لمى قنوت
في تكرار لنموذج السياسة الاقتصادية للسلطة الانتقالية في سوريا، لا يخرج الاتفاق المبرم مع شركة “HKN Energy” لتطوير واستثمار حقول النفط في رميلان شمال شرقي سوريا لمدة 25 عامًا، عن النهج المتبع، في غياب الشفافية والرقابة والمعلومات عن تفاصيل أغلب العقود، ويستقي السوريون معلوماتهم من تسريبات تُنشر هنا وهناك. غير أن تسريبات العقد المذكور أظهرت نسبًا لتوزيع الإنتاج بواقع 60% لمصلحة شركة “HKN” الأمريكية، و32% للشركة السورية للبترول، و8% لشركة “الجزيرة للخدمات النفطية” التابعة لـ”قسد”، والتي يديرها شاهوز حسن، الذي ارتبط اسمه بقطاع النفط ضمن مناطق “الإدارة الذاتية”، والرئيس المشترك السابق لحزب “الاتحاد الديمقراطي” (PYD) منذ عام 2017 حتى عام 2020.
وتطرح الممارسات ومفارقات نسب العقد المذكور، ومن ضمنها النسبة الكبيرة للشركة الأمريكية، الوجهة المالية لعائدات شركة “الجزيرة للخدمات النفطية”، فهل ستودع في هيكل تابع لـ”الإدارة الذاتية” أو تحت تصرفها بشكل غير مباشر، بدل أن تودع نسبة لمصلحة المحافظة وتنميتها؟ كما أن إشكالية الحصص المالية، تستحضر استمرار بنى موازية للدولة، وهو يتناقض مع “الاندماج الكامل” بين مؤسسات “قسد” ومؤسسات الدولة وفق الاتفاق الذي تم بينهما في كانون الثاني الماضي، والذي يترجم على أرض الواقع كمحاصصة، وإعادة توزيع النفوذ، بإشراف أمريكي، وبغياب كامل لإشراك أبناء المنطقة التي انحصر فيها نفوذ “قسد” في الحسكة والقامشلي، في مناقشة وصياغة الاتفاق، من سريان وآشوريين وعرب وطيف سياسي واسع من الكرد، وسواهم من قوميات وخلفيات مختلفة، وانسحب استبعادهم على ما نُفذ حتى الآن من بنود الاتفاق.
ومن هذا المنطلق، فإن أسباب التدهور الأمني في الحسكة، والحملة الأمنية التي أطلقتها قوات الأمن (الأسايش) وقوات مكافحة الإرهاب (الهات) التابعتان لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ولمدة شهر، بدءًا من 3 من حزيران الحالي، لا يُفسرها فقط غياب الأمن والتشاركية، وإن كان سمة بنيوية في الاتفاق بين السلطة الانتقالية و”قسد”، ونهجًا تتبعه الأخيرة بشكل عام، مقابل تشاركية شكلية مارستها “قسد”، ولكن، يمكن اعتبار أن الحملة الأمنية لها رسالة سياسية للسكان المحليين، من غير الموالين لها حول من يملك القوة القسرية على أرض الواقع، وهو تأكيد على خطاب “قسد”، فبحسب تصريح إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية”، فإن قوات الأمن (الأسايش) ستبقى في المنطقة، “كقوة رسمية، ولن تحل محلها أي قوة أخرى”. في حين أن هناك أعدادًا رمزية لقوى الأمن التابعة للسلطة الانتقالية، والتي يبلغ عددها حوالي 150 فردًا، والمتمركزة فيما يُسمى “ساحة الأمن” أو ما يُعرف بـ”المربع الأمني” في كل من القامشلي والحسكة، مما يوحي بدور محدود، حتى الآن، مقابل احتكار إدارة الأمن لـ”الأسايش” على أرض الواقع.
بالمقابل، تعمل وزارة الداخلية السورية على ضم عناصر من جهاز “الأسايش” للدخول في ملاك مديرية الأمن الداخلي بمحافظة الحسكة، ووفقًا لنائب محافظ الحسكة، أحمد الهلالي، فقد بلغ عدد القوائم المبدئية لحضور المقابلات الخاصة بالاندماج نحو تسعة آلاف شخص، وهو لا يعني قبولهم التلقائي، بل ستسري عليهم معايير “أسوة ببقية المنتسبين والعناصر“، وفق تصريحه.
وفي إطار توزيع المناصب والمحاصصة السياسية، وبالتوازي مع غياب دور المؤسسات الحقوقية والرقابية السورية، وتسييس العدالة الانتقالية، يأتي تعيين مرشح “قسد” نور الدين أحمد عيسى محافظًا للحسكة، وفق المرسوم رقم “30”، والملقب بـ”أبو عمر خانيكا” والذي كان مديرًا لسجن “علايا” في مدينة القامشلي لعقد من الزمن، تجاهلًا للعديد من الانتهاكات التي حصلت في السجن، ونقل وتسليم محتجزين كانوا لدى “قوات سوريا الديمقراطية” والجهات التابعة لها إلى الحكومة العراقية، منذ عام 2019 حتى نهاية خضوع مراكز الاحتجاز لها، وقد شمل النقل، وفق ما وثقته “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” ما لا يقل عن 6,547 محتجزًا، بينهم 4,743 مواطنًا سوريًا، من بينهم عشرات الأطفال والشبان، وهو تجاهل أيضًا لاحتجاجات ذوي المحتجزين على النقل التعسفي.
إن التعيينات القائمة على الهوية ومكافأة الموالين، بغض النظر عن الكفاءة والسجل الحقوقي في المرحلة الانتقالية، سواء المتمثلة في تعيينات السلطة الانتقالية لحلفائها ومواليها، والصفقات التي تبرمها مع مرتكبي الانتهاكات، أو في تعيينات “قسد”، ترسخ الإفلات من العقاب في مرحلة شديدة الهشاشة، إذ يمكن للاتفاقيات القائمة على المحاصصة أن تجمد الصراعات لفترة، لكنها لا تؤسس لعدالة واستقرار مستدام، ولا يمكن لـ”الضامن” الأمريكي، مهما علا نفوذه على طرفي الاتفاق، وكثرت حوافزه، أن يختار معايير الاندماج الحقيقي، إذ لا بديل عن التوافق الوطني بين جميع مكونات المنطقة من جهة، من سريان وآشوريين وعرب وكرد وأرمن، وغيرهم من الخلفيات المتنوعة، ومن عقد اجتماعي تأسيسي بين جميع السوريات والسوريين من جهة أخرى، فدون مرجعية تأسيسية، يتحول كل ترتيب إلى مفاوضات بين أصحاب القوة، ينتظر أطرافه تغيير الموازين ليعيد خلط الأوراق من جديد.
