عنب بلدي – شعبان شاميه
شهدت المجتمعات عبر التاريخ اختلافًا طبيعيًا بين الأجيال، إلا أن وتيرة التغيرات التقنية والثقافية الحالية وسّعت هذه الفجوة بشكل غير مسبوق بين الجيل السابق والجيل الحالي، الأمر الذي يفرض ضرورة التمييز بين ما إذا كان المجتمع يعيش اليوم صراعًا حقيقيًا وهيكليًا بين جيلين، أم أن المسألة لا تتعدى كونها اختلافًا تمليه المراحل الزمنية المتعاقبة؟
فبعد أن كانت القيم تنتقل تدريجيًا داخل المحيط الأسري من الآباء إلى الأبناء، أصبح الجيل الحالي يتلقى مؤثرات يومية مباشرة من مختلف أنحاء العالم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
هذا التحول أضعف دور الأسرة التقليدي، ولم تعد هي المصدر الوحيد لتلقي المعرفة وتشكيل منظومة القيم، ما يعيد فتح النقاش حول مدى صلاحية التقاليد واستمراريتها لدى جيل اليوم، وبالمقابل، مدى قدرة الآباء والمجتمع ككل على استيعاب وفهم متطلبات هذا الجيل الجديد عوضًا عن اتهامه بالتمرد.
من الناحية التحليلية، ترى الاستشارية في علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، أن الصراع بين الأجيال لا ينتج عن رفض المبادئ والقيم بحد ذاتها، وإنما يرجع إلى اختلاف تفسير هذه القيم ومعانيها بين الطرفين.
وقالت العرنوس، إن كل جيل ينطلق في تقييمه للمواقف من منظور طبيعة العصر الذي يعيش فيه، ويرى فيه الصواب من وجهة نظره الخاصة، ما يحوّل الخلاف من أزمة مبادئ إلى أزمة في الأدوات والتفسير.
أزمة آليات لا جوهر
في محاولة لتفكيك الدوافع التي تجعل كثيرًا من الشباب يعتبرون معظم العادات والتقاليد موروثًا هامشيًا، تُرجع الاستشارية هذا التحول إلى التباين الجذري بين المنظومة البيئية التي نشأ فيها الجيل الحالي وتلك التي شكّلت وعي الآباء والأجداد.
فالشاب المعاصر يتعامل يوميًا مع فضاء معرفي مفتوح وعابر للحدود، يُتيح له وضع ممارسات مجتمعه المحلي في مقارنة مستمرة ومباشرة مع ثقافات إنسانية متعددة، الأمر الذي حفّز لديه نزعة نقدية تميل إلى تفكيك أسباب وجود هذه العادات وجدواها، بدلًا من الامتثال الأعمى لها.
من منظور علم النفس الاجتماعي، قالت العرنوس، إن الارتباط الإنساني بالقيم يظل مشروطًا بمدى إدراك الفرد لمعانيها العميقة وقدرتها على خدمة مسار حياته المعاصرة.
وبناء على ذلك، فإن تقديم التقاليد كقوالب جامدة وأوامر قطعية غير قابلة للنقاش، يدفع الجيل الجديد تلقائيًا نحو الرفض أو التمرد، ما يعني أن معضلة الفجوة الحالية لا تكمن دائمًا في جوهر التقاليد ومبادئها الأصيلة، وإنما في آليات تسويقها وبنيتها الاتصالية وسياق تقديمها للأجيال الجديدة.
تحول فكري يستدعي صياغة جديدة للمفاهيم
أشارت العرنوس إلى أن الجيل السابق يربط مفهوم الاحترام بالطاعة المطلقة، وينظر إلى التعبير عن الرأي المخالف كنوع من تجاوز الحدود وقلة الأدب، في المقابل، ينشأ الجيل الحالي في بيئة تشجع على التعبير عن الذات، ويربط الاحترام بوجود حوار متبادل ومناقشة.
ويتسبب هذا التباين في تفسير الموقف الواحد بشكل متناقض، وفق الاستشارية، فالأب يرى في نقاش ابنه تمردًا وخروجًا عن الأصول، بينما يراه الابن ممارسة مشروعة لحقه الطبيعي في التعبير.
وتعتبر العرنوس أن هذا الصدام لا يعني خطأ أحد الطرفين بالكامل، بل يؤكد أن مفهوم الاحترام نفسه قد تغيّر عبر الزمن، مما يفرض حاجة ماسة لإعادة تعريفه وضبطه داخل الأسرة لاستيعاب هذا التحول الفكري.
كما لفتت الاستشارية إلى أن الشباب لا يرفضون المبادئ والتقاليد الأساسية، بل يعترضون على بعض الممارسات المرتبطة بها والتي تحد من استقلاليتهم أو لا تتناسب مع واقعهم الحالي.
وبيّنت العرنوس أن قيم الصدق والأمانة والكرامة والوفاء والتكافل الأسري لا تزال تحظى بتقدير كبير لدى الشباب باعتبارها قيمًا جوهرية في المجتمع السوري.
وأردفت أن الاعتقاد برغبة الشباب في هدم المجتمع أو التخلص من هويته هو تصور خاطئ، مشيرة إلى أن ما يحدث في الواقع هو محاولة لإعادة تفسير بعض المفاهيم بما يتلاءم مع ظروف العصر.
الهوية في مواجهة التغيير
تمسّك الجيل الأكبر بالتقاليد ليس مجرد عناد، بل محاولة لا واعية للحفاظ على شعورهم بالأمان والاستمرارية، بحسب الاستشارية، إذ يشعرون بأن هويتهم مهددة لارتباطها بالقيم التي شكّلت شخصيتهم.
واستشهدت العرنوس بأبحاث علم النفس الاجتماعي التي تؤكد أن الأفراد يصبحون أكثر تشبثًا بالعادات عند الشعور بعدم الاستقرار أو الخوف من التغيرات السريعة، مما يجعل تراجع هذه القيم بمثابة خطر يهدد وجودهم.
بين فرض الطاعة وإلغاء الماضي.. أخطاء متبادلة
أكدت الاستشارية أن أبرز أخطاء الجيل السابق في التعامل مع الشباب تتمثل في استخدام لغة المقارنة واللوم، مثل عبارات “في زماننا كنا أفضل” أو “أنتم جيل لا يتحمل المسؤولية”، مما يولد لدى الشباب شعورًا بالرفض وعدم الاستيعاب.
وأضافت العرنوس أن الخطأ الثاني يكمن في التركيز على فرض الطاعة عوضًا عن بناء القناعة، موضحة أن الأجيال الجديدة لا تستجيب للأوامر المباشرة، بل تحفزها لغة الحوار والتفسير والمشاركة.
كما أن أبرز أخطاء الشباب تكمن في اعتقادهم أن كل قديم بلا قيمة، وفقًا للاستشارية، مما يحرمهم الاستفادة من خبرات متراكمة عبر عقود.
وتابعت العرنوس أن التقدم لا يعني إلغاء الماضي، مثلما لا يتطلب الحفاظ على الهوية رفض التجديد، معتبرة أن النضج الحقيقي يتجسد في القدرة على التمييز بين ما يستحق الاحتفاظ به وما يحتاج إلى تطويره.
آلية لترميم الفجوة الفكرية بين الأجيال
حددت استشارية علم النفس الأسري ثلاث خطوات رئيسة لترميم الفجوة بين الجيلين:
- تتمثل الخطوة الأولى في الانتقال من ثقافة الصراع نحو التكامل، مع التأكيد على حاجة المجتمع إلى حكمة الكبار بالتوازي مع طاقة الشباب دون إقصاء لأي طرف.
- تأتي الخطوة الثانية عبر التفريق بين المبادئ الجوهرية الثابتة كالتكافل والرحمة والمسؤولية الأسرية المستحقة للمحافظة، والممارسات الاجتماعية القابلة للتطوير تماشيًا مع المتغيرات الحياتية دون فقدان الهوية.
- بينما تقضي الخطوة الثالثة بإنشاء مساحات حوار حقيقية داخل الأسرة تضمن للابن إيصال رأيه وللأب تقدير خبرته، مما يسهم في انكماش الفجوة تدريجيًا.
خلصت الاستشارية إلى أن المجتمعات القوية تواكب العصر وتطور أدواتها دون تجميد للزمن أو تخلٍ عن الجذور، مؤكدة أن التاريخ يُثبت تغيّر الأجيال في الوسائل لا الاحتياجات الأساسية.
وأوضحت العرنوس أن الشباب الحالي لا يزال يبحث عن الانتماء والحب والاحترام والمعنى، تمامًا كالأجيال السابقة، مشيرة إلى أن الفجوة الحقيقية ليست بين الماضي والحاضر، بل بين من يتمسك بالحوار ومن يتمسك بإطلاق الأحكام المسبقة.
واختتمت الاستشارية برؤية مفادها أن جلوس الطرفين بغرض الاستماع لا الإدانة يكشف دائمًا أن المساحات المشتركة بينهما أكبر بكثير مما يفرقهما.
