“البارودية” بحماة.. حي يبوح بحكايات الأمراء وصنّاع البارود

  • 2026/06/21
  • 6:03 م
جامع العبيسي التاريخي وبجانبه حمام العبيسي في حي البارودية بمدينة حماة - 20 حزيران 2026 (عنب بلدي/عدي الحاج حسين)

جامع العبيسي التاريخي وبجانبه حمام العبيسي في حي البارودية بمدينة حماة - 20 حزيران 2026 (عنب بلدي/عدي الحاج حسين)

enab_get_authors_shortcode

في قلب حماة، وعلى تلة مرتفعة تطل على نواعيرها الخالدة، يقع حي البارودية العريق، ليكون شاهدًا على تاريخ المدينة الذي يمتد لآلاف السنين.

لم يكن هذا الحي مجرد بقعة جغرافية عابرة، بل مركزًا للحكم ومهدًا للصناعة على مر العصور، إذ لا تزال جدرانه الحجرية تهمس بحكايات الأمراء وصنّاع البارود حتى يومنا هذا، رغم الإهمال المتزايد الذي يهدد معالمه بالاندثار.

تلة تطل على النواعير

يمتد الحي العتيق في منطقة “الحاضر” شرقي مدينة حماة، على تلة استراتيجية تُعرف محليًا باسم “طلعة الشيخ مكنون”، ما منحه قيمة دفاعية وسكنية رفيعة، وجعله مقصدًا للحكام وأمراء المدينة، إذ يطل مباشرة على نواعير حماة الشهيرة وقلعتها التاريخية.

وتقدّر المصادر التاريخية عدد سكانه عام 1961 بنحو 4285 نسمة فقط، لكن طابعه الضيق والحميمي ظل ميزته الأكثر ثباتًا.

من البارود إلى الأثر

تتعدد الروايات حول أصل تسمية “البارودية” في ظل غياب وثائق عثمانية مبكرة توضح ذلك.

وبحسب المؤرخ ياسر صابوني في كتابه “تاريخ حماة”، فإن تسمية الحي تعود لعائلة “البارودي” العريقة التي استقرت فيه، وكان أفرادها متخصصين في صناعة البارود للدولة العثمانية مطلع القرن العاشر الهجري.

هناك رأي آخر يقول إن معملًا للبارود كان قائمًا في الحي آنذاك، ما جعله مركزًا حيويًا للصناعة الحربية.

في المقابل، كان الحي يُعرف قديمًا باسم “المنعزلة القبلية”، بحسب بعض المخطوطات المحلية، وذلك بسبب موقعه المنفصل بعض الشيء عن صخب المدينة.

وبين تلك الروايتين، يبقى الاسم مرتبطًا في الذاكرة الشعبية بالبارود والصخب، ما يعكس مرحلتين من تاريخ الحي: مرحلة الصناعة العسكرية، ومرحلة السكن الأميري.

جامع العبيسي التاريخي وبجانبه حمام العبيسي في حي البارودية بمدينة حماة – 20 حزيران 2026 (عنب بلدي/عدي الحاج حسين)

قصر الأمير المهجور وحمام العبيسي

تذكر الدراسات الأثرية المحلية أن أبرز معالم الحي هو “قصر عبد الله البارودي الأثري”، المعروف بـ”بيت الشيخ عبد الله البارودي”.

وبحسب مدونة ياسر عرواني (مهتم بتاريخ وتراث مدينة حماة)، يقع هذا القصر الذي يعود تاريخ بنائه إلى العهد العثماني في موقع استراتيجي على تلة “الشيخ مكنون” أو “طلعة الشيخ مكنون”، ليُطل مباشرة على قلب مدينة حماة، ويشرف على نواعيرها وقلعتها.

شُيد القصر بأسلوب يجمع بين الطراز العثماني الفخم والطراز الحموي التقليدي، ويتميز بأسقفه العالية، ونوافذه الخشبية الواسعة، وفنائه الداخلي (الواسط)، وديكوراته الحجرية البسيطة.

إلى الغرب من القصر، لا يزال جامع “العبيسي” وحمام “العبيسي” الأثري قائمين، ليشكلا مع القصر مجمعًا سكنيًا ودينيًا وخدميًا متكاملًا.

هذا الصرح التاريخي يعاني اليوم من إهمال وهجران، إذ تعرض للحرق خلال أحداث مجزرة حماة عام 1982، وما زالت آثار الضرر ظاهرة للعيان.

ويطالب الأهالي والمهتمون بإعادة تأهيله قبل أن يتحول إلى كومة أنقاض، فهو ليس مجرد بناء، بل جزء من ذاكرة المدينة، بحسب مدونة عرواني.

بين الحكايات والواقع

بعيدًا عن الحقائق التاريخية، تبقى حكاية شعبية تتداولها أجيال الحي، مفادها أن رائحة البارود كانت تفوح من جدران البيوت القديمة أيام المطر، وكأن الأرض ما زالت تحتفظ ببقايا الصناعة الحربية. ولا يجد الباحثون دليلًا ماديًا على هذه الحكاية، لكنها تظل جزءًا من هوية المكان وسحره الخاص.

واليوم، يُنظر إلى حي البارودية كموقع يجمع بين صفتين متناقضتين، فهو من جهة شاهد حي على العمارة العثمانية والحكم المحلي، ومن جهة أخرى يعاني من نقص حاد في الخدمات الأساسية، فشوارعه الضيقة غير مهيأة، وشبكات الصرف الصحي متآكلة، ويعاني الأهالي من غياب أي دورات مياه عامة أو مواقف سيارات أو خدمات أخرى تليق بمكانته التاريخية.

مقالات متعلقة

  1. فخري البارودي.. ذاكرة سورية لا تشيخ
  2. ليش سموه حي الباردوية؟ | شوارع وحارات
  3. ستة أحداث تلخّص مجزرة حماة بعد 35 عامًا
  4. محطات بنزين حماة توزع بحسب أرقام لوحات السيارات

مجتمع

المزيد من مجتمع