مشاريع العقارات الفاخرة تثير الجدل في سوريا

  • 2026/06/28
  • 2:00 م
حفل إطلاق مشروع "يعفور 963" بحضور وزراء ومحافظين بسعر 300 ألف دولار للوحدة السكنية - 17 حزيران 2026 (سانا)

حفل إطلاق مشروع "يعفور 963" بحضور وزراء ومحافظين بسعر 300 ألف دولار للوحدة السكنية - 17 حزيران 2026 (سانا)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – وسيم العدوي

في ظل توسع السياسات الحكومية باتجاه دعم المشاريع العقارية الـ”VIP” كأحد محركات الاستثمار وإعادة الإعمار، يتزايد الجدل عبر وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية وصفحات التواصل الاجتماعي بين الخبراء بشكل واسع، حول مدى قدرة هذا التوجه على تحقيق تنمية متوازنة، مقارنة بتأثيراته المحتملة، وربما “الكارثية” على أسعار العقارات والإيجارات وهيكل السوق السكني.

تتناول هذه المادة من عنب بلدي قراءة تحليلية لآراء ثلاثة خبراء اقتصاديين ومصرفيين، حول التحولات والمخاطر التي قد تفرضها سياسة الحكومة السورية المستندة إلى جذب رؤوس الأموال للتكتلات المالية العالمية إلى السوق العقارية السورية.

حجم السوق بين أربعة وستة مليارات دولار

يرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور محمود عبد الكريم، في حديث إلى عنب بلدي، أن السعر المرتفع لأي مشروع عقاري يتم إطلاقه في سوريا يتحول إلى مرجع تسعيري لبقية السوق.

وقال عبد الكريم، “عندما يُطرح المتر السكني الفاخر بسعر يفوق متوسط السوق بنسبة تتراوح بين 30 و60%، يبدأ ملاك العقارات المجاورة برفع أسعارهم تدريجيًا حتى دون أي تحسن فعلي في جودة العقارات”.

ولم تعد الإيجارات في سوريا اليوم مسعّرة بالليرة على كامل الجغرافيا، بل بالدولار، وحين يدخل مشروع مثل “يعفور 963” الذي تبدأ أسعار وحداته من 300 ألف دولار، فإنه يضع مرجعية دولارية مرتفعة جدًا لكل ما حوله، فترتفع الإيجارات المجاورة، لأن المالك صار يقيس عائده المتوقع على أساس قيمة رأسمالية جديدة بالدولار.

ويقدّر حجم السوق العقارية الفاخرة (لأصحاب الثروات ورجال الأعمال) بما بين أربعة وستة مليارات دولار، وهو ما يعني تجميد جزء كبير من السيولة في أصول غير إنتاجية.

وأكد عبد الكريم أن الوجه الآخر لهذه التحولات يتمثل في “الإحلال الطبقي”، حيث يؤدي ارتفاع الإيجارات والأسعار إلى خروج أو تهجير تدريجي للأسر متوسطة ومحدودة الدخل من المناطق التي تشهد مشاريع لأصحاب الثروات، بدلًا من توجيه رؤوس الأموال إلى المشاريع الإنتاجية، وتحسين المداخيل للأسر.

مقارنة للإيجارات والمبيع في دمشق وريفها

بحسب ما رصدته عنب بلدي، فإن تأثير مشاريع الـ”VIP” يمتد مباشرة إلى الإيجارات، خاصة مع هيمنة التسعير بالدولار وغياب أي تنظيم حكومي فعلي للسوق.

وبالمقارنة بين منطقتين إحداهما من أغلى المناطق في دمشق، وأخرى في ريف دمشق، تم تسجيل مستويات الإيجارات الحالية:

الشقق الفاخرة “سوبر ديلوكس” (المالكي وكفرسوسة- من 100 إلى 200 متر مربع): من 1300 إلى 2000 دولار شهريًا.

الشقق المتوسطة: الإيجار يتراوح بين 350 و600 دولار.

وبالنسبة إلى المبيع، فإن شقة في المهاجرين (الأقل مرتبة سعرية من المالكي)، بمساحة 90 مترًا مربعًا، تُعرض للبيع بنحو 85 ألف دولار، أي ما يقارب 944 دولارًا للمتر المربع.

المناطق على أطراف العاصمة: إيجار الشقة يتراوح بين 250 و350 دولارًا.

المشاريع الفاخرة: في يعفور (مشروع 963)، يبدأ سعر الشقة من 300 ألف دولار لمساحة بين 120 و150 مترًا، أي أن سعر المتر يتراوح بين 2000 و2500 دولار، وهو ما يعادل ضعف إلى ثلاثة أضعاف سعر المتر في المهاجرين، رغم أن يعفور تقع على بعد نحو 13 كيلومترًا فقط من مركز دمشق.

وخلص عبد الكريم إلى أن هذه الفجوة تعيد رسم خريطة التسعير في دمشق وريفها، وقد أسهمت في رفع الإيجارات بنحو 25% مؤخرًا، دون أن يحدّ منها أي تحسن في الدخول التي تبقى مقوّمة بالليرة مقابل إيجارات مقوّمة بالدولار.

وتساءل الخبير، “كيف يمكن لمدينة أن تشهد طفرة في الأبراج الفاخرة، بالتوازي مع أزمة متفاقمة في السكن الميسور”.

وقدم عبد الكريم مقارنة بين الدخول وأسعار العقارات:

الحد الأدنى للأجور: نحو 12560 ليرة جديدة (≈100 دولار).

متوسط الرواتب: 80-100 دولار.

متوسط سنوي تقريبي: 1080 دولارًا.

وبناء عليه، فإن شراء شقة بسعر 300 ألف دولار يتطلب ادخار كامل الراتب لمدة تقارب 278 عامًا.

ما الحل؟

يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي عبد الكريم، أن الحل لا يكمن في منع المشاريع الفاخرة، بل في تنظيمها عبر أدوات واضحة:

1. الإسكان الميسر الإلزامي:

نسبة عالمية بين 10 و30% من الوحدات.

مثال: فرض 20% على مشروع “يعفور 963” يعني نحو 256 وحدة ميسرة.

2. الضرائب التنظيمية:

ضريبة على العقارات الخالية.

ضريبة على الأرباح الرأسمالية قصيرة الأجل.

ضرائب تصاعدية على العقارات مرتفعة القيمة.

3. حماية المستأجر:

سقوف للزيادة في الإيجار السنوي.

تنظيم الإيجارات بالدولار مقابل دخول بالليرة.

منع الطرد التعسفي.

وأكد أن المشكلة ليست تشريعية فقط، بل تنفيذية مرتبطة بقدرة الجهاز الإداري والرقابي.

تبنٍّ حكومي لسياسة السوق المفتوح

قال الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور الأكاديمي ياسر المشعل لعنب بلدي، إن إجراء دراسات حول نسبة السوريين القادرين على التملك في المشاريع العقارية الجديدة يعد ضرورة تخطيطية لتوجيه الاستثمار بما يخدم المصلحة الوطنية، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن الحكومة تتبنى سياسة السوق المفتوح بهدف جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال.

ويقدّر البنك الدولي احتياجات إعادة إعمار قطاع الإسكان في سوريا بنحو 75 مليار دولار، مع وجود مئات الآلاف من الوحدات السكنية المدمرة أو المتضررة.

وبهذا الشأن، أشار المشعل إلى أن الاستثمارات تتجه نحو المجمعات الفاخرة بدلًا من الإسكان الاقتصادي أو مشاريع الترميم الحضري، سعيًا وراء الربحية السريعة واستهداف الشريحة القادرة على الدفع بالدولار.

لكنه يرى أن المشاريع العقارية الكبرى في مناطق مثل قدسيا والبجاع ويعفور، ستؤدي إلى موجة من “التحسين الحضري” (Gentrification)، بما ينعكس على السوق العقارية عبر ثلاثة آثار رئيسة:

  • ارتفاع كبير في أسعار الأراضي والعقارات المجاورة نتيجة توقعات تحسن الخدمات والبنية التحتية.
  • زيادة الضرائب والرسوم العقارية بسبب ارتفاع التقييمات المالية للمناطق المستهدفة.
  • التهجير الاقتصادي للسكان المحليين نتيجة ارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة، ما يدفع أصحاب الدخل المحدود إلى بيع عقاراتهم أو الانتقال إلى مناطق أقل تكلفة.

الإسكان الميسر.. فرصة مهدورة

يتفق المشعل مع عبد الكريم في الحل المتمثل بقيام العديد من الدول بفرض ما يُعرف بـ”النسبة الإلزامية للإسكان الميسر” (Inclusionary Zoning)، بحيث يُلزم المطور العقاري بتخصيص ما بين 15 و20% من الوحدات السكنية لذوي الدخل المحدود مقابل حوافز تنظيمية وضريبية، وعدم وجود هذا الشرط في المشاريع السورية يدل على غياب رؤية متكاملة لمعالجة أزمة السكن لدى الحكومة.

ولكن استفادة المواطن السوري العادي من “مشاريع الثروات” تكاد تكون محدودة للغاية، وقد تكون سلبية في بعض الحالات، حيث يحصر الخبير السوري المنافع المحتملة في جانبين رئيسين:

  • فرص العمل المؤقتة في قطاع البناء والتشييد خلال مرحلة تنفيذ المشاريع.
  • فرص العمل الخدمية بعد الافتتاح، مثل الحراسة والنظافة والخدمات والمطاعم والمتاجر.

إلا أن هذه الوظائف تُدفع أجورها بالعملة المحلية، وغالبًا ما تكون متدنية مقارنة بتكاليف المعيشة المرتفعة في تلك المناطق، ما يعني أن المواطن العادي سيبقى في موقع مقدم الخدمة داخل هذه المجمعات، لا في موقع المستفيد أو المستهلك منها.

خبير: سوريا تنزلق إلى اقتصاد عقاري وليس إنتاجيًا

يرى الخبير الاقتصادي الأكاديمي الدكتور محمد تيسير فقيه، في حديث إلى عنب بلدي، أن الخطر لا يكمن في القطاع العقاري نفسه، بل في تحوله إلى المحرك الرئيس للاقتصاد، إذ إن المشاريع الفاخرة تخلق نموًا في أسعار الأراضي والعقارات والخدمات، لكنها لا تؤسس بالضرورة لنمو إنتاجي مستدام ما لم ترتبط بقطاعات داعمة.

وفي هذا السياق، يرى الحل في:

  • إطلاق حوافز أكبر للصناعة والزراعة.
  • ربط المشاريع العقارية الكبرى بنسب إلزامية للإسكان الميسر.
  • إلزام المستثمرين بالمساهمة في البنية التحتية المحلية.
  • تعزيز سلاسل التوريد المحلية وصناعة مواد البناء.
  • توجيه جزء من التمويل نحو الأنشطة الإنتاجية.

وخلص الخبير إلى أن سوريا مهددة بالانزلاق نحو اقتصاد عقاري- خدمي إذا لم تترافق الطفرة العقارية مع سياسات داعمة للإنتاج والإسكان الميسر، أما إذا استُخدمت هذه الاستثمارات كرافعة لإعادة الإعمار الإنتاجي، فقد تصبح العقارات جزءًا من الحل لا العنوان الوحيد للاقتصاد.

خطر اقتصاد “الجزر المعزولة”

اعتبر فقيه أن استمرار بناء المشاريع الكبرى لخدمة الشرائح الأكثر ثراء، دون ارتباطها بسياسات إسكان وتنمية شاملة، يهدد الاقتصاد السوري الذي يعاني أساسًا من:

  • انكماش اقتصادي حاد.
  • تفاوتات اجتماعية واسعة.
  • تراجع مستمر في القدرة الشرائية.
  • حاجة ملحة لإعادة بناء الزراعة والصناعة والبنية التحتية.

وحذر من نشوء ما يُعرف بـ”اقتصاد الجزر المعزولة”، أي مناطق الرخاء المحدودة حول المشاريع المغلقة والفاخرة، مقابل بقاء أجزاء واسعة من الاقتصاد خارج دائرة الاستثمار والتنمية.

ويتضح أن إدارة إعادة إعمار سوريا بمنطق الربحية السريعة قد تحوّل العقار إلى أداة لتراكم الثروة لدى فئة محدودة، فيما تبقى الأغلبية خارج دائرة الاستفادة، مما يؤدي إلى اتساع الفجوات في الدخل والملكية، وإضعاف الأثر التنموي الحقيقي للاستثمارات العقارية على المدى الطويل.

مقالات متعلقة

  1. إيجارات المنازل في سوريا.. تضخم دون إجراءات
  2. إلغاء "ضريبة البيوع".. سوق العقارات بانتظار التحسن
  3. عقارات دمشق.. أسعار تنافس الدول المتقدمة والمالية تعد بالحل
  4. خلال عام.. إيجارات المنازل ترتفع 70% بإدلب

أخبار وتقارير اقتصادية

المزيد من أخبار وتقارير اقتصادية