حرائق الحسكة.. استجابة تحد من الكارثة ولا تمنع الخسائر

  • 2026/06/29
  • 1:25 م

استجابة مديرية الطوارئ للحرائق في الحسكة – 28 حزيران 2026 (مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في الحسكة)

enab_get_authors_shortcode

تواصل حرائق المحاصيل الزراعية في محافظة الحسكة تسجيل خسائر كبيرة خلال موسم الحصاد الحالي، بعدما أتت النيران على عشرات آلاف الدونمات في عدد من المناطق، وسط جهود تبذلها فرق الإطفاء والجهات المعنية للحد من انتشارها، في وقت يؤكد فيه مزارعون أن تأخر وصول فرق الإطفاء وقلة نقاط الانتشار أسهما في اتساع رقعة الأضرار، مطالبين بتعويضات عن خسائرهم، بينما اكتفت مديرية الزراعة حتى الآن بحصر الأضرار دون إعلان أي برنامج للتعويض.

وبحسب بيانات مركز فوج إطفاء الحسكة، بلغت المساحة المتضررة من الحرائق منذ 24 أيار وحتى 26 حزيران نحو 33,016 دونمًا، توزعت بين 1,795 دونمًا من القمح، و999 دونمًا من الشعير، إضافة إلى 30,222 دونمًا من بقايا المحاصيل بعد الحصاد (الفَرَاز)، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الحرائق خلال الموسم الحالي.

مئات الحرائق خلال شهر

الإداري في مركز فوج إطفاء الحسكة، أحمد مهدي، قال إن فرق الإطفاء تعاملت مع 262 حريقًا خلال الفترة المذكورة، شملت الأراضي الزراعية، إضافة إلى ست حصادات وثلاث سيارات ومحولين كهربائيين وثمانية منازل وثلاثة محلات تجارية وخيمة واحدة، فضلًا عن حرائق في الأعشاب اليابسة وأشجار الزيتون وأشجار متنوعة والنفايات.

وأوضح أن عمليات الإخماد نُفذت بمشاركة 40 عنصرًا موزعين على 20 نقطة إطفاء في مدن الحسكة وتل تمر وزركان والدرباسية، باستخدام نحو 20 آلية إطفاء وثمانية صهاريج مياه، إلى جانب الاستعانة بصهاريج البلديات، كما شارك أهالي القرى والقوات العسكرية في إخماد عدد من الحرائق التي اندلعت في المناطق الزراعية.

وأشار مهدي إلى أن نقاط الإطفاء الثابتة والمتحركة انتشرت في مواقع مختلفة شملت حطين، ومفرق زينار، والخاص، والطريق الدولي، وتل بيدر، والشور، وتل مجدل، والسيكر، وزركان، والدرباسية، وتل تمر، والإسعافية، والخريطة، ومفرق صديق، وصفيا، وتل منصور، بهدف تقليص زمن الاستجابة وحماية المناطق الزراعية الأكثر عرضة للحرائق.

وأضاف أن فرق الإطفاء بدأت انتشارها الموسع منذ الثاني من حزيران، مع دخول موسم حصاد القمح والشعير ذروته، تحسبًا لازدياد الحرائق التي تتكرر سنويًا خلال هذه الفترة.

أسباب متعددة

شهد موسم 2025-2026 اندلاع عشرات الحرائق في منطقة الجزيرة، وتباينت أسبابها بين الشرارات الناتجة عن الحصادات الزراعية، إضافة إلى أعطال في شبكات الكهرباء وأسباب أخرى لا تزال مجهولة.

وتسببت هذه الحرائق بخسائر مباشرة في المحاصيل قبل حصادها، كما أتلفت مساحات واسعة من بقايا المحاصيل بعد انتهاء الحصاد، فضلًا عن أضرار لحقت بالآليات الزراعية وبعض الممتلكات الخاصة.

وتتركز معظم الحرائق في محيط مدن تل تمر وزركان والدرباسية والحسكة، وهي مناطق تعد من أهم مراكز إنتاج القمح والشعير في شمال شرقي سوريا.

نداءات وقائية

في محاولة للحد من تكرار الحرائق، وجّه مدير مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في الحسكة، عبد الحليم الشهاب، نداءً إلى سائقي الحصادات بضرورة تجهيز آلياتهم بإطفائيات يدوية للتعامل السريع مع أي شرارة قد تؤدي إلى اندلاع حريق.

كما دعا الأهالي إلى الامتناع عن حرق الأعشاب وبقايا المحاصيل بعد الحصاد، والاستعاضة عن ذلك بفلاحة الأراضي، إضافة إلى حراثة محيط المنازل ومنظومات الطاقة الشمسية لتشكيل خطوط عازلة تحد من انتقال النيران.

وشدد كذلك على إزالة خطوط الكهرباء غير النظامية المستخدمة في بعض المشاريع الزراعية، محذرًا من أن الشرارات الناتجة عنها قد تكون سببًا مباشرًا في اندلاع حرائق جديدة.

مزارعون: دقائق التأخير تكلّف مئات الدونمات

ورغم الجهود الرسمية، يرى عدد من المزارعين أن الاستجابة الميدانية ما تزال دون مستوى الحاجة، خصوصًا في القرى البعيدة عن مراكز المدن.

وقال المزارع خالد العلي، من ريف تل تمر، إن فرق الإطفاء وصلت إلى الحريق الذي اندلع في أرضه بعد أن كانت النيران قد امتدت إلى معظم المساحة المزروعة.

وأضاف لعنب بلدي: “لا نشكك بجهود عناصر الإطفاء، لكن المشكلة أن نقاط الانتشار متباعدة، وعندما تندلع النيران في قرية بعيدة تحتاج الآليات وقتًا للوصول، وخلال هذه الدقائق تكون الرياح قد نقلت الحريق إلى مساحات واسعة”.

وأشار إلى أن الحريق التهم جزءًا كبيرًا من محصوله، كما أتلف شبكة ري وخراطيم ومعدات زراعية، موضحًا أن خسائره لم تقتصر على القمح وحده، بل شملت تجهيزات يحتاج إلى مبالغ كبيرة لإعادة تأمينها.

وطالب العلي بإنشاء نقاط إطفاء موسمية إضافية داخل التجمعات الزراعية خلال موسم الحصاد، إلى جانب تخصيص تعويضات للمزارعين المتضررين تساعدهم على استكمال الموسم المقبل.

بدوره، قال المزارع محمد الخلف، من ريف تل براك، إن الأهالي غالبًا ما يبدأون بإخماد الحرائق بوسائلهم البسيطة قبل وصول سيارات الإطفاء.

وأضاف: “نعتمد على الجرارات الزراعية وصهاريج المياه الموجودة في القرى لمحاولة تطويق النيران، لأن التأخير حتى لو كان عشر دقائق قد يعني احتراق عشرات الدونمات الإضافية”.

وأوضح أن الحريق الذي تعرضت له أرضه أدى إلى خسارة جزء من المحصول، إضافة إلى احتراق أجزاء من المستلزمات، مؤكدًا أن استمرار هذه الخسائر دون تعويض سيضاعف الأعباء المالية على المزارعين.

وطالب الخلف الجهات المعنية بالإسراع في إقرار آلية واضحة لتعويض المتضررين، مع زيادة عدد فرق الإطفاء الموسمية وتوزيعها بشكل أقرب إلى القرى الزراعية.

حصر للخسائر دون وعود بالتعويض

بالتوازي مع استمرار الحرائق، أصدرت مديرية الزراعة في الحسكة تعميمًا دعت فيه جميع المزارعين الذين تعرضت محاصيلهم للاحتراق إلى مراجعة الدوائر الزراعية الفرعية خلال أسبوع من تاريخ صدور التعميم، بهدف تسجيل الأضرار.

وطلبت المديرية من المزارعين تقديم بيانات تفصيلية تتضمن اسم الدائرة الزراعية والناحية والوحدة الإرشادية والقرية والرقم الوطني ورقم الهاتف ونوع المحصول ومساحته، على أن تُدقق الطلبات وترسل إلى مديرية الزراعة.

ويهدف التعميم إلى توثيق حجم الخسائر الزراعية في المحافظة، إلا أنه لم يتضمن أي إشارة إلى وجود برنامج لتعويض المتضررين أو جدول زمني لصرف تعويضات، ما أبقى مطالب المزارعين معلقة حتى الآن.

خبير: الاستجابة حققت نتائج لكنها تحتاج تطويرًا

من جانبه، قال خبير الاستجابة وإدارة الكوارث أحمد الحمد إن انتشار فرق الإطفاء هذا الموسم بشكل استباقي يُعد خطوة إيجابية مقارنة بمواسم سابقة، وأسهم في احتواء عدد كبير من الحرائق ومنع امتدادها إلى مساحات أكبر.

وأضاف لعنب بلدي أن مشاركة البلديات ومديريات المياه والأهالي عززت القدرة على التعامل مع الحرائق، كما أن توزيع الصهاريج والآليات في عدة نقاط خفف الضغط على المراكز الرئيسية.

لكنه أشار في المقابل إلى وجود تحديات ما تزال تؤثر في كفاءة الاستجابة، أبرزها اتساع الرقعة الزراعية في محافظة الحسكة مقارنة بعدد النقاط والآليات المتوافرة، إضافة إلى وعورة بعض الطرق الزراعية، وارتفاع درجات الحرارة وسرعة الرياح التي تسرّع انتشار النيران.

ويرى الحمد أن تعزيز الاستجابة مستقبلًا يتطلب إنشاء نقاط موسمية إضافية داخل المناطق الزراعية الأكثر خطورة، ورفع جاهزية المتطوعين المحليين، وتأمين خزانات مياه متنقلة، إلى جانب تكثيف حملات التوعية للمزارعين وسائقي الحصادات حول إجراءات الوقاية.

وأضاف أن التعويضات، إذا أُقرت لاحقًا، ستكون عاملًا مهمًا في تمكين المزارعين من استئناف الإنتاج، لأن خسارة الموسم بالنسبة لكثير منهم لا تعني فقدان المحصول فقط، وإنما فقدان رأس المال الذي يعتمدون عليه لتمويل الموسم الزراعي التالي.

تحديات تتكرر كل موسم

وتكشف حرائق الموسم الحالي أن المحافظة ما تزال تواجه تحديات متكررة مع كل موسم حصاد، في ظل المساحات الزراعية الشاسعة وتعدد مسببات الحرائق، الأمر الذي يجعل الاستجابة السريعة عاملًا حاسمًا في تقليص حجم الخسائر.

وبينما تؤكد الجهات الرسمية أنها عززت انتشار فرق الإطفاء ورفعت جاهزيتها خلال الموسم، يطالب المزارعون بإجراءات إضافية تشمل زيادة عدد نقاط الإطفاء، وتقليص زمن الوصول إلى القرى البعيدة، وإقرار تعويضات للمتضررين بعد انتهاء عمليات حصر الأضرار.

وفي انتظار انتهاء لجان الزراعة من توثيق الخسائر، يبقى آلاف المزارعين مترقبين لما ستؤول إليه نتائج الإحصاءات، وما إذا كانت ستتحول لاحقًا إلى برامج دعم وتعويض، أم ستقتصر على توثيق حجم الأضرار التي خلفتها الحرائق خلال أحد أكثر مواسم الحصاد صعوبة في السنوات الأخيرة.

مقالات متعلقة

  1. حرائق الحسكة.. المزارعون يطالبون بالتعويض وبخطة وطنية للاستجابة
  2. الحسكة.. جهود استباقية لحماية الموسم الزراعي من الحرائق
  3. "الفزعة".. خط الدفاع الأول في مواجهة حرائق المحاصيل بالحسكة
  4. مزارعو الحسكة يخشون "شبح" الحرائق مع اقتراب موسم الحصاد

خدمات محلية

المزيد من خدمات محلية