“حديقة الحيوانات” تفتح جراح السوريين على المسرح

  • 2026/06/21
  • 6:26 م
الأخوان ملص في مشهد من مسرحية "حديقة الحيوان" - 15 حزيران 2026 (عنب بلدي/أمير حقوق)

الأخوان ملص في مشهد من مسرحية "حديقة الحيوان" - 15 حزيران 2026 (عنب بلدي/أمير حقوق)

enab_get_authors_shortcode

على مقعد في حديقة دمشقية، يبدأ سؤال عابر عن الطريق إلى حديقة الحيوانات، لكنه سرعان ما يتحول إلى رحلة داخل الذاكرة السورية المثقلة بالخسارات والانقسامات والأسئلة المؤجلة، بهذا السطر التعريفي يمكن تلخيص فكرة مسرحية “حديقة الحيوان”، للأخوين ملص.

يستعير الأخوان أحمد ومحمد ملص نصًا عالميًا لإدوارد ألبي، قبل أن يعيداه إلى الحياة بملامح سورية خالصة، حيث يصبح المقعد وطنًا متنازعًا عليه، ويتحول الحوار بين رجلين غريبين إلى مواجهة حادة مع الطائفية والسلطة والمنفى والحب والفقدان.

ضمن تجربة “مسرح الغرفة”، قُدّم العرض أمام عدد محدود من المتفرجين في مساحة شديدة الضيق، بما ينسجم مع طبيعة العمل القائم على المواجهة المباشرة بين الممثلين والجمهور، وعلى تكثيف الفكرة أكثر من الاعتماد على الإبهار البصري.

من سؤال عابر إلى تناقضات الواقع

يفتتح العرض بصورة رجل مسن اعتاد الجلوس يوميًا على المقعد ذاته، يتصفح صحيفته ويستمع إلى أغاني محمد عبد الوهاب، مستسلمًا لطقوس ثابتة لم تتغير منذ عقود.

غير أن ظهور شاب يسأله عن طريق حديقة الحيوانات يخلخل هذا الاستقرار الظاهري، لتنشأ بينهما سلسلة من الحوارات المتشابكة التي تبتعد شيئًا فشيئًا عن السؤال الأول.

ما يبدو في البداية نقاشًا عابرًا بين شخصين مجهولين يتحول إلى منبر لاستحضار التحولات التي عاشتها سوريا خلال العقود الماضية.

ومن خلال تبادل الاتهامات والآراء المتناقضة، يلامس العرض قضايا الطائفية والعنف والتمييز الاجتماعي الذي يفرضه الواقع السوري اليوم، كما يستعيد شعور السوريين المتكرر بأن دوائر الموت لا تنتهي، بل تتبدل وجوهها فقط.

ويستثمر النص مفارقة رمزية لافتة حين يطرح فكرة أن الحيوانات قادرة على التعايش داخل حديقة واحدة، بينما يفشل البشر في تحقيق ذلك رغم كل ما يملكونه من وعي وثقافة.

ومن هذه الفكرة تنطلق الشخصيتان نحو لعبة خيال تستعيد سوريا التي عرفتاها قبل الانقسامات، سوريا الأغاني الشعبية، والرحلات بين المحافظات، والعلاقات الإنسانية التي لم تكن تقاس بالانتماءات الطائفية.

ومع تقدم الأحداث تبدأ الطبقات الخفية للشخصيتين بالظهور، فالشاب يحمل تاريخًا عائليًا مضطربًا ترك داخله شعورًا دائمًا بالاقتلاع وعدم الاستقرار، بينما يكشف الرجل الآخر عن نفسه بوصفه مثقفًا وكاتبًا عاش تجارب الاعتقال والقمع في مراحل سابقة، قبل أن يتحول مع الزمن إلى شخص أنهكته الخيبات وأصبح يبحث عن العزلة أكثر مما يبحث عن المواجهة.

مساءلة الحاضر السوري

لا يتوقف العرض عند نقد الماضي، بل يمتد إلى مساءلة الحاضر أيضًا، فالمثقف الذي كان يرفع صوته دفاعًا عن الحرية يجد نفسه خارج عمله ومتهمًا بسبب تاريخه الوظيفي، في صورة تعكس هشاشة موقع الثقافة والفكر وسط الاستقطابات السياسية والاجتماعية الراهنة.

كما يحضر المنفى بوصفه جرحًا مركزيًا في الحكاية، فإحدى الشخصيتين تستعيد سنوات اللجوء في فرنسا، وما رافقها من نجاح مهني وقصة حب انتهت بصورة مأساوية بعد تلقي أخبار مقتل أفراد من عائلة الحبيبة داخل سوريا، لتتحول فرحة التحرر إلى سلسلة خسارات متلاحقة تنتهي بالموت والعودة إلى دمشق محملًا بالمرارة.

في هذا السياق، لا يبدو الغضب الذي يسيطر على الشخصيات مجرد انفعال عابر، بل نتيجة تراكم طويل من الخسارات الشخصية والجماعية، لتنتهي المسرحية بإقدام المثقف على قتل الشخصية الثانية، ليتبين بأن الأخير دفعه لذلك ليكون مرافقًا لحبيبته المتوفاة.

تفكيك تحولات المجتمع السوري

في حوارهما مع عنب بلدي، قال “الأخوان ملص”، إن العمل يحاول طرح مجموعة من الأسئلة المتعلقة بالمجتمع السوري، وتفكيكه، وفهم التحولات التي يعيشها ضمن الدولة السورية الجديدة.

مهمة الفن ليست طرح الرسائل، بل طرح الأسئلة، وهذه الأسئلة هي جوهر العمل الفني، وهذا ما يسقط على مسرحية “حديقة الحيوان”، بحسب “الأخوين ملص”.

بدوره، الكاتب المسرحي فيصل الراشد، أشاد بتجربة مسرحية “حديقة الحيوان”، معتبرًا أنها استطاعت الاقتراب من الواقع السوري لأنها تنطلق من إحساس يومي يعيشه المشاهد، مؤكدًا أن قوة المسرح لا تزال مرتبطة بالنص والممثل بعيدًا عن كثرة التقنيات والمؤثرات.

وفي حديثه إلى عنب بلدي، وباعتباره من أوائل المؤسسين لتجربة “المسرح الفقير”، تحدث الراشد عن أهمية هذه التجربة الجديدة في سوريا، موضحًا أن ما يقدمه “الأخوان ملص” يندرج ضمن هذا النوع من المسرح.

وأضاف أن هذا ما يميز تجربة “حديقة الحيوان”، إذ يعتمد العرض على نص قوي وممثلين قادرين على تقديم العمل، معتبرًا أن هذه العناصر هي التي تصنع قيمة المسرح.

مقالات متعلقة

  1. الأخوان ملص: سوريا تحتاج إلى مسرح يمتلك الجرأة على المواجهة
  2. "اللاجئان" على خشبة فرنسية: لماذا يوجد لاجئون على هذه الأرض؟
  3. الأخوان ملص “ينبشان” آهات اللاجئين في عمان
  4. "كل عار وأنتم بخير".. عرض مسرحي يعيد ألق مسرح "الغرفة"

فن وثقافة

المزيد من فن وثقافة