غزوان قرنفل
حين انطلقت الثورة السورية قبل أكثر من 14 عامًا، لم تكن مجرد إعلان رفض لسلطة صادرت المجال العام وأممت العمل السياسي وأمعنت في البطش والتهميش، ولم تكن مجرد مواجهة سياسية مع سلطة استبدادية، بل كانت أيضًا فرصة تاريخية لإعادة بناء المجال العام السوري على أسس جديدة تفسح مجالًا للمشاركة والشراكة والتأسيس لمفهوم المواطنة وسيادة القانون.
خلال تلك السنوات ظهرت مئات المنظمات والمبادرات والمؤسسات المدنية، وتدفقت برامج التدريب والتمويل والدعم، وتكوّن جيل كامل من الناشطين الذين حملوا شعارات الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان وسيادة القانون وتمكين المرأة، وكان من الطبيعي أن يعتقد كثيرون، وأنا منهم، أن هذه التجربة الطويلة ستترك أثرًا عميقًا في المجتمع السوري، وأنها ستؤسس لثقافة سياسية جديدة تتجاوز العصبيات التقليدية والانقسامات الضيقة.
لكن الواقع الذي نشهده اليوم يدفعنا إلى مواجهة سؤال موجع هو: ماذا كانت حصيلة كل هذا الجهد؟ وما الأثر الفعلي له والذي يمكن تلمّسه على الأرض؟ فاللحظة الراهنة، التي كان يفترض أن تتجلى فيها ثمار العمل المدني، تبدو فيها سوريا غارقة أكثر من أي وقت مضى في الاستقطابات الطائفية والانتماءات العشائرية والولاءات ما قبل الوطنية، حتى إن الخطاب العام في كثير من الأحيان بات يقاس بميزان الهوية والانتماء الديني أو القومي أو المذهبي لا بميزان القانون والمواطنة.
بطبيعة الحال، لا يتعلق الأمر بوجود التنوع الطائفي أو العشائري بحد ذاته، فهذه المكونات كانت دائمًا موجودة، وهي جزء من البنية المجتمعية السورية، لكن المشكلة أن هذه الانتماءات تحولت مجددًا إلى مرجعية أساسية في تفسير الأحداث وتحديد المواقف منها وتوزيع الولاءات، وكأن سنوات طويلة من الحديث عن الدولة المدنية والمواطنة المتساوية لم تترك أثرًا يُذكر في الوعي العام.
الأكثر إثارة للقلق أن هذا الانزلاق لم يقتصر على عامة الناس، بل شمل قطاعات من النخب والناشطين الذين يفترض أنهم كانوا في مقدمة المدافعين عن القيم المدنية حتى صار مألوفًا اليوم أن ترى أشخاصًا أمضوا سنوات في الحديث عن حقوق الإنسان والديمقراطية، يبررون ممارسات السلطة أو يتغاضون عنها أو يهاجمون منتقديها، انطلاقًا من اعتبارات سياسية أو هوياتية أو حتى عاطفية، وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين أثر مؤسسات المجتمع المدني وبرامجها طوال هذه السنوات؟
القيمة الفارقة للمجتمع المدني ليست في تنظيم الورشات والندوات وإصدار البيانات والتقارير، بل في قدرته على بناء ثقافة وقيم عامة راسخة تجعل المواطن قادرًا على الدفاع عن المبادئ حتى عندما تتعارض مع مصالحه أو مع انتماءاته الضيقة، لكن عندما نجد أن المجتمع ينكص بسرعة إلى الطائفة والعشيرة كلما واجه أزمة، فإن ذلك يعني أن عملية بناء المواطنة لم تحقق نجاحًا يُذكر.
ربما يكون من الظلم تحميل المجتمع المدني وحده مسؤولية هذا الإخفاق، فالحروب الطويلة والفقر والانهيار الاقتصادي والتهجير والانقسامات المسلحة كلها عوامل تسهم عادة في إضعاف الروابط الوطنية، لكن من الصعب أيضًا إعفاء المؤسسات المدنية من المسؤولية والمساءلة المجتمعية، ذلك أنه وبعد أكثر من عقد من العمل والخبرة والتمويل والعلاقات الدولية، كان من المنتظر أن تكون أكثر قدرة على إنتاج نخب أكثر استقلالًا، وخطاب أكثر قوة ورسوخًا، وأثر مجتمعي أكثر مقاومة للانقسامات الأولية.
لقد أظهر الواقع أن جزءًا كبيرًا من العمل المدني السوري انشغل بإدارة المشاريع أكثر من انشغاله بإحداث التغيير الاجتماعي المأمول، وأصبح نجاح المنظمة يقاس بعدد الأنشطة والتقارير والمنح التي حصلت عليها، وليس بمدى قدرتها على تغيير أنماط التفكير السائدة داخل المجتمع، وتحولت لدى بعض الجهات عبارات الديمقراطية وحقوق الإنسان وتمكين المرأة إلى مفردات سقيمة تُستخدم في المشاريع والبرامج أكثر من كونها قيمًا راسخة تحكم المواقف والسلوك، ولهذا السبب لم يكن مفاجئًا أن تتراجع تلك المفردات سريعًا أمام ضغط الانقسامات السياسية والطائفية، لأنها ببساطة لم تتجذر كجزء من ثقافة المجتمع، بل كانت مجرد شعارات لاستدراج عروض التمويل لا أكثر، ولهذا أيضًا فإن أول أزمة كبرى عصفت بالمجتمع كانت كفيلة بكشف مدى هشاشتها.
إن أخطر ما تكشفه المرحلة الحالية ليس فقط وجود التطرف أو الطائفية أو العصبيات العشائرية وعلو صوتها، بل اكتشاف أن كثيرًا من المؤسسات والنخب التي كان يفترض أن تشكل سدًا في مواجهتها تخاذلت أو لم تنجح في أداء هذا الدور، وبدلًا من أن تكون رافعة لقيم المواطنة وسيادة القانون، وجدت نفسها عاجزة عن مواجهة الانقسامات أو متورطة في بعضها.
إن مراجعة تجربة المجتمع المدني السوري تبدو الآن كحاجة وضرورة وطنية، ذلك أن ما يبني المجتمعات هو القدرة على ترسيخ قيم المواطنة والحرية والمساواة في الوعي الجمعي، بحيث تبقى حاضرة حتى في أصعب الظروف، وإذا كانت سوريا اليوم تشهد نكوصًا قويًا نحو الهويات ما دون الوطنية، فإن ذلك يستدعي وقفة صريحة وشجاعة أمام مرآة الواقع ليس بهدف جلد التجربة المدنية أو إنكار ما حققته من إنجازات، بل بهدف فهم أسباب التعثر وضعف الأثر إلى درجة الانعدام تقريبًا، لأن أي مشروع حقيقي لبناء دولة حديثة سيبقى متعثرًا ما لم نستخلص الدروس من هذا الفشل، وما لم ندرك أن بناء الإنسان وترسيخ المفاهيم أصعب بكثير من بناء المؤسسات، لكنه في النهاية هو الشرط الأساسي لنجاحها.
