المشاريع الصغيرة تقاوم الضغوط الاقتصادية في السويداء

  • 2026/06/29
  • 7:25 م
مشروع صغير لبيع نباتات الزينة في أحد شوارع السويداء - 2 حزيران 2026 (عنب بلدي)

مشروع صغير لبيع نباتات الزينة في أحد شوارع السويداء - 2 حزيران 2026 (عنب بلدي)

enab_get_authors_shortcode

مع تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة وتوقف الرواتب في بعض المؤسسات، اتجه كثير من سكان السويداء إلى إطلاق مشاريع صغيرة ومتناهية الصغر لتأمين مصدر دخل يساعدهم على مواجهة الظروف الاقتصادية.

وبينما توفر هذه المشاريع متنفسًا للعديد من العائلات، فإنها تواجه تحديات تتعلق بالتمويل وارتفاع تكاليف الإنتاج والتسويق، في وقت تحاول فيه مبادرات أهلية دعم أصحابها عبر قروض ومشاريع إنتاجية تعزز الاعتماد على الذات.

وتتراوح هذه المشاريع بين “البسطات” و”البقاليات” وورشات الخياطة وإنتاج الأغذية والمؤونة المنزلية والأعمال اليدوية، وصولًا إلى المشاريع الزراعية الصغيرة.

القطاع الزراعي باب للمشاريع

تشتهر السويداء بأنها محافظة زراعية تعتمد شريحة واسعة من سكانها على زراعة القمح والشعير والكرمة والأشجار المثمرة والخضار كمصدر رئيس للدخل.

ويعد القطاع الزراعي من المجالات الواعدة للمشاريع الصغيرة، سواء عبر الإنتاج الزراعي المباشر أو من خلال الصناعات المرتبطة به، مثل تصنيع الأغذية والعصائر والمربيات و”المونة” المنزلية، بما يسهم في خلق حلقات إنتاج محلية متكاملة وزيادة القيمة المضافة للمنتجات الزراعية.

إلا أن الموسم الحالي شهد تراجعًا في المساحات المزروعة في الريفين الشمالي والغربي، بعد تهجير العائلات وعدم تمكنها من الوصول إلى أراضيها، الأمر الذي أدى إلى خسارة المزارعين لموسمهم الزراعي.

مبادرات لدعم المشاريع

في محاولة لدعم أصحاب المهن من القرى المهجرة، أطلق عدد من أبناء السويداء المغتربين في الولايات المتحدة مبادرة لتقديم قروض صغيرة، تستهدف مساعدة الأسر على تأسيس مشاريع إنتاجية تضمن لها مصدر دخل مستدام.

وجاءت المبادرة بعد مساهمة القائمين عليها في دعم ثلاثة مراكز إيواء خلال فصل الشتاء عبر تأمين مادة المازوت، قبل أن يتجهوا نحو دعم مشاريع تساعد المستفيدين على الاعتماد على أنفسهم بدلًا من الاكتفاء بالمساعدات المباشرة.

وشملت المشاريع الممولة صالون حلاقة، وتأمين أبقار لتربيتها، ومحال بقالة، ومعملًا صغيرًا لإنتاج الحلاوة وغيرها من المهن التي يمتلك أصحابها خبرة سابقة فيها.

وتعتمد المبادرة على منح قروض دون أي فوائد مالية، على أن يبدأ المستفيد بتسديد المبلغ بعد مرور 60 يومًا على انطلاق المشروع، بما يمنحه فرصة لتشغيل العمل وتحقيق دخل أولي قبل بدء عملية السداد.

ويرى القائمون على المبادرة أن الهدف الأساسي يتمثل في تحويل التبرعات إلى مشاريع منتجة قادرة على توفير دخل مستمر للأسر المتضررة من التهجير والظروف الاقتصادية الصعبة.

كما برزت مبادرات عديدة استهدفت النساء المهجرات في مراكز الاستضافة، شملت تعليمهن حِرفًا يدوية كالتطريز وصناعة “الإكسسوارات” والنول أو صناعة الحلويات، بهدف تمكينهن وفتح مجال أمامهن للعمل.

محدودية رأس المال أبرز المعوقات

رغم انتشار هذه المشاريع، فإن استمرارها يبقى صعبًا في ظل تحديات التمويل وارتفاع تكلفة الإنتاج وضعف فرص التسويق، ما يحدّ من قدرتها على التوسع.

قالت رشا ك.، صاحبة مشروع منزلي لإنتاج الألبان والأجبان، لعنب بلدي، إن المشروع بدأ بجهود فردية ورأس مال بسيط بهدف دعم مصروف المنزل، قبل أن يتحول إلى مصدر الدخل الأساسي للعائلة بعد توقف راتب زوجها لأشهر.

وأضافت أن ما ساعدها على تسويق منتجاتها هو الجودة العالية وتفضيل المنتجات اليدوية على المنتجات المصنعة في المعامل، إلا أن قدرتها على التوسع لا تزال محدودة بسبب بدائية المعدات التي تستخدمها وارتفاع تكلفة تطوير المشروع.

ولا يقتصر الأمر على المشاريع المنزلية، إذ أشارت شهد م.، صاحبة ورشة خياطة صغيرة، إلى أن ارتفاع أسعار الأقمشة والخيوط والمواد الأولية يشكل تحديًا يوميًا أمام استمرار العمل.

وأضافت أن المنافسة مع الورشات الأكبر تزيد من صعوبة تسويق منتجاتها، إذ تضطر أحيانًا إلى البيع بهوامش ربح قليلة للحفاظ على الزبائن ولتأمين أجور العاملين معها وتغطية تكاليف التشغيل.

ومن بين أصحاب المشاريع الصغيرة، يروي “أبو كرم”، وهو معلم لغة أجنبية، كيف دفعته الظروف الصعبة إلى البحث عن عمل آخر، فبدأ بإنتاج “المونة” المنزلية، بما فيها “المكدوس” و”المخللات” وتجفيف الخضار.

وأشار إلى أن المشروع وفر له موردًا يساعده على تغطية جزء من احتياجاته، لكنه لا يزال يواجه صعوبات تتعلق بتسويق المنتجات بسبب النظرة السائدة التي تربط هذا النوع من الأعمال بالنساء أكثر من الرجال.

عقبات تحد من الاستمرار والنمو

يواجه أصحاب المشاريع جملة من المعوقات، أبرزها صعوبة الحصول على التمويل إذ إن المدخرات الشخصية أو الاقتراض من الأقارب والاعتماد على تحويلات المغتربين لا يزال الوسيلة الأساسية لبدء أي مشروع، في ظل غياب برامج تمويل متخصصة أو محدودية الوصول إليها حيث غالبيتها تذهب للأكثر استحقاقًا.

كما يواجه الكثيرون صعوبات في شراء المعدات أو توسيع النشاط بسبب ارتفاع الأسعار وضعف السيولة اللازمة.

ولا تقل تحديات التسويق أهمية عن التمويل، إذ يعتمد معظم أصحاب المشاريع على البيع المباشر أو عبر صفحات التواصل الاجتماعي، ما يجعل وصولهم إلى الزبائن محصورًا ضمن نطاق محدود.

كما لا تقتصر التحديات على التمويل وارتفاع التكاليف فحسب، بل تمتد إلى حالة عدم اليقين التي تعيشها المحافظة، فبعض أصحاب المهن والتجار الذين خسروا مصادر رزقهم أو تعرضت مشاريعهم للتوقف خلال أحداث تموز 2025 لا يزالون مترددين في العودة للاستثمار أو بدء مشاريع جديدة، خشية تكبد خسائر إضافية في حال تدهورت الأوضاع مجددًا.

وقال باسل الحلبي أحد مهجري الريف الغربي، إن غموض المشهد المستقبلي يجعل الكثيرين يفضلون التريث، رغم حاجتهم الماسة إلى العمل وتأمين مصدر دخل لأسرهم.

مع استمرار الضغوط الاقتصادية، تبدو المشروعات الصغيرة بالنسبة لكثير من العائلات في السويداء أكثر من مجرد نشاط اقتصادي، إذ تحولت إلى وسيلة للتكيف مع الواقع المعيشي ومحاولة لبناء مصادر دخل مستقلة.

وبينما تسهم المبادرات الفردية والأهلية في دعم جزء من هذه المشاريع، تبقى قدرتها على لعب دور أكبر في التنمية المحلية مرتبطة بتوفير بيئة داعمة تشمل التمويل والتدريب والتسويق والاستقرار، بما يتيح لهذه المشاريع الاستمرار والنمو وتحويلها إلى رافعة حقيقية للاقتصاد المحلي.

السويداء.. فقر وإحباط يدفعان الشباب نحو الهجرة

 

مقالات متعلقة

  1. "صندوق الائتمان": 374 مليون يورو منح وقروض في سوريا
  2. اتفاق بين محافظة السويداء ومنظمة دولية لتنفيذ مشاريع خدمية
  3. شتاء قاسٍ على مهجري السويداء في درعا
  4. تسعيرة "الحكومة" تضرب موسم عنب التقطير بالسويداء

مجتمع

المزيد من مجتمع