طرطوس.. إلغاء استثمار برج “الطاحونة” وإعادته كمعلم أثري

  • 2026/06/28
  • 11:45 ص
الواقع المعماري لبرج الطاحونة بطرطوس القديمة قبيل تعديل تفاصيله الأثرية لغايات الاستثمار السياحي قبل سنوات (توثيق الباحث إياد السليم)

الواقع المعماري لبرج الطاحونة بطرطوس القديمة قبيل تعديل تفاصيله الأثرية لغايات الاستثمار السياحي قبل سنوات (توثيق الباحث إياد السليم)

enab_get_authors_shortcode

طرطوس – شعبان شاميه

قرر مجلس مدينة طرطوس إنهاء استثمار برج “الطاحونة” التاريخي وإعادته إلى صفته الأصلية كمعلم أثري، تلبية لمطالبات واسعة من الأهالي والجمعيات التراثية، بحسب ما قاله رئيس مجلس المدينة، شادي حليمة، لعنب بلدي.

وأضاف أن العلاقة القانونية مع المستثمر الحالي ستنتهي قريبًا بنهاية عقده، مؤكدًا توجيه إنذارات بالإخلاء لجميع الشاغلين المخالفين بالموقع.

اتهامات بطمس الهوية التاريخية

واجهت أعمال التجهيز الاستثمارية التي حولت برج “الطاحونة” الأثري في طرطوس القديمة إلى مطعم ومقهى سياحي، قبل سنوات، موجة انتقادات من أوساط ثقافية ومحلية معنية بحماية التراث.

وتركزت الاعتراضات حينها على حجم التغييرات المعمارية التي طالت الموقع، والتي شملت إزالة الهيكل الخشبي للطاحونة، واستخدام الأسمنت والسيراميك في إكساء الجدران الأثرية لتجهيز المرافق، إضافة إلى ثقب الجدران لتمديد الشبكات الخدمية، وتركيب واجهات زجاجية حديثة.

وفي الوقت الذي سجل فيه المشروع نجاحًا تجاريًا كإضافة سياحية نشطة على الكورنيش البحري لطرطوس، أكد متابعون أن تلك التعديلات المعاصرة شكلت انتهاكًا لقانون الآثار السوري، وأسهمت في طمس الهوية التاريخية للبناء لمصلحة الاستثمار.

التسليم في تموز.. خطة لإزالة التعديات

كشف حليمة أن خطة المدينة البديلة حاليًا تعتمد على طرح إشغالات تنظيمية بسيطة على الكورنيش البحري عبر مزادات علنية، بما يضمن الحفاظ على المظهر الجمالي والتخطيطي للكورنيش، ولا يؤثر على النواحي التراثية للمدينة.

كما تحدث عن تنفيذ حملة لإزالة جميع التعديات والإشغالات العشوائية المحيطة بالبرج فور تسلّم الموقع رسميًا في تموز المقبل، موضحًا الأهمية التاريخية للموقع كجزء من ذاكرة المدينة ورابط حيوي بين طرطوس وجزيرة “أرواد”.

ولفت حليمة إلى أن القرار جاء استجابة لمطالب شعبية ملحة من أهالي المدينة، تلقاها عبر المراجعين ومنصات التواصل الاجتماعي، مضيفًا أنه استند إلى مخاطبات رسمية ومبررات قدمتها جمعيات أهلية عريقة متخصصة في حماية الآثار والتراث، على حد قوله.

“آثار طرطوس”: القرار يتوافق مع المصلحة الأثرية

رئيس دائرة الآثار والمتاحف في طرطوس، عبد الحي المحمد، قال إن إلغاء استثمار برج “طاحونة باب الهوى” قرار إداري يخص مجلس المدينة باعتباره الجهة المالكة، مشيرًا إلى توافقه مع المصلحة الأثرية لحماية المبنى وتاريخه.

وأضاف المحمد، في حديث إلى عنب بلدي، أن دور “المديرية” يتركز على وضع شروط صارمة لحماية البناء ومراقبة الاستثمار، مؤكدًا أحقيتها في إلغاء أي مشروع في حال حدوث مخالفات أو تعديات، لضمان سلامة الموقع الأثري.

واستعرض المحمد محددات مديرية الآثار والمتاحف لاستثمار المواقع الأثرية، مبينًا أنها تشترط الحفاظ التام على البنية الأصلية والطابع المعماري للمبنى دون أي تعديل.

كما تشمل الشروط أن تكون المنشآت الإضافية مؤقتة وسهلة الإزالة دون الإضرار بالأثر، مع استخدام مواد منسجمة مع هوية الموقع كالزجاج والخشب، وبما لا يخلّ بالطابع العام.

وشدد المحمد على ضرورة ألا يعوق أي نشاط استثماري حركة الزوار وحقهم في استكشاف الموقع والاطلاع عليه.

الاستثمار في الأثر.. تجربة لا استهلاك

الباحث في التاريخ الاجتماعي الثقافي والعمراني الحديث الدكتور رفعت عثمان، أكد في حديث إلى عنب بلدي، أن قانون الآثار يُلزم الجهات المستثمرة بالحصول على موافقة رسمية مسبقة قبل إجراء أي تعديل في المواقع الأثرية، لافتًا إلى أن هذه التعديلات تخضع لضوابط تراثية خاصة، وبخلاف ذلك، يُصنف أي إجراء غير مرخص كـ”تعدٍّ على أثر ثابت”.

وأشار الباحث إلى أن تحويل المعالم الأثرية إلى مشاريع سياحية يحتاج لإدارة ناجحة وخطوات مدروسة، تحقق التوازن بين الحفاظ على الهوية الأثرية والاستثمار التجاري.

ولضمان سلامة الأثر، دعا عثمان إلى تشكيل لجنة مشتركة تضم مهندسين مختصين بالمنشآت التراثية من نقابة المهندسين، وممثلين عن مديرية الآثار، وخبراء ترميم، عند منح مثل هذه الاستثمارات، لتحديد الأجزاء الواجب إزالتها أو الحفاظ عليها، مع منع استخدام “البيتون” والأسمنت والسيراميك، والاعتماد على تنظيف الحجر الأصلي بمواد خاصة واستخدام مواد ترميم قابلة للإزالة.

كما حرص الباحث على حظر حفر الجدران لمد شبكات الكهرباء والاستعاضة عنها بأنابيب خارجية تتوافق مع المنظر العام، وبناء المرافق الحديثة كالمطابخ والحمامات كمنشآت مستقلة تمامًا وغير ملتصقة بالمبنى الأثري، فضلًا عن حماية الأرضية الأصلية عبر تركيب أرضيات مرتفعة ومؤقتة.

وركّز عثمان على ضرورة تقديم القيمة الثقافية للموقع على الربح التجاري، ليكون المبنى الأثري هو الجوهر والخدمة عاملًا مكملًا في إطار ثقافة سياحية قائمة على “التجربة لا الاستهلاك”.

واستشهد الباحث بتجارب عالمية ناجحة في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا تطبّق مبدأ “الاستثمار في الأثر دون تغيير هويته”، مثل القصر التاريخي في بوردو، وقلاع توسكانا، وطواحين إسبانيا التي تحولت إلى مقاهٍ ومزارات سياحية دون المساس ببنيتها الأصلية.

ويعد برج “الطاحونة” في طرطوس القديمة أحد المباني الأثرية القليلة الباقية خارج السور الثاني للمدينة الأسقفية، إلى جانب كاتدرائية السيدة العذراء وبوابة طرطوس القديمة.

ويحظى البرج بحماية قانونية صارمة باعتباره مسجلًا على لائحة التراث الوطني منذ عام 1973، مما يجعله خاضعًا لمعايير دقيقة في الترميم والاستثمار والحفاظ، وذلك وفقًا لما أوضحه رئيس دائرة الآثار والمتاحف في المحافظة، عبد الحي المحمد، لعنب بلدي.

ويعود تاريخ تشييد هذا المعلم الأثري إلى الفترة الصليبية، بحسب المحمد، إذ بُني من الحجر الرملي ويتألف من طابقين يربط بينهما درج حجري. كما تظهر في جدرانه مرامي سهام واضحة تؤكد طابعه وهويته الدفاعية الأصلية كبرج دفاعي جنوبي للمدينة الأسقفية.

وفي سياق تصحيح المفاهيم التاريخية الشائعة حول الموقع، قال المحمد، إن تسمية المعلم بـ”برج طاحونة باب الهوى” خاطئة، تفسيرها يعود إلى وجود مجسم مراوح طاحونة أُضيف إلى البناء في فترة حديثة لاحقة، معتبرًا أن هذه الإضافة لا تمتّ بصلة للوظيفة الدفاعية والأثرية الأصلية التي شُيّد البرج من أجلها.

امتداد فينيقي مخفي لبرج “الطاحونة”

الباحث في الآثار إياد السليم قال في حديث إلى عنب بلدي، إن إزالة الطبقات الترابية المحيطة بـ”برج الطاحونة” ستكشف عن امتدادات معمارية غارقة في القدم تعود إلى الحقب الفينيقية.

وأوضح السليم أن عمليات حفر مدروسة بعمق مترين في الجهتين الشمالية والجنوبية للبرج، وثلاثة أمتار في جهته الشرقية، كفيلة بإظهار بنية أثرية سابقة.

وترتبط هذه البنية، بحسب السليم، مباشرة بجسم البرج والمستودعات القائمة في الطرف الشرقي، مشددًا على أن ظهور أساسات بعمق مترين من هيكل البرج الحالي يعد من البديهيات الهندسية والتاريخية.

واستند الباحث إلى دليل يتمثل في موقع “مرمى السهام” الحالي، والذي يقع مباشرة على مستوى الشارع الفعلي، مشيرًا إلى أن المتعارف عليه في العمارة الدفاعية وجود هذه المرامي على ارتفاع لا يقل عن ثلاثة أمتار، مما يؤكد وجود بنية تحتية طمرها الزمن بعمق مترين تحت مستوى الأرض الحالي.

بدوره، دحض السليم الرواية التي تربط تسمية البرج بالمجسم الخشبي الصغير الذي وُضع كمعلم سياحي في سبعينيات القرن الماضي.

وأكد أن البرج احتضن فوق قمة هيكله الدفاعي طاحونة حبوب حقيقية وضخمة خلال فترة الانتداب الفرنسي، استمرت في العمل لسنوات طويلة بعد جلاء الفرنسيين، على غرار مطاحن الهواء الست الشهيرة التي كانت تخدم جزيرة “أرواد”.

واعتبر السليم أن أهالي طرطوس القديمة تعاملوا بذكاء مع طبيعة أرضهم، إذ استثمروا ارتفاع البرج وموقعه الاستراتيجي كمصدّ طبيعي للرياح لتشغيل المطاحن.

وشكّل هذا الأمر بديلًا أعفاهم من مشقة نقل محاصيل الحبوب لطحنها في جزيرة “أرواد”، أو تكبد عناء السفر نحو المطاحن المائية في المجاري الجبلية شرقي المدينة.

تحديث معالم طرطوس القديمة

أعلن رئيس دائرة آثار طرطوس، عبد الحي المحمد، أن “الدائرة” قدمت مقترحًا لتعديل قرار تسجيل مدينة طرطوس القديمة وتحديثه.

ويتضمن المقترح، وفق ما كشف المحمد لعنب بلدي، إدراج معالم كأجزاء رئيسة ضمن موقع مدينة طرطوس القديمة، مثل: كاتدرائية طرطوس، البرج الدفاعي الجنوبي (طاحونة باب الهوى)، بوابة طرطوس القديمة، وبقايا السور الأثري، إلى جانب تصحيح تسمياتها، مؤكدًا الحصول على موافقة المجلس الأعلى للآثار، وبانتظار التصديق لإصداره رسميًا.

مقالات متعلقة

  1. ما الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية بسبب الزلزال في سوريا
  2. عنب بلدي – العدد 749 – الأحد 28 حزيران 2026
  3. استثمارات جزيرة أرواد.. خطة "طموحة" لكن "حماسية"
  4. حلب.. مبانٍ سكنية تنهار نتيجة هزات ارتدادية لحقت الزلزال

خدمات محلية

المزيد من خدمات محلية