لم تعد “البسطات” في مدينة السويداء مجرد ظاهرة موسمية أو نشاط محدود، بل تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى أحد أبرز أشكال العمل التي يلجأ إليها السكان لتأمين دخلهم اليومي.
فمع تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف افتتاح المحال التجارية، إضافة إلى تداعيات أحداث تموز 2025، وما تبعها من موجات نزوح وتهجير داخلي نحو المدينة، باتت الأرصفة والمساحات العامة تضم عشرات “البسطات” التي تبيع الملابس والمواد الغذائية والخضار والقهوة والدخان وغيرها من السلع الأساسية أو البسيطة.
ملجأ للهرب من البطالة
يروي أمير شاب من دفعة الثانوية العامة 2025، كيف أنه اختار افتتاح “بسطة” لبيع القهوة بدلًا من البقاء دون عمل خلال الفترة الحالية.
وقال أمير لعنب بلدي، إن تكلفة مشروعه الصغير بلغت نحو 200 دولار شملت شراء “الكولبة” والبضائع، وأضاف أنه لولا مساندة أخيه المغترب لما استطاع البدء”، معتبرًا أن “البسطة” تؤمّن له دخلًا ولو كان بسيطًا وتساعده على استثمار وقته.
وبالقرب من مستشفى العناية الخاص وسط المدينة، التقت عنب بلدي بشاب آخر يعمل على “بسطة” تضم بعض المواد الغذائية الخفيفة، مثل “البسكويت” و”الإندومي”، مشيرًا إلى أن تكلفة المشروع لم تتجاوز 350 ألف ليرة سورية.
وعلى مسافة بضعة أمتار منه “بسطة” لبيع المشروبات الساخنة، يوضح صاحبها “البسطة” ليست ملكًا له بل استأجرها مقابل 150 ألف ليرة شهريًا، لأن هذا الخيار أقل تكلفة من المحل تجاري، خاصة مع ارتفاع الإيجارات داخل المدينة وعدم قدرة العمل على تغطية كامل التكاليف.
وقال لعنب بلدي، إن إيجار بعض المحال يبلغ 100 دولار شهريًا ويرتفع بحسب الموقع والمساحة، وهو مبلغ يصعب على كثيرين تحمله في ظل ضعف القدرة الشرائية وتراجع الحركة ما يجعل “البسطات” خيارًا أقل تكلفة وأسرع للبدء بالعمل.
ولم يقتصر العمل على فئة الشباب فقط، إذ اضطر سامر، وهو موظف متقاعد، للعمل على “بسطة” لبيع الدخان بعد تعثر حصوله على راتبه التقاعدي وعدم توفر فرص عمل مناسبة لعمره، مضيفًا لعنب بلدي أن “البسطة” أصبحت مصدر دخله الأساسي في الوضع الراهن.
آراء متباينة حول انتشار “البسطات”
في الشارع، تتباين آراء السكان حول هذه انتشار هذه ظاهرة “البسطات”، إذ قال أحد الأهالي، إن الأرصفة في العديد من المناطق لم تعد تتسع للمشاة كما في السابق، بعدما احتلت “البسطات” أجزاء واسعة منها.
وأضاف أن المارة يضطرون أحيانًا إلى السير على حافة الطريق وبين السيارات، بسبب ضيق المساحات المخصصة للمشي.
وقالت إحدى السيدات، إن الازدحام الناتج عن انتشار “البسطات” بات يشكل مصدرًا للقلق، موضحة أنها لم تعد تشعر بالاطمئنان عند إرسال ابنها لقضاء حاجيات بسيطة بمفرده، لأن بعض الأرصفة أصبحت شبه مغلقة أمام المشاة، ما يضطرهم للسير بمحاذاة السيارات في الشارع.
وبرأي مواطن آخر، فإن التوسع العشوائي لـ”البسطات” خلق حالة من الازدحام في بعض الشوارع الحيوية داخل المدينة، لافتًا إلى أن وجودها المتزايد يحتاج إلى تنظيم يوازن بين حق أصحابها في العمل وحق المشاة في استخدام الأرصفة.
في المقابل، قال صاحب “بسطة” لبيع الملابس على أحد أرصفة الشارع المحوري وهو شارع رئيس في المدينة، إنه يعمل في هذا المجال منذ نحو عامين، كسب فيها محبة و ثقة كثير من الزبائن لأن أسعار البضائع التي يبيعها أقل من أسعار المحال التجارية، وهو ما يتناسب مع القدرة الشرائية الحالية لكثير من الأهالي.
وأضاف أنه يتفهم شكاوى بعض المارة من الازدحام، لكنه يتعرض أحيانًا لعبارات جارحة وانتقادات منهم عند تجمع الزبائن أمام “بسطته” وإغلاق جزء من الرصيف، رغم أن عمله يشكل مصدر دخله الوحيد ويؤمّن احتياجات أطفاله.
إلا أن جزءًا من الأهالي ينظرون إلى “البسطات” باعتبارها استجابة مباشرة للأوضاع المعيشية الصعبة أكثر من كونها ظاهرة عشوائية.
وقال أحد السكان، إن كثيرًا من أصحاب “البسطات” فقدوا أعمالهم أو مصادر دخلهم خلال السنوات الماضية، ما دفعهم للبحث عن أي فرصة تمكنهم من تأمين احتياجات أسرهم.
ويرى أن هذه المشاريع الصغيرة أصبحت ملاذًا اقتصاديًا لشريحة واسعة من السكان في ظل محدودية فرص العمل وارتفاع تكاليف الاستثمار.
وبين من يرى في “البسطات” تعديًا على الأرصفة وتشويهًا للمشهد العام للمدينة، ومن يعتبرها طوق نجاة اقتصاديًا وفرصة عمل لا تتطلب رأس مال كبيرًا، تواصل هذه المشاريع الصغيرة انتشارها في شوارع السويداء.
ويعكس هذا الواقع حجم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المحافظة خلال السنة الأخيرة، حيث دفعت الظروف المعيشية الصعبة كثيرين إلى البحث عن مصادر دخل بديلة بأقل التكاليف الممكنة.
وفي ظل غياب فرص العمل الكافية وارتفاع تكاليف الاستثمار، تبدو “البسطات” بالنسبة للكثير من الأسر خيارًا فرضته الحاجة أكثر مما كان خيارًا اقتصاديًا مخططًا له، ما يجعل تنظيمها وتوفير بدائل عمل أكثر استقرارًا تحديًا يزداد إلحاحًا مع مرور الوقت.
