطيع الدولة القيام به، فالشرطة تستطيع فض الاشتباك، لكنها لا تستطيع أن تنتج الثقة، والمحكمة تستطيع إصدار الأحكام، لكنها لا تستطيع أن تعيد العلاقات الطبيعية بين الناس.
هنا يبدأ دور المجتمع نفسه، دور المعلمين والأطباء ورجال الدين ووجهاء الأحياء والفاعلين المحليين ومجموعات الجيران والمبادرات الأهلية، فالسلم الأهلي لا يُبنى في المحاكم فقط، بل في الأحياء والمدارس والمساجد والكنائس وأماكن العمل، حيث يتعلم الناس من جديد كيف يعيشون معًا رغم كل ما حدث.
الخطأ ليس في مطالبة الدولة بالعدالة، بل في الاعتقاد أن العدالة كلها من اختصاص الدولة، فكلما اقتربنا من الجريمة اقتربنا من الدولة، وكلما اقتربنا من الجرح الاجتماعي اقتربنا من المجتمع، وإذا كانت العدالة الانتقالية مهمة الدولة، فإن إعادة تأهيل المجتمع مهمة الجميع، وربما يكون التحدي الأكبر الذي يواجه السوريين اليوم ليس فقط محاسبة الماضي، بل إعادة بناء الثقة التي دمرتها سنوات طويلة من الخوف والعنف والانقسام، وهذه ليست قضية موالٍ أو معارض، لأنها ليست مهمة السلطة أصلًا، بل هي مهمة الجميع، لأن الجميع جزء من المجتمع مهما كان موقفه من السلطة.
