الكورنيش.. صالون اللاذقية المفتوح على البحر

  • 2026/06/28
  • 3:11 م
الكورنيش الغربي باللاذقية في ستينيات القرن الماضي قبل التوسعات الحديثة (اللاذقية والتاريخ/فيسبوك)

الكورنيش الغربي باللاذقية في ستينيات القرن الماضي قبل التوسعات الحديثة (اللاذقية والتاريخ/فيسبوك)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – يزن قر

في مدينة تتكئ على البحر الأبيض المتوسط، لم تكن الواجهة البحرية في اللاذقية مجرد مشهد طبيعي، بل مساحة حياة يومية شكّلت خلال عقود طويلة جزءًا من الذاكرة الاجتماعية والثقافية عبر تفاصيل الجلسات واللقاءات والحياة اليومية.

قبل التحولات العمرانية التي رافقت توسعة المرفأ التجاري في العقود اللاحقة، كان الكورنيش الغربي مساحة مفتوحة تمتد فيها المقاهي والمسابح وميناء الصيد الصغير في خط واحد ملاصق للمياه، ما جعل البحر جزءًا مباشرًا من التجربة اليومية، لا مجرد مشهد يُرى من بعيد.

كان الكورنيش يبدأ من جهة حديقة “البطرني”، التي أُنشئت في موقع كان مقبرة إسلامية قبل أن يحوّلها الفرنسيون خلال فترة الانتداب إلى حديقة عامة، ويمتد بمحاذاة البحر مرورًا بعدد من المقاهي التي شكّلت ذاكرة المكان، مثل “العصافيري” و”اللاكبان” و”فينيسيا” و”المنتزه”، وصولًا إلى ميناء صيد صغير يُعرف باسم “مينا القزاز”، ثم المسابح والنوادي التي كانت جزءًا من هذا الامتداد الاجتماعي المفتوح.

الكورنيش كحياة يومية

لم يكن الكورنيش الغربي مساحة ترفيهية فقط، بل جزءًا من الروتين اليومي لسكان المدينة.

جلسات المساء، المشي على الواجهة البحرية، لقاءات عفوية، ومراقبة الغروب، كانت تفاصيل متكررة في حياة الأهالي، حيث تتحول الزيارة إلى مساحة اجتماعية مفتوحة.

المكان لم يكن مخصصًا للنزهة فقط، بحسب ما قالته نجوى المصطفى (80 عامًا)، بل كان مساحة لرؤية الناس والتفاعل معهم، وكان يشبه “صالون المدينة المفتوح على البحر”.

بينما قال أحمد سكوتي (69 عامًا)، إنهم كانوا يذهبون إلى الكورنيش بشكل يومي تقريبًا، من دون تخطيط مسبق، حيث كان اللقاء بالناس هناك يتم بشكل عفوي وكأن المدينة كلها تجتمع في المكان نفسه.

مقاهي الكورنيش

ارتبطت مقاهي اللاذقية تاريخيًا بالبحر، إذ كانت في بدايات القرن الـ20 محطة للبحّارة القادمين من السفر، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى مساحة اجتماعية عامة لأهالي المدينة.

كان البحّارة يجلسون على كراسي الخيزران، يتبادلون القصص بانتظار الإبحار أو العودة، ومع الوقت أصبحت المقاهي جزءًا من الحياة اليومية للمدينة كلها، لا ترتبط بفئة واحدة.

قال محمد هنادي، وهو بحّار سابق، لعنب بلدي، إن المقهى كان محطة قبل السفر وبعده، كنا نتكلم عن البحر وكأنه حياتنا اليومية، لا مجرد عمل.

ومن أبرز هذه المقاهي مقهى “العصافيري” الذي تأسس في أربعينيات القرن الماضي على الواجهة البحرية للكورنيش الغربي، فكان من أهم نقاط الالتقاء في المدينة.

كما لعبت مقاهٍ أخرى، مثل “اللاكبان” و”فينيسيا”، دورًا مشابهًا في تشكيل الحياة الاجتماعية اليومية.

وأضاف محمد، “في (العصافيري) كنا نسمع أخبار المدينة قبل أن تصل إلى أي مكان آخر، كان جزءًا من الذاكرة اليومية”.

الفن والثقافة على الواجهة البحرية

لم تقتصر وظيفة مقاهي الكورنيش على الجانب الاجتماعي، بل تحول بعضها إلى مساحات ثقافية وفنية لعبت دورًا مهمًا في الحياة العامة للمدينة.

ففي زمن كانت فيه المراكز الثقافية محدودة، شكّلت المقاهي المطلة على البحر أماكن للقاء الفنانين والموسيقيين والمهتمين بالشأن الثقافي، واحتضنت نشاطات متنوعة جمعت بين الترفيه والفن.

وعُرف مقهى “شناتا” باستضافة عروض موسيقية وسينمائية ومسرحية في الهواء الطلق، ما جعله واحدًا من أبرز معالم الحياة الثقافية في اللاذقية، خلال النصف الأول من القرن الـ20.

ولم تكن هذه الفعاليات تقتصر على رواد المقهى، بل كانت تستقطب جمهورًا واسعًا من أبناء المدينة الذين اعتادوا متابعة العروض في أجواء مفتوحة على البحر.

أما مقهى “إسبيرو” فكان أقرب إلى صالون ثقافي مفتوح، يجمع مثقفين وطلابًا وفنانين وروادًا يبحثون عن مساحة للحوار وتبادل الأفكار، وهناك كانت النقاشات تتجاوز شؤون الحياة اليومية إلى الأدب والفن والقضايا العامة، في مشهد يعكس طبيعة المدينة المنفتحة وتنوع روادها.

زوّار بارزون

لم يكن الكورنيش الغربي مقصدًا لأهالي اللاذقية فقط، بل مثّل لعقود واجهة المدينة أمام زوارها وضيوفها.

وشهدت المنطقة نشاطًا فنيًا وثقافيًا لافتًا خلال النصف الأول من القرن الـ20، إذ استضافت حفلات وعروضًا لعدد من أبرز الفنانين والمسرحيين العرب.

ففي أواخر صيف عام 1931، زارت أم كلثوم اللاذقية وأحيت حفلات فيها، قبل أن تعود مجددًا عام 1933، كما شهدت المدينة زيارات وعروضًا لفنانين ومسرحيين بارزين، من بينهم محمد عبد الوهاب ويوسف وهبي ونجيب الريحاني وفاطمة رشدي، ما عزز مكانة الكورنيش ومرافقه الثقافية بوصفها أحد أهم مراكز النشاط الفني على الساحل السوري آنذاك.

ولم يقتصر حضور الكورنيش على الجانب الثقافي، إذ استقبل أيضًا شخصيات سياسية بارزة، ففي عام 1959، وبعد قيام الوحدة بين سوريا ومصر، زار الرئيس المصري الأسبق، جمال عبد الناصر، اللاذقية وأمضى ليلة في أحد فنادق الكورنيش، الذي كان آنذاك يمثل واجهة المدينة ومركزًا للحياة العامة فيها.

من البحر المفتوح إلى الواجهة المغلقة

مع توسعة المرفأ التجاري خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تغيّر المشهد البحري في اللاذقية بصورة جذرية.

فبعد سنوات من الجدل حول إنشاء مرفأ جديد خارج المدينة أو توسيع المرفأ القائم، رُجّح الخيار الثاني بسبب انخفاض تكلفته، ما استدعى ردم أجزاء من البحر وإزالة عدد من المقاهي والمنشآت التي كانت تشكّل قلب الكورنيش القديم.

لم يكن التغيير عمرانيًا فقط، بل مسّ العلاقة اليومية التي ربطت أهالي المدينة بالبحر لعقود طويلة، فالمقاهي التي كانت تلامس المياه مباشرة اختفت أو تبدّل موقعها، وتراجع حضور ميناء الصيد الصغير والخُلجان الصخرية التي اعتاد الأهالي ارتيادها، فيما حلّت الرافعات والحاويات تدريجيًا مكان المشهد البحري المفتوح.

وأصبح البحر، الذي كان في متناول رواد الكورنيش، أبعد من ذي قبل، فبعدما كانت الأمواج تُسمع من الطاولات وتصل أحيانًا إلى أقدام الجالسين في أيام الشتاء، باتت الواجهة البحرية محجوبة خلف النشاط التجاري للمرفأ، ما غيّر طبيعة المكان ووظيفته الاجتماعية.

ورغم إعادة تأهيل الكورنيش في منتصف الثمانينيات وظهوره بالشكل الذي يعرفه أبناء اللاذقية اليوم، يرى كثيرون أن المكان فقد جزءًا من روحه القديمة، فالكورنيش الجديد حافظ على دوره كممشى ومتنفس للسكان، لكنه لم يستطع استعادة العلاقة المباشرة التي كانت تجمع المدينة بالبحر، ولا تلك الحيوية التي صنعتها المقاهي والمسابح ومرافئ الصيد الصغيرة على امتداد الواجهة البحرية.

ما تبقّى من الكورنيش

رغم مرور عقود على تغيّر الواجهة البحرية، لا يزال الكورنيش القديم حاضرًا في أحاديث أبناء اللاذقية وصورهم وذكرياتهم، فالأجيال التي عاشت المكان تستعيد تفاصيله بوصفه جزءًا من حياتها اليومية، بينما تعرّفت إليه الأجيال اللاحقة من خلال روايات الآباء والأجداد والصور القديمة المتداولة بين أبناء المدينة.

ولا تكاد صفحات اللاذقية على مواقع التواصل الاجتماعي تخلو من صور للكورنيش القديم ومقاهيه ومسابحه، ترافقها تعليقات تستعيد أسماء الأماكن وتفاصيلها الصغيرة.

وربما يفسّر ذلك استمرار حضوره في الوعي الجمعي للمدينة، بوصفه أكثر من مجرد واجهة بحرية، بل مساحة شكّلت جانبًا من هوية اللاذقية وعلاقتها بالبحر لعقود طويلة.

مقالات متعلقة

  1. استياء جراء إزالة مقاهي كورنيش جبلة المخالفة
  2. اللاذقية.. أجور النقل والأسعار تقلّصان خيارات الأهالي في نزهات العيد
  3. نفايات وقوارض تنتشر على كورنيش بانياس البحري
  4. عاصفة في الساحل.. إغلاق مينائي اللاذقية وطرطوس ومصب النفط ببانياس

مجتمع

المزيد من مجتمع