خطيب بدلة
دخلت سوريا عصر التغيرات الكبرى، اعتبارًا من شهر آذار 2011، عندما انطلقت الثورة. ثمة من يعترض على استخدام مصطلح “الثورة”، باعتبار أن ما حصل، تحت هذه التسمية، أدى، في خاتمة المطاف، إلى وقوع كوارث وطنية، وأنها أوصلت الجهاديين إلى الحكم. لن أتوقف عند التسمية، بالطبع، فالمهم، هنا، القول بأن الأرض، في ذلك التاريخ، تزلزلت تحت أقدام السوريين، إيذانًا ببدء التغيرات الكبرى، مع الإشارة إلى أن التغيير، وخاصة في البلدان المتخلفة، قلما يكون إلى الأحسن.
في سنة 2011، بعد 11 سنة من حكم بشار الأسد، تحولت سوريا إلى دولة فاشلة، تمتلك كل مقومات السقوط: استبداد وحشي، تمايز طبقي كبير، فساد سرطاني، محسوبيات، إقصاء للمختصين، إسكات للمثقفين، تغول لأجهزة المخابرات، هوامير اقتصادية كبيرة تنهب البلاد في وضح النهار.
أحدثت الهزة الزلزالية الأولى انقسامًا شاقوليًا في المجتمع السوري، بين المجموعات البشرية الثائرة، ونظام الأسد الذي غض الطرف عن أحقية المطالب الشعبية التي أدت إلى الثورة، ولم يقدم أي تنازلات للمحتجين، أو لأجل تلبية لمطالبهم، وبدلًا من رفع يد المخابرات عن رقاب الناس، تشكلت أجهزة قمعية إضافية، وأطلقت يد الشبيحة، وتطورت إجراءات الاعتقال، والتعذيب، باختصار، أعلن النظام المواجهة، بالقوة، بديلًا عن كل الحلول الممكنة، أو المحتملة. وما مضى سوى أشهر قليلة على انطلاق الاحتجاجات، حتى ظهرت نغمة التسليح، وبعد التسليح، دخلت الأسلمة على الخط، ولم يكن أمام بشار الأسد، للإبقاء على حكمه، سوى الاحتماء بحليفيه التقليديين، روسيا وإيران، وكان طبيعيًا أن تستغل إيران عنصر الأسلمة (السنية)، لتكشر عن أنيابها الطائفية، فأرسلت “حزب الله” ليقاتل، علنًا، إلى جانب الأسد، وميليشيات شيعية عراقية، فاكتملت، حينئذ، العناصر الرئيسية للحرب الأهلية.
كانت الثورة، أو الانفجار، أو الاحتجاجات، من القوة والاتساع بما يكفي لإحداث التغيير، وإنهاء حقبة الأسد، ولكن التوازنات الدولية أعاقت حدوثه، وأكبر دليل على ذلك ما حصل سنة 2016، عندما شرفتنا أسراب الطائرات الروسية، واتبعت أسلوب الأرض المحروقة. هذا التدخل منع حدوث التغيير، ورفع، بالتالي، تكلفة التغيير على هذا النحو المذهل.
في تلك السنوات، تكرست أشكال متعددة من الانقسامات في المجتمع السوري، وحتى في الجغرافيا السورية، صار لدينا أربع مناطق: شرق الفرات، ومنطقة إدلب، تحكمها “هيئة تحرير الشام”، ومناطق الجيش الوطني، التابعة لتركيا، والسويداء التي أصبحت شبه مستقلة إداريًا، ومناطق النظام التي أطلق عليها بشار الأسد تسمية غبية: سوريا المفيدة.
الزلزال الكبير الآخر، وهو الأقوى، والأخطر، الذي وجه ضربة كبيرة للتوازنات التي أبقت على سلطة بشار الأسد، هو عملية 7 أكتوبر 2023، التي حملت اسم “طوفان الأقصى”، وأنا أعتقد أن هذا الطوفان كان القشة التي قصمت ظهر نظام بشار الأسد، فابتداء من تلك اللحظة، انطلقت حرب إسرائيلية واسعة، مدعومة من أقوى دولة في العالم، أمريكا، فكان لا بد من كسر ظهر “حماس” و”حزب الله”، وأما سوريا فلم تكن حليفة لإيران وحسب، بل كانت المعبر الرئيسي للإمدادات التي تأتي من طهران، عبر العراق، وصولًا إلى لبنان.
