يتصدر الحديث عن الدور السوري في لبنان واجهة المشهد الإقليمي، بعدما أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بشأن إمكانية أن تتولى دمشق التعامل مع ملف “حزب الله” موجة واسعة من التكهنات، تزامنت مع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عقد اجتماع أمني طارئ لبحث سيناريو دخول قوات سورية إلى لبنان.
ويأتي ذلك في وقت شددت فيه دمشق على رفضها أي تدخل عسكري، مؤكدة أن مقاربتها تقوم على دعم الدولة اللبنانية واحترام سيادتها، وأنها تبحث عن شراكات اقتصادية وأمنية لا عن عودة عسكرية إلى الساحة اللبنانية.
ورغم هذا النفي الرسمي، فإن إسرائيل تبدو غير مقتنعة بالرواية السورية، وتتعامل مع التطورات بمنطق الاستعداد المسبق لأي تغير محتمل في موازين القوى على حدودها الشمالية، خصوصًا في ظل التحولات التي شهدها “حزب الله” بعد الحرب، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، والدور المتنامي الذي تسعى دمشق إلى استعادته بعد سنوات من الانكفاء.
وبين الحديث عن ترتيبات ما بعد الحرب، والرفض اللبناني التاريخي لعودة القوات السورية، تتعدد السيناريوهات حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه دمشق في المرحلة المقبلة، وما إذا كان سيبقى محصورًا في الإطار السياسي والأمني، أم أنه قد يتطور إلى أشكال أخرى من التدخل.
عقلية الشك الأمني
رغم التأكيدات السورية المتكررة بأن لا نية لإرسال قوات إلى لبنان، فإن تل أبيب رفعت مستوى استعدادها الأمني، وسط تقديرات إسرائيلية بأن المشهد الإقليمي يشهد إعادة رسم للأدوار، وأن التصريحات السياسية قد لا تعكس دائمًا ما يجري خلف الكواليس، خصوصًا مع تكرار حديث ترامب عن دور سوري محتمل في لبنان.
وقرر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عقد اجتماع أمني “طارئ” لبحث احتمالات دخول القوات السورية إلى لبنان، وذلك على خلفية تصريحات كررها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بشأن احتمال دخول قوات سورية إلى الأراضي اللبنانية.
بالمقابل، رفض الرئيس السوري، أحمد الشرع، الخيار العسكري في التعامل مع لبنان، مع التأكيد على التعاون مع الحكومة اللبنانية على أساس احترام السيادة المتبادل بينهما.
أستاذ القانون الدولي العام والباحث في العلاقات الدولية، عامر فاخوري، يرى أن إسرائيل تتعامل مع الملف السوري- اللبناني بعقلية الشك الأمني، فهي لا تبني تقديراتها على التصريحات الرسمية فقط، وإنما على المتغيرات الميدانية والإقليمية، وفي مقدمتها تراجع نفوذ حزب الله، واحتمال وجود ترتيبات تمنح دمشق دورًا جديدًا في لبنان، ولو بصورة سياسية أو أمنية غير مباشرة.
ويؤكد فاخوري، في حديثه مع عنب بلدي، أن عدم اقتناع إسرائيل بالنفي السوري لا يعني امتلاكها معلومات مؤكدة عن تدخل عسكري وشيك، وإنما يعكس رغبتها في البقاء مستعدة لأي تغير في ميزان القوى على حدودها الشمالية.
إسرائيل.. عدم التعويل على أي طرف
بدوره، الخبير السياسي والأمني الأردني، عامر سبايلة، يعتبر أن الموقف الإسرائيلي ينسجم مع العقيدة الأمنية التي تعتمدها تل أبيب، والقائمة على عدم التعويل على أي طرف في حماية أمنها، سواء في سوريا أو لبنان.
ويضيف لعنب بلدي، أن إسرائيل لا تزال تنظر إلى الساحة السورية باعتبارها غير مستقرة، ولذلك فمن الطبيعي أن تتعامل مع أي حديث عن دور سوري محتمل بحذر شديد، معتبرًا أن الاجتماع الأمني الإسرائيلي يأتي في إطار الاستعدادات الوقائية أكثر من كونه استجابة لمؤشرات ميدانية مؤكدة.
أدوار “غير مباشرة”
تثير التصريحات الأمريكية والإسرائيلية تساؤلات حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه دمشق في لبنان، إلا أن المعطيات الميدانية والداخلية تشير إلى أن أي عودة عسكرية سورية ستصطدم بعقبات سياسية كبيرة، ما يجعل الحديث يتجه أكثر نحو أشكال أخرى من الحضور.
عامر فاخوري يرى أن سيناريو التدخل العسكري المباشر يبقى ضعيفًا للغاية، لأنه سيعيد إلى الأذهان مرحلة الوجود العسكري السوري في لبنان، وسيواجه رفضًا لبنانيًا واسعًا، فضلًا عن كلفته السياسية والعسكرية واحتمال فتح مواجهة مباشرة مع حزب الله.
ويشير إلى أن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في أدوار غير مباشرة، مثل تعزيز ضبط الحدود السورية لمنع تهريب السلاح، أو تنسيق أمني محدود مع الحكومة اللبنانية، من دون دخول قوات سورية إلى الأراضي اللبنانية.
أما عامر سبايلة، فيستبعد بدوره جميع سيناريوهات التدخل العسكري، معتقدًا أن القوات السورية الحالية لا تمتلك القدرة ولا البيئة الدولية التي تسمح لها بتنفيذ مهمة بهذا الحجم.
ويضيف أن حتى إدارة الحدود السورية- اللبنانية لا تزال تمثل تحديًا، الأمر الذي يجعل الحديث عن تدخل داخل لبنان أقرب إلى التداولات السياسية منه إلى سيناريوهات قابلة للتنفيذ.
وقد نقلت صحيفة “يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية، في 24 من حزيران، أن إسرائيل تعارض بشدة أي انتشار أو دخول لقوات سورية إلى لبنان، وسط مخاوف إسرائيلية من أن تكون دمشق قد بدأت اتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه.
وبحسب المصادر، فإن نتنياهو دعا إلى الاجتماع الأمني في إطار الاستعداد لسيناريو محتمل، يتضمن تحركات عسكرية سورية داخل لبنان.
عبء كبير على دمشق
في الوقت الذي تعمل فيه الحكومة السورية على تثبيت الاستقرار الداخلي، وإعادة بناء الاقتصاد، وتحسين علاقاتها العربية والدولية، يبرز تساؤل حول ما إذا كان الانخراط في الملف اللبناني سيمنحها أوراق قوة إضافية، أم سيعيدها إلى أزمات تجاوزتها.
وكان الرئيس السوري، أحمد الشرع، قال إن الرئيس ترامب، أبدى انزعاجه مما يجري في لبنان ويبحث عن إيقاف الحرب.
وأضاف أن الحديث عن دور سوريا في البحث عن حل آمن وهادئ فُهم بصورة خاطئة لدى البعض، وكأنه يعني أن سوريا ستدخل لبنان غدًا صباحًا.
وأوضح الشرع أنه يمكن الاعتماد على سوريا في دعم الدولة اللبنانية وتقوية مؤسساتها الرسمية وإيجاد صلات ربط بين القوى اللبنانية، بما فيها “حزب الله”، معتبرًا أن الحلول المجتزأة تنطوي على مشكلات كبيرة.
عامر فاخوري، يفرق بين التدخل العسكري والدور السياسي، مؤكدًا أن أي تدخل عسكري سيكون عبئًا كبيرًا على دمشق، لأنه سيعيد إحياء ملف الوصاية السورية السابقة، وسيضعها في مواجهة مع الداخل اللبناني والمجتمع الدولي.
أما الدور السياسي أو الأمني المحدود، فيمكن أن يشكل مكسبًا إذا جاء عبر المؤسسات اللبنانية واحترم السيادة، بما يتيح لسوريا الظهور كشريك في دعم الاستقرار وضبط الحدود، لا كطرف يسعى لاستعادة نفوذه السابق.
أما عامر سبايلة، فيذهب إلى أن سوريا ليست بحاجة إلى تحمل أعباء إضافية في هذه المرحلة، بل يفترض أن تركز على ملفاتها الداخلية، لأن الانخراط في الساحة اللبنانية قد يفتح تعقيدات سياسية وأمنية لا تصب في مصلحتها، سواء كان التدخل سياسيًا أو عسكريًا.
التعامل السوري غير مؤثر في الاستراتيجية الإسرائيلية
في ظل الحديث عن إعادة ترتيب المشهد اللبناني بعد الحرب، يثار سؤال حول ما إذا كانت دمشق قد تجد مصلحة في تقليص نفوذ حزب الله، أو حتى لعب دور في هذا الملف، خاصة مع تراجع النفود الإيراني في بعض ساحات المنطقة.
خاصة وأن الرئيس الشرع أكد إيمانه بالحوار، معتبرًا أن إغلاقه يعني الذهاب نحو الحرب، مشددًا على أن سوريا تريد حل مشكلة “حزب الله” وأن يبقى لبنان حيًا، مضيفًا أن دمشق جاهزة للجلوس مع الجميع.
أستاذ القانون الدولي العام والباحث في العلاقات الدولية، عامر فاخوري، يشرح أن دمشق ليست معنية بالدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله، لأن ذلك سيُفسَّر على أنه خدمة لأجندات خارجية، وقد يضعها في مواجهة مع قوى لبنانية وإقليمية.
لكنه يوضح أن من مصلحة سوريا قيام دولة لبنانية قوية ومؤسسات رسمية قادرة على إدارة ملف السلاح والحدود، بما يؤدي تدريجيًا إلى تراجع نفوذ الحزب ضمن مسار لبناني داخلي، لا عبر تدخل سوري مباشر.
ويؤكد أن دمشق تستطيع تعزيز حضورها الإقليمي من خلال دعم الاستقرار والدبلوماسية، وليس عبر الانخراط في صراعات عسكرية جديدة.
بينما الخبير الأمني الدولي عامر سبايلة، يعتقد أن ملف “حزب الله” بالنسبة لإسرائيل أصبح جزءًا من استراتيجية مستقلة لا تعتمد على أي طرف آخر، وبالتالي فإن الحديث عن دور سوري في مواجهة الحزب أو دعمه لا يغير من الحسابات الإسرائيلية.
ويشير إلى أن إسرائيل باتت تدير كل جبهة بصورة منفصلة، ولذلك فإن أي حوار أو تفاهم سوري مع “حزب الله” لن يكون عاملًا مؤثرًا في الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية، التي تقوم على التعامل المباشر مع مصادر التهديد وفق رؤيتها الأمنية.
من التهديد بالحرب إلى المساس بالشرع.. ماذا تريد إسرائيل من سوريا؟
