أعلنت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة الحسكة عزمها تشكيل لجان أهلية تطوعية من أبناء المجتمع المحلي لمراقبة تنفيذ مشاريع الجمعيات والمؤسسات الأهلية المرخصة، في خطوة قالت إنها تهدف إلى تعزيز الرقابة المجتمعية وإشراك السكان في متابعة المشاريع الإنسانية، ورصد الملاحظات المتعلقة بتنفيذها، بما يسهم في رفع مستوى الشفافية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين.
وبحسب إعلان المديرية، ستُشكَّل اللجان في مختلف مناطق المحافظة، بما يشمل أحياء مدينتي الحسكة والقامشلي، إضافة إلى المخيمات ومراكز الإيواء، على أن تتولى متابعة تنفيذ المشاريع الإنسانية ورفع تقارير دورية إلى المديرية، مع متابعة معالجة الملاحظات حتى تصويبها.
وتقتصر مهام اللجان على متابعة عمل الجمعيات والمؤسسات الأهلية المرخصة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ولا تشمل المنظمات أو الهيئات التي تتبع لجهات أخرى.
استجابة لملاحظات ميدانية
قال مدير الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة الحسكة، إبراهيم خلف، في حديث إلى عنب بلدي، إن فكرة تشكيل اللجان جاءت بعد إعادة تفعيل عمل المديرية عقب عملية الدمج الحكومي، وإطلاق جولات ميدانية ولقاءات مع المجتمع المحلي في مختلف مناطق المحافظة.
وأضاف أن تلك الجولات أظهرت وجود ملاحظات متكررة حول أداء بعض الجمعيات والمؤسسات الأهلية، ما دفع المديرية إلى البحث عن آلية تتيح للمجتمع المحلي المشاركة في مراقبة تنفيذ المشاريع، إلى جانب الدور الإشرافي الذي تضطلع به المديرية بحكم مسؤولياتها القانونية.
وأوضح أن الهدف الرئيس للمبادرة هو “تكريس شراكة حقيقية بين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والمجتمع المحلي”، عبر إشراك المواطنين في متابعة تنفيذ المشاريع الإنسانية، وإعداد تقارير دورية تساعد المديرية على تقييم الأداء واتخاذ الإجراءات المناسبة عند الحاجة.
وأشار إلى أن محافظة الحسكة تمتد على مساحة جغرافية واسعة، ما يجعل من الصعب على كوادر المديرية وحدها الوصول إلى جميع مواقع تنفيذ المشاريع، خاصة في المناطق البعيدة التي قد تتجاوز المسافة إليها 200 كيلومتر، الأمر الذي يجعل مساهمة أبناء المناطق أنفسهم في أعمال الرقابة ضرورة عملية.
آلية اختيار أعضاء اللجان
اعتمدت المديرية آلية مزدوجة لاختيار أعضاء اللجان، بحيث تضم كل لجنة خمسة أعضاء من الرجال والنساء.
وأوضح خلف أن ثلاثة أعضاء سيجري ترشيحهم من قبل مديري المناطق والنواحي، فيما سيُختار العضوان الآخران من بين طلبات التطوع التي تلقتها المديرية عبر صفحتها الرسمية من ناشطين وإعلاميين وفاعلين محليين يحظون بثقة مجتمعية.
وستشكل المديرية لجنة مختصة لإجراء مقابلات مع المتقدمين واختيار الأنسب، بهدف ضمان وجود أشخاص يمتلكون القدرة على المتابعة والعمل الميداني والموضوعية في تقييم المشاريع.
اعتماد أكثر من جهة في عملية الترشيح يهدف إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التوازن والاستقلالية داخل اللجان، بحسب خلف.
صلاحيات تتجاوز رصد الملاحظات
ولن يقتصر دور اللجان على إعداد تقارير بالملاحظات، وفق مدير الشؤون الاجتماعية والعمل، بل سيمتد إلى متابعة الإجراءات التي تتخذها المديرية لمعالجة تلك الملاحظات.
وقال إن المديرية ستتعامل مع كل تقرير يرد إليها باتخاذ إجراءات رقابية مناسبة، قد تبدأ بالتنبيه، وقد تصل في بعض الحالات إلى إيقاف جزء من المشروع مؤقتًا لحين التحقق من الوقائع.
وأضاف أن أعضاء اللجان سيتمكنون من الاطلاع على الإجراءات التي تتخذها المديرية، ومتابعة تنفيذها، وقد يُطلب رأيهم في بعض الحالات، بما يتوافق مع الأنظمة والقوانين الناظمة لعمل الوزارة.
ويرى خلف أن هذه الآلية ستجعل دور اللجان يتجاوز مجرد رفع التقارير، ليصبح جزءًا من منظومة المتابعة والتقييم حتى الوصول إلى معالجة المخالفات.
معالجة المخالفات وفق القوانين
وحول طبيعة المخالفات التي قد ترصدها اللجان، أوضح خلف أن المديرية ستتعامل مع كل حالة بحسب حجمها وطبيعتها.
وأشار إلى أن الأخطاء الإدارية أو التنفيذية البسيطة يمكن معالجتها داخل المديرية عبر مديرية الرقابة ومديرية المنظمات غير الحكومية، بينما ستُحال المخالفات الجسيمة، أو الحالات التي قد تنطوي على تنفيذ مشاريع وهمية أو مخالفات كبيرة، إلى الجهات الرقابية المختصة عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.
وأكد أن الإجراءات ستستند إلى القوانين والأنظمة النافذة، مع مراعاة التدرج في التعامل مع المخالفات بحسب خطورتها.
وأضاف أن اللجان لن تكون جهة تنفيذية أو عقابية، وإنما جهة رقابية مجتمعية تقدم المعلومات وتتابع المعالجة بالتنسيق مع المديرية.
جميع المناطق مشمولة
وأكد مدير الشؤون الاجتماعية والعمل أن اللجان ستغطي جميع المناطق الجغرافية في محافظة الحسكة، بحيث تُشكَّل لجان مستقلة في الأحياء داخل المدن، إضافة إلى لجان في النواحي والبلدات والمخيمات ومراكز الإيواء.
المبادرة ستشمل جميع الجمعيات والمؤسسات الأهلية المرخصة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل دون استثناء.
وأضاف أنه في حال رصدت اللجان مخالفات تتعلق بجمعيات أو مؤسسات غير مرخصة لدى الوزارة، فإن المديرية سترفع تلك الملاحظات عبر الوزارة إلى الجهات المختصة التي تتبع لها تلك الجهات، لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
الشفافية دون الإضرار بالتحقيقات
وبشأن نشر نتائج أعمال اللجان، قال خلف إن التقارير الرقابية لن تُنشر جميعها للرأي العام، نظرًا لأن بعضها يتطلب قدرًا من السرية حفاظًا على سلامة إجراءات المتابعة وعدم تحويل التقارير إلى وسيلة للتشهير.
وأوضح أن اللجان ستُبلَّغ بنتائج معالجة الملاحظات التي ترفعها، بينما ستُنشر المعلومات التي لا تتعارض مع التعليمات أو المصلحة العامة.
وأضاف أن الهدف الأساسي هو معالجة المخالفات ووقفها، وليس نشر التقارير بحد ذاته.
بدء العمل خلال تموز
وتوقع خلف أن تبدأ اللجان عملها خلال شهر تموز المقبل، بعد استكمال الترشيحات واختيار الأعضاء.
وقال إن الإعلان أدى بالفعل إلى تلقي ترشيحات من مديري النواحي، إلى جانب طلبات تطوع من أبناء المجتمع المحلي.
وأضاف أن عمل اللجان سيكون تطوعيًا بالكامل، وأن الهدف الأول والأخير للمبادرة يتمثل في “تعزيز شراكة المجتمع في مراقبة عمل القطاع الأهلي”.
وأوضح أن المديرية ستزود اللجان، عند بدء أي مشروع جديد، بنسخة من الموافقة الرسمية الصادرة عن الوزارة، تتضمن قيمة المشروع ومدته وأهدافه وعدد المستفيدين منه، بما يتيح لأعضاء اللجان مقارنة التنفيذ الفعلي بما هو مخطط له.
ويرى أن هذه الخطوة ستمنح المجتمع المحلي صورة أوضح عن المشاريع المنفذة في مناطقه، بعد أن كانت كثير من التفاصيل المتعلقة بحجم التمويل أو عدد المستفيدين غير معروفة للسكان.
وأضاف أن مجرد وجود رقابة مجتمعية سيحد من الأخطاء التي قد تقع أثناء تنفيذ المشاريع، خاصة المشاريع الكبيرة، لأن الجهات المنفذة ستكون على دراية بوجود متابعة مباشرة من أبناء المنطقة.
في حال أثبتت التجربة نجاحها، فإن المديرية ستخاطب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل للنظر في تعميمها على محافظات أخرى، وربما تُستفاد منها لاحقًا في قطاعات وجهات حكومية أخرى تشرف على العمل الإنساني.
ترحيب شعبي
ورحب عدد من أهالي محافظة الحسكة بالمبادرة، معتبرين أنها تمثل فرصة لتعزيز الرقابة على المشاريع الإنسانية، خاصة بعد سنوات من الشكاوى المتعلقة بآليات تنفيذ بعض المشاريع، وتأخر إنجازها أو عدم مطابقتها لما كان معلنًا.
وقال أحمد العلي، من سكان مدينة الحسكة، إن إشراك أبناء الأحياء في متابعة المشاريع “خطوة طال انتظارها”، لأن السكان هم الأكثر قدرة على معرفة ما يجري في مناطقهم، والأقدر على ملاحظة أي تقصير أو خلل في التنفيذ.
وأضاف، لعنب بلدي، أن بعض المشاريع التي نُفذت خلال السنوات الماضية كانت تعاني من ضعف المتابعة، إذ كانت بعض الجمعيات تنجز أعمالًا خدمية أو تأهيلية دون وجود جهة محلية تراقب جودة التنفيذ أو التزامها بالمدة الزمنية المعلنة، ما أدى في بعض الأحيان إلى بقاء ملاحظات دون معالجة.
اطلاع اللجان على تفاصيل المشروع، من حيث الميزانية وعدد المستفيدين والمدة الزمنية، سيمنح المجتمع المحلي القدرة على مقارنة ما هو معلن بما يُنفذ على أرض الواقع، بحسب ما قاله أحمد العلي، وهو ما سيعزز ثقة الأهالي بالمشاريع الإنسانية ويحد من أي تجاوزات قد تحدث.
من جهتها، قالت سمر المحمد، من الحسكة، إن وجود رقابة مجتمعية مباشرة من أبناء المناطق سيشكل عامل ضغط إيجابي على الجمعيات والمؤسسات المنفذة، ويدفعها إلى الالتزام أكثر بمعايير الجودة والشفافية.
وأضافت أن الأهالي كانوا يلاحظون في بعض الأحيان تأخر تنفيذ مشاريع خدمية أو تنموية، أو تنفيذها بمستوى أقل من المتوقع، دون أن تتوافر لهم قناة واضحة لإيصال ملاحظاتهم إلى الجهات المسؤولة، معتبرة أن اللجان الجديدة قد تسد هذه الفجوة إذا مُنحت الصلاحيات الكافية وأُخذت تقاريرها بجدية.
وأعربت عن أملها في أن تقتصر عضوية اللجان على أشخاص معروفين باستقلاليتهم ونزاهتهم داخل مجتمعاتهم المحلية، لأن نجاح المبادرة، بحسب رأيها، لا يرتبط فقط بتشكيل اللجان، بل بقدرتها على متابعة الملاحظات حتى معالجتها، والتأكد من التزام الجمعيات بتنفيذ المشاريع وفق المواصفات والأهداف المعلنة، بما ينعكس على تحسين الخدمات المقدمة للمستفيدين.
وتأتي هذه المبادرة في وقت يشهد فيه قطاع العمل الإنساني في محافظة الحسكة تنفيذ عشرات المشاريع التي تنفذها جمعيات ومؤسسات أهلية في مجالات الإغاثة والتنمية والخدمات، وسط مطالب متكررة من السكان بزيادة مستويات الرقابة والشفافية، وضمان وصول الدعم إلى الفئات المستهدفة وفق الخطط المعلنة.
